مفكرة المترجم: مع محمد الدخاخني

20 يوليو 2020
الصورة
(محمد الدخاخني)

تقف هذه الزاوية مع مترجمين عرب في مشاغلهم الترجمية وأحوال الترجمة بين اللغة العربية ولغات العالم المختلفة اليوم.


كيف بدأت حكايتك مع الترجمة؟ وما أول كتاب ترجمته وكيف جرى تلقّيه؟
القصة بدأت بشكل هاو تمامًا. أعجبتني بضع مقالات في صحف تصدر بالإنكليزية وقرّرتُ ترجمتها في مدوّنتي (مغلقة منذ سنوات) أو كتابة تلخيصات لها. ربما أردت تمرين يدي واستكشاف ممكنات هذه الهواية الجديدة. بعد ذلك، بدأت إسهاماتي في صحف ومنصّات إلكترونية تشتمل على نصوص مترجمة. في 2015، تلقّيتُ أوّلَ عرض وظيفيّ لي بوصفي مترجمًا، وعملتُ بدوام كامل في الترجمة الصحافية، حيث نقلت بشكل يومي مواد متنوّعة، تتضمّن مقالات رأي وافتتاحيات وحوارات وتحقيقات وعروض كتب، من الإنكليزية إلى العربية. هذه هي اللحظة بدأت فيها علاقتي الاحترافية بالترجمة.

أمّا تجربة أوّل كتاب فكانت محبطة إلى حد ما. في 2018، أوشكتُ على الانتهاء من ترجمة كتاب "درس ألتوسير" للفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير. نُشر العمل للمرّة الأولى بالفرنسية عام 1974 ولم يُنقل إلى الإنكليزية سوى عام 2011. هذه العقود الأربعة تقريبًا، التي تفصل بين الأصل والترجمة، اضطرّت مترجمه إيميليانو باتيستا إلى إدراج قرابة أربعين صفحةً من الحواشي. رانسيير زوده بكل ما يلزم لكتابتها وأقرّ الترجمة وزكّاها. وفي رأيي، يصعب استيعاب الكتاب، لا سيما بالنسبة إلى القارئ غير الفرنسي، دون هذه الحواشي غير المتاحة في الطبعة الفرنسية. من هنا، قرّرتُ إنجاز ترجمة عن الترجمة، اعتقادًا منّي بـ "الأهمية الترجمية" للهوامش. لكن دخلت مع الناشرين في دوّامة الحصول على شخص يراجع الترجمة عن الترجمة على الأصل، وكلّما اتفقنا مع أحدهم، أُبطل الاتفاق لسبب أو لآخر. لهذا لم أكمل المشروع واعتبرتُ التجربة برمّتها تمرينًا آخر و"درسًا". 


ما هي آخر الترجمات التي نشرتها، وماذا تترجم الآن؟
انتهيتُ لتوّي من ترجمة "يوميات وجيه غالي"، التي حرّرتها مي حواس وصدرت في جزأين عن منشورات الجامعة الأميركية في القاهرة عام 2017. الترجمة العربية ستصدر قريبًا عن دار "الكتب خان" في القاهرة. حاليًا، أعمل على ترجمة "فرويد العربي: التحليل النفسي والإسلام في مصر الحديثة" لـ أمنية الشاكري، وستصدر الترجمة عن الدار نفسها.


ما العقبات التي تواجهك كمترجم من اللغة العربية، وكمترجم إليها؟
تجاربي في الترجمة من العربية إلى الإنكليزية بحاجة إلى مزيدٍ من الصقل. على عكس الترجمة من الإنكليزية إلى العربية، لم أختبر أي حالة "مؤسسية"، بمعنى وجود محررين ومنقّحين ضمن العملية السابقة على النشر، في ترجماتي - وهي محدودة حاليًا بالمواد الصحافية - إلى الإنكليزية. أطمح فعلًا إلى مثل هذه التجربة. سهولة أو صعوبة النقل من الإنجليزية إلى العربية تعتمد بالنسبة إلي على مدى التناغم والتقاط الطول الموجي (wavelength)، لو جاز التعبير، بين المؤلف والمترجم والمحرر والمنقح والمصمم، والناشر الذي تقع على عاتقه مهمة تيسير هذه العملية برمتها. الترجمة الاحترافية ليست عرضًا يؤدّيه إنسان بمفرده (one-man show)، و شخصيًا لا أتخيلني هذا الإنسان. 


نلاحظ أن الاهتمام يقتصر على ترجمة الأدب العربي وفق نظرة واهتمام معينين، ولا يشمل الفكر وبقية الإنتاج المعرفي العربي، كيف تنظر إلى هذا الأمر وما هو السبيل لتجاوز هذه الحالة؟
باعتباري مترجمًا تطلُّعه إلى إنجاز ترجمات أدبية ضئيل جدًا، فإنني أجد هذا السؤال ملحًا. جزء من المسألة يرجع إلى السوق وطبيعته، في اللغة المترجم منها وتلك المترجم إليها. الجزء الآخر، في تقديري، يرجع إلى واقع فعلي يتمثل في أن الأدب العربي متقدم بأشواط عن بقية الإنتاج المعرفي العربي. في ما يتعلق بالسوق، لا أعتقد أنه ينبغي الرضوخ لمعاييره، في أي سياق، وإنما مقاومتها. لا يعني هذا بالضرورة أنه ثمة أمل في هزيمته. بخصوص الأدب ومقارنته بما سواه، لا أعتقد أيضًا أننا سنشهد في المستقبل القريب تقدمًا في أحوال الإنتاج المعرفي العربي غير الأدبي. المسألة هنا مؤسسية أيضًا. 


كيف هي علاقتك مع الناشر، ولا سيما في مسألة اختيار العناوين المترجمة؟
أقصر حديثي هنا على تجربتي مع دار الكتب خان، بما أن أول مشاريع مكتملة من ترجمتي سوف تصدر عنها. منذ اللحظات الأولى لتعاوننا، اتفقت والناشرة كرم يوسف على أن يكون الالتزام متبادلًا في مسألة العناوين، وأذكر أنها استخدمت عبارة "Two-way street". وبالفعل، لا تتوقف الاقتراحات من الجانبين، وكلانا يبدي تمسكه بهذه الآلية.


هل هناك اعتبارات سياسية لاختيارك للأعمال التي تترجمها، وإلى أي درجة تتوقف عند الطرح السياسي للمادة المترجمة أو لمواقف الكاتب السياسية؟
لا شك. اختياري لـ "درس ألتوسير"، مثلًا، كان نابعًا من تساؤلاتي حول أحداث أيار/مايو 1968 بشكل أساسي، وكيف أحبط الشيوعيون المكرسون والحزبيون، لا سيما ألتوسير، جمهورهم من الشباب. أيضًا، "يوميات وجيه غالي" هي عمل سياسي بامتياز في جزء منها. المسألة هنا ليست اتفاقي أو اختلافي مع الطرح السياسي بقدر ما هي مدى إثراء هذا الطرح للنقاش السياسي. 


كيف هي علاقتك مع الكاتب الذي تترجم له؟
إنها علاقة عضو نادي المعجبين (fan club) بالنجم. لا أخجل من التعبير عن ذلك. أكن إعجابًا كبيرًا بإدوارد سعيد، ولهذا ترجمت رسائله إلى صادق جلال العظم، والأمر نفسه مع جوزيف مسعد، الذي ترجمت دراسته "الحب والخوف والربيع العربي"، وكذلك رانسيير اللاذع والثاقب، إلخ. الترجمة هي طريقتي في التعبير عن إعجابي بمؤلف ما.


كثيراً ما يكون المترجم كاتباً، صاحب إنتاج أو صاحب أسلوب في ترجمته، كيف هي العلاقة بين الكاتب والمترجم في داخلك؟
لا علاقة مباشرة بين ترجماتي وكتاباتي. هذان عالمان مختلفان بالنسبة إلي. لا شك أنه ثمة حالة من التلاقح بين التجربتين، لكن ليس أكثر. لا أكون الشخص نفسه ولا ينتابني المزاج نفسه.


ما هي المبادئ أو القواعد التي تسير وفقها كمترجم، وهل لك عادات معينة في الترجمة؟
بالرغم من أنني لا أرتاح كثيرًا إلى ربط نفسي بوسمٍ ما، فإن الأدنوية (وهي ترجمة ليست من اختراعي وأعتقد أنها جيدة لكلمة Minimalism) هي "المدرسة" التي أنسب نفسي إليها. أنا مع الاجتهاد في حدوده الدنيا وما يؤدي المعنى دون تكلّف. يبالغ كثير من المترجمين إلى العربية في اختراع ترجمات عجائبية لكلمات بسيطة بالفعل في لغة النص الأصلي. تشعر أن بعضهم يترجم من معاجم غريب الألفاظ. وهذه، في نظري، علامة ضعف ودليل على قلة معرفة المترجم باللغة المنقول عنها.


كتاب أو نص ندمت على ترجمته ولماذا؟
لا يوجد.


ما الذي تتمناه للترجمة من اللغة العربية وإليها، وما هو حلمك كمترجم؟
أتطلع إلى مزيد من التنوع في الأسماء والعناوين وعدم الارتكان إلى ما هو مكرس ومعروف. حقيقة، لا تراودني أية أحلام بشأن أي شئ مهني في هذه اللحظة. أتبع تكتيك التوقف عن الحلم ضمن استراتيجية أكبر لتجنب الإحباط.


ما هي المزايا الأساسية للأدب العربي ولماذا من المهم أن يصل إلى العالم؟
لا أريد أن أكون إنشائيًا، لكن من بين المزايا الأساسية للأدب العربي المعاصر هو محاولات القطع مع ثيمات تقنية ولغوية تليدة. هناك حالة تخريبية عامة تروق لي، وإن كان هذا لا يعني بالضرورة أنني معجب بكل التجارب في هذا الصدد، وأعتقد أنه من المهم ترجمتها ونقلها.


بطاقة
مترجم مصري وكاتب مقالة من مواليد 1992عام . تصدُر هذه الأيام ترجمته لكتاب "يوميات وجيه غالي" عن "الكتب خان" التي حرّرتها مي حواس وصدرت في جزأين عن "منشورات الجامعة الأميركية" في القاهرة عام 2017. كما تصدر قريباً ترجمته لكتاب "فرويد العربي: التحليل النفسي والإسلام في مصر الحديثة" لـ أمنية الشاكري، عن "الكتب خان" أيضاً.