اللغة العربية ثانية في تركيا

اللغة العربية ثانية في تركيا

03 أكتوبر 2018
الصورة
لاجئون سوريون في تركيا (جم غنجو/ الأناضول)
+ الخط -

تزداد الحاجة إلى اللغة العربية في تركيا. بدأ الأمر منذ عام 2013 مع اللجوء السوري. في ذلك الوقت، برزت الحاجة إلى إيجاد مترجمين سواء في الدوائر الحكومية الرسمية والقطاع الخاص، خصوصاً في قطاع التجارة. وزادت الحاجة إلى اللغة بعد اعتبار تركيا وجهة سياحية مفضّلة للعرب، خصوصاً من دول الخليج العربي، بعد تحسّن العلاقات وإبرام اتفاقيّات بين تركيا وهذه الدول، قادها حزب "العدالة والتنمية". وبات يُرى على واجهات المحال إعلانات من قبيل: "نحتاج موظّفاً/ عاملاً تركياً يُجيد اللغة العربية". واللافت أن اللغة العربية باتت حاجة أساسية في بعض القطاعات.

في هذا السياق، تقول التركية فايزة تاش (24 عاماً)، التي أحبّت اللغة العربية وتعلّمتها، إن زيادة الطلب على اللغة العربية شكّل حافزاً إضافياً لها لتعلّم اللغة. وتوضح أنّ مراكز تعليم اللغة العربية انتشرت بكثرة في تركيا، خصوصاً إسطنبول، خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وهناك مراكز حكومية مجانية مثل "اسميك وهالك ايتيم" إضافة إلى أخرى خاصة يشرف عليها أتراك أو سوريون. كلفة الدورة المكثفة لمدة شهرين هي 600 ليرة تركية، موزّعة على حصتين أسبوعياً مدة كل حصة منها ثلاث ساعات. وفي ما يتعلّق بشرط إجادة اللغة العربية في بعض الوظائف في تركيا، تقول تاش: "معظم الوظائف المعروضة في القطاع السياحي تشترط اللغة العربية، كما العمل في الأسواق الكبرى. وهناك مسابقات لوظائف حكومية في دوائر النفوس والسجلات المدنية والعقارية تشترط اللغة العربية".

وحول كيفيّة تدارك البلاد نقص الكوادر التي تجيد اللغة العربية، تقول تاش: "في تركيا، خصوصاً ولايتي هاتاي وأنطاكيا، أتراك يجيدون اللغة العربية، وغالباً ما يستعان بهم خصوصاً في الدوائر الرسمية الحكومية. كما أن معظم الأدلّاء السياحيين والمترجمين كانوا من تلك المناطق. اليوم، تغيّر الحال بعدما سدّ السوريين النقص لأنهم تعلموا التركية بسرعة. ويجيد معظمهم الإنكليزية، وهذه ميزة إضافية. وبدأ الأتراك يتهافتون على تعلم اللغة العربية لأسباب كثيرة، أهمها أنها لغة القرآن".




قبل عامين، بدأت بعض المدراس التركيّة إدخال حصص لتعليم اللغة العربية ضمن منهاجها بشكل رسمي، في مقدّمتها مدارس الأئمة والخطباء (الإمام الخطيب، محمد أمين سراج)، من خلال حصتين أو ست حصص أسبوعية، كما تقول روميسا وهي مدرّسة اللغة العربية في مدرسة الإمام الخطيب في منطقة الفاتح لـ"العربي الجديد". وتشير روميسا إلى أنه "من الواجب تعلّم لغة القرآن والإسلام، ومن المعيب التحدّث مع مسلم حول الدين بلغة غير عربية"، مؤكدة على استجابة التلاميذ لتعلّم العربية. تضيف: "لم يتغيّر حب الأتراك للّغة العربية. ما تغيّر هو القوانين وبعض الحكام الذين أبعدوا الأتراك عن العربيّة والحرف العربي". وتبيّن المدرّسة أنّه ثمّة أساليب عدّة يمكن اعتمادها لتحفيز التلاميذ على تعلّم اللغة العربيّة، كالحفلات والحوارات بينهم وبين التلاميذ السوريين الذين انتشروا خلال الأعوام الأخيرة في كل المدارس التركية. تضيف: "ننظم مسابقات بين التلاميذ العرب وآخرين يدرسون العربية، خصوصاً بعد إدخال اللغة رسمياً إلى المنهاج الدراسي. وستعمّم التجربة العام المقبل على المدارس كمادة اختيارية". وتتابع أنّ "بعض المدارس، منها مدرسة محمد أمين سراج، خصّصت 25 ساعة تتضمن لغة عربية خلال الأسبوع لتلاميذها. كما تعتمد مشروع "تعلم اللغة من الكتاب إلى الحياة" عبر الرحلات والمحادثة وتنظيم فعاليات، أي عدم الاقتصار على الكتاب والحصة الدراسية لتطوير مهارات المحادثة.

