المهن الرمضانية تنقذ شباب تونس

المهن الرمضانية تنقذ شباب تونس

13 يونيو 2017
الصورة
مئات الشباب يبيعون الحلويات والعصائر والألبان (العربي الجديد)
+ الخط -

خلال شهر رمضان يتحوّل الكثير من الشباب التونسي، من كل الفئات والأعمار، إلى تجار صغار يملؤون أرصفة شوارع المدن ويمارسون مهناً ترتبط بشهر الصوم. مهن بسيطة وغير مكلفة تحميهم من البطالة... ولو مؤقتاً.

في زاوية بأحد أسواق العاصمة تونس، وقرب عربة صغيرة لبيع الألبان والأجبان البلدية، يقف سيف عامر ليبيع منتوجاته التي يشتريها يومياً من أحد الفلاحين. يبدأ عمله منذ الصباح الباكر، فيشتري الحليب ويختار ما سيبيعه طازجاً منه أو ما سيحوّله إلى لبن أو جبن. ينتهي من هذه العملية قبل صلاة الظهر ليرتاح قليلاً ثم يخرج في العصر إلى السوق.

لا يعمل سيف في بيع الألبان إلا خلال شهر رمضان متخذاً من تلك المهنة عملاً موسمياً خلال هذا الشهر فقط، نظراً لإقبال الصائمين على استهلاك الحليب والألبان بكثرة. يقول إنّه يعمل في سائر الأيام كعامل بناء، لكنّها مهنة تشهد ركوداً خلال شهر رمضان فيعوّضها ببعض الأعمال الموسمية الأخرى كبيع الألبان أو العصائر، ليوفّر مداخيل إضافية خلال هذا الشهر تفوق أحياناً ما يوفّره في بقية الأشهر، نظراً لارتفاع استهلاك العائلات التونسية للعديد من المنتوجات الغذائية.

يعتبر سيف واحداً من مئات الشباب الذين يلجؤون إلى امتهان حرف ومهن موسمية ترتبط بشهر رمضان، على غرار بيع الحلويات والعصائر والألبان هرباً من البطالة، ولو بشكل مؤقت. وتتميز تلك المهن بكونها غير منظمة وبسيطة وظرفية وقليلة التكلفة. ومع بداية شهر الصوم يمكن للمار في الأسواق الشعبية التونسية أن يشمّ روائح لا يصادفها خلال بقية أيام السنة. ففي شهر رمضان تعرف الأسواق التونسية نشاطاً تجارياً ويكثر الطلب على العديد من المواد الغذائية التي تملأ الموائد الرمضانية.

يحيى رابحي شاب في العقد الثالث من العمر، لم يجد فرصة للعمل رغم حصوله على شهادة تقني منذ خمس سنوات. بات يعمل في العديد من المهن الموسمية لا سيما خلال فصل الصيف، إلى جانب مهن رمضان التي توفّر له بعض المداخيل التي تغطي حاجاته طيلة أربعة أو خمسة أشهر.

يعمل يحيى في بيع حلويات "الزلابية" التي يقبل الصائمون على استهلاكها بكثرة فهي "سيدة الحلويات الرمضانية"، وتعتبر تقليداً رمضانياً متوارثاً من الآباء والأجداد، وتوفر له مدخولاً يقارب الألف دولار خلال شهر رمضان. يشرح أنه تعلّم تلك المهنة من والده منذ كان صغيراً، ولا يخجل من هذا العمل رغم تحصيله العلمي فقد عوّضه عن البطالة ونقص المدخول.




تجدر الإشارة إلى أنه خلال شهر رمضان يتحوّل مئات التونسيين من كل الفئات والأعمار إلى تجار صغار يملؤون أرصفة شوارع المدن التونسية وأزقتها، بعرباتهم الصغيرة في الأسواق وأمام حوانيت التجار، أو يجوبون بها الشوارع لبيع بضائعهم، لا سيما منها المواد الغذائية التي تشهد رواجاً خلال شهر الصوم.

ورغم أنّ البطالة هي ما يدفع الكثير من هؤلاء إلى العمل، إلا أنّ العديد من المواطنين الآخرين يتركون مهنهم الأساسية إلى مهن بديلة تدرّ عليهم ربحاً أكثر في شهر رمضان. فمفيدة (20 سنة) مثلاً تملك مطعماً صغيراً لبيع بعض الأطعمة الخفيفة، لكن شهر الصوم يدفعها إلى تغيير عملها بصفة مؤقتة لتصنع الحلويات في محلها الصغير. تقول مفيدة إنّها توفّر في سائر الأيام أنواعاً مختلفة من الأكلات الخفيفة، لكن عملها يشهد ركوداً خلال رمضان بسبب الصوم، فتلجأ إلى صنع الحلويات الرمضانية على غرار "الزلابية" و"المقروض" التي يُقبل التونسيون عليها بشكل كثيف خلال هذا الشهر.

ومثلما تمثّل نهارات رمضان فرصة عمل للعديد من الشباب، فإنّ ليالي هذا الشهر خلقت فرص عمل لعشرات الشباب الآخرين. يتوجّه محمد سويسي كل ليلة إلى أحد المقاهي في سوق الشواشين بالمدينة العتيقة، ليعزف على آلة العود من العاشرة ليلاً وحتى الثانية من بعد منتصف الليل. في الأيام العادية لا يجد محمد عملاً، على الرغم من تخرّجه من معهد الموسيقى، لكن أغلب المقاهي في شهر رمضان تتنافس إلى جلب زبائن أكثر فتلجأ إلى بعض الشبان ممن يتقنون العزف على آلة العود. يشير محمد إلى أنّ عمله يوفر له مدخولاً يصل إلى 300 دولار ما يمكنه من توفير بعض المصاريف التي يحتاجها بقية الأشهر.

أما في ما تعلق بأشهر مهنة ارتبطت برمضان وهي مهنة "المسحراتي" فقد بات يمتهنها العديد من الشبان الذين يخرجون في جماعات لـ"تسحير" الصائمين. ورغم أنّها مهنة لا توفر أرباحاً كبيرة إلاّ أنّ بعض الشبان ما زالوا يقبلون عليها. فبعد السهر طوال الليل ومع بلوغ موعد السحور يتجوّل بعض هؤلاء الشبان، كلٌ في حيه، من أجل إيقاظ الناس.

من جهته، يعمل أشرف بوعلي في العادة نادلاً بأحد المقاهي خلال الليل، وبعد الانتهاء من عمله يتحوّل إلى مسحراتي يتجوّل في الحي الذي يسكن فيه لإيقاظ الناس. يقول إنّه يجد متعة كبيرة في إحياء هذه المهنة "رغم أنّها اندثرت". يلفت إلى أنّه يعيش قرب المدينة العتيقة التي اشتهرت منذ القدم بالمسحراتي، مشيراً إلى أنّ أغلب العائلات ورغم عدم حاجتها للمسحراتي اليوم إلاّ أنّها رحبت بالفكرة.