اللبنