المساعدات الأميركية أداةٌ لإعاقة الفلسطينيين

05 سبتمبر 2018
الصورة
بعد فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات البرلمانية الفلسطينية في العام 2006، أوقفت جهاتٌ مانحةٌ رئيسيةٌ منخرطةٌ في صناعة المساعدات الدولية ما كانت تقدّمه من معونة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، احتجاجًا منها على نتيجة الانتخابات. وكنت أعملُ آنذاك في إحدى الجامعات الفلسطينية الرائدة، وكنا نستلم الرسالةَ تلو الأخرى من المانحين يعلموننا بأن مشاريعنا المشتركة معهم قد أُلغيت، وأن التعاون بيننا عُلِّق، وأن التمويل قُطع. أُصبنا جميعنا بالفزع، وشعرنا بالحزن على المشاريع التي كنا ننفّذها، وبالذل والإهانة، إذ كانت تَبلُغنا تلك الأنباء بالفاكس (وليس حتى في اجتماع أو بمكالمة هاتفية) فكانت رسائل الفاكس تحدّد مستقبلنا. وقد كشفت لنا تلك التجربة الوجه القبيح لصناعة المساعدات، وبيَّنت لنا كم من السيئ أن ندَعَ غيرنا يقرّر مستقبلنا. وأرَتنا كذلك أن المساعدات "نعمةٌ" تعود بالنقمة على المُعطي وعلى المتلقي، ولكنها علمتنا درسًا مهمًا أيضًا، وهو أننا، نحن الفلسطينيين، إنْ لم نصن كرامتنا في تنميتنا، فإن أحدًا آخر لن يحرص عليها.
لم تفهم القيادةُ السياسية الفلسطينية هذا الدرسَ المهم جيدًا، واستمرت في تبديد المساعدات الدولية، بدلًا من استخدامها بكفاءةٍ لإحداث تغيير في حياة الناس. وكان آخر الفصول ما حدَث في وقت سابق هذا العام، حين هدَّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بسحب المساعدات المقدّمة للسلطة الفلسطينية. ولم يكتف بقطع الدعم، بل نقل السفارةَ الأميركية إلى القدس، واعترف بالقدس عاصمةً لإسرائيل، وهاجم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وحق الفلسطينيين في العودة غير القابل للتصرّف.
وفي ما عدا التصريحات النارية والخطابات الحماسية، لم تتّخذ القيادة السياسية الفلسطينية أي 
تحرّكٍ فاعلٍ للتصدّي للولايات المتحدة وتوجهات رئيسها ترامب. وفي الأسبوع الماضي، قرّرت الإدارة الأميركية تقليص المساعدات للفلسطينيين بما يزيد على مائتي مليون دولار. ومع ذلك، لا تزال القيادة السياسية الفلسطينية ترد بتصريحات إدانة واستنكار شديدة اللهجة، وبلا أفعال. وفي ما يلي أربعة إجراءات منطقية، يمكن لهذه القيادة أن تطبقها ردًا على إقدام الولايات المتحدة على تقليص المساعدات أخيرا.
أولًا، وقف جميع العلاقات والتنسيق مع المنسق الأمني الأميركي. وهذا يتماشى وقرار منظمة التحرير الفلسطينية، ومطالبات الأحزاب الفلسطينية كافة، والشعب الفلسطيني، بوقف التنسيق الأمني الفلسطيني – الإسرائيلي، وتغيير الديناميكية السائدة في المجال الأمني.
كان التنسيق الأمني أحد الأسباب الرئيسية لاستحداث منصب المنسق الأمني الأميركي قبل أكثر من عقد. ينتهك المنسق الأمني الأميركي المبادئَ الدولية الأساسية الحاكمة لتقديم المساعدات، لأن تدخلاته تُلحِق الأذى بالسكان المتلقين المعونةَ، فضلًا عن أنه يعمل بمثابة ذراع مكمِّلة للاحتلال الاستعماري الإسرائيلي. وذلك فيما المساعدات الأميركية التي تصل عبر تدخلات المنسق الأمني الأميركي ليست لفلسطين ولا للفلسطينيين، وإنما تهدف لإدامة الإجراءات الوحشية التي يطبقها الاحتلال، ومساعدة المقاولين الأميركيين وعناصرهم الأمنية. وبالإضافة إلى أن تدخلات المنسق الأمني الأميركي تسعى إلى حماية أمن القوة الظالمة، فإنها تؤدي أيضًا إلى زيادة القمع الواقع على السكان المضطهدين، أي الفلسطينيين، حيث تجعل قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية أكثر سلطويةً بطبيعتها، بحجة حفظ الاستقرار والنظام والقانون. والضرر الذي يسببه هذا المنسق واضحٌ وجليّ، وحان الوقت لمساءلته ورفض تدخلاته.