يتوقع أتراك أن تعود اللغة العربية، التي تصنف السادسة عالميّاً والرابعة لجهة الانتشار، إلى تركيا كلغة ثانية وربما رسيمة لاحقاً، نظراً لاعتباري الجوار والتاريخ المشترك، إضافة إلى أن 6500 كلمة باللغة التركية هي من أصل عربي. ويرى المترجم التركي المعتمد قي دوائر حكومية، شوكت أقصوي، أن أسباب اقبال الأتراك على العربية، كثيرة. لم تبدأ حكاية تعلم العربية برأيه خلال السنوات الأخيرة كما يقول البعض، بل بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي أيام حكم الرئيس توركوت أوزال الذي اهتم بالإسلام والعربية كما العلمانية. يتابع: "زاد الاهتمام وانتشرت اللغة العربية بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة نتيجة تطوير العلاقات مع الدول العربية وتطوّر قطاعي التجارة والسياحة، ما دفع قطاعات عدة اقتصادية وسياحية وحتى رسمية إلى الاستعانة بأشخاص يجيدون اللغة العربية".



ويلفت أقصوي إلى أن فهم تاريخ تركيا ومعرفة اللغة العثمانية، يتطلب بلا شك تعلم اللغة العربية، وبات هناك أقسام للغة العربية في الجامعات التركية الخاصة والحكومية. وحول زيادة الطلب على من يجيد العربية في تركيا، سواء في القطاع الخاص أو الحكومي، يوضح أقصوي: "باتت الحاجة ملحة خصوصاً بعد وجود ملايين العرب والسوريين في تركيا. قطاع الصحة في حاجة إلى من يجيد العربية، إضافة إلى قطاع السياحة والقطاع الديني والمراكز الحكومية. العربية لغة كثيرة التداول وتلي التركية في مختلف المؤسسات والقطاع الصحي، إضافة إلى المدارس والجامعات". ويتبع أنّ انتشار دور النشر والمكتبات العربية، معتبراً ذلك ضرورة لتنقية الشوائب والتشويه المتعمد الذي طال اللغة والتاريخ والعلاقات العربية التركية، بعد القطيعة مع اللغة التي تجلت في حكم ثاني رئيس للجمهورية للبلاد عصمت أينونو، في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، والذي عمد إلى إلغاء العربية ومنع تداولها.

والتقت "العربي الجديد" المدرسة عائشة يسور في مركز "أدب" لتعليم اللغة العربية للمبتدئين الأتراك. تقول إن الاقبال على العربية يزداد، حتى من قبل كبار السن والنساء خصوصاً. تضيف: "سابقاً، كان أصحاب الأعمال يشترطون إتقان اللغة الانكليزية. أما اليوم، فيطلبون اللغة العربية، خصوصاً بعد تزايد عدد العرب والسوريين وإنشاء أعمال من قبل مستثمرين عرب. وزادت الحاجة التركية للغة العربية للتعامل مع السياح والمستثمرين والمقيمين، أو حتى لإعادة النظر بتاريخ الدولة العثمانية، وما لحقه من تحريف وبعض التشويه من أطراف عدة".