ثانيًا، إغلاق مشاريع الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وعملياتها، فما انفكّ تغلغلُ هذه الوكالة في المجتمع الفلسطيني يتسبّب في أضرار منذ نشأتها، إذ تفضي الشروط التي تفرضها الوكالة على الفلسطينيين، ونوع التدخلات التي تقوم بها، إلى الاتكال على المعونة على نحو ضار، وإلى استدامة الوضع الحالي الوخيم، وتُفضي كذلك إلى تشويه هيكل المجتمع المدني الفلسطيني، ومنظومته القِيمية، وأُسس العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم وركائزه.
ولكي نعكس هذه الاتجاهات، لا بد من منع هذه الوكالة الأميركية من التسبب في أضرار أكثر، فتدخلاتها المستقبلية ستكون أكثر خطرًا، لأنها ستعكف على تنفيذ الرؤية السياسية للإدارة الأميركية التي لا تُبشر بأي تنمية إيجابية أو ازدهار أو سلام.
لقد آن الأوان لوقف الوكالة عن عملها المعتاد، ولمحاسبتها إن كانت كرامة الفلسطينيين على المحكّ. وإنْ لم يتسنّ إصلاح الأضرار السابقة التي سبّبتها الوكالة، فثمّة الآن فرصة ذهبية لمنع أضرارها المستقبلية، ومن السُبل المُجدية في هذا الصدد إغلاق مشاريع الوكالة وعملياتها.
ثالثًا، قطع العلاقات مع السفارة الأميركية في القدس، ومع كوادرها ومشاريعها والعاملين فيها والدعم الذي تقدّمه، فمن غير المعقول أن تستمرَ في توطيد العلاقات معها، والترحيب بها، 
بأذرعٍ مفتوحة، وهي تُعلن الحربَ عليك، وعلى شعبك، وعلى حقوقك الأساسية بكل صراحة ووضوح. فحتى المبادئ الأساسية للدبلوماسية لا تعذر هذا السلوك. ومقاومته هي رد الفعل الطبيعي، وبينما لا تنفكّ السفارة الأميركية تحتفي بالمنح التعليمية التي تقدّمها للشباب الفلسطينيين النُجباء، فإنها بلا شك تعمل ظلا وذراعا للحكومة الأميركية في الأرض الفلسطينية المحتلة، لتنفيذ سياساتها واستراتيجياتها ورُؤاها السياسية.
غض الطرف عن أفعال السفارة الأميركية في القدس، كما اختارت القيادة السياسية الفلسطينية أن تفعل، ليس كافيًا ولا مُجديًا في تغيير ديناميكية القوة والنفوذ.
رابعًا وأخيرًا، تقليص النفقات (بمقدار مائتي مليون دولار) من الفاتورة المتضخّمة لقطاع الأمن التابع للسلطة الفلسطينية، والذي لا يزال يستأثر بنحو 30% من إجمالي ميزانية السلطة، بينما لا يعود على الشعب الفلسطيني إلا بقليلٍ من الحماية والأمن. قرار إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خفض المساعدات يمنح المخططين الفلسطينيين والقيادة السياسية الفلسطينية فرصةً لإعادة تقييم أولوياتهم، والابتعاد عن النموذج الذي يفرض عليهم فعليًا أن يعملوا كأنهم متعاقدون من الباطن لمصلحة الاحتلال الإسرائيلي.
تقليص النفقات في القطاع الأمني بمقدار مائتي مليون دولار، وإطلاع الشعب الفلسطيني على تفصيل الميزانية، دليلاً على الاقتطاع، سوف يرسلان رسالةً واضحة للإدارة الأميركية والفاعلين الرئيسيين في صناعة المساعدات، مفادها بأن الوقت قد حان لتغيير المسار وضمان الكرامة، وتقرير المصير، واحترام الملكية المحلية للمساعدات المقدَّمة للفلسطينيين.
هذه الأهداف والأفعال الأربعة المقترحة سياسيةٌ في طبيعتها، وستكون لها تداعيات على القيادة السياسية الفلسطينية الحالية والمستقبلية، وستسفر عن آلام في الأجل القصير، غير أن هذه الأهداف تمثل إجراءاتٍ منطقيةً سليمةً، ولعلها تعبّر عن آمال فلسطينيين كُثر. يا حبذا لو كان المنطق السليم أكثر شيوعًا في فلسطين وخارجها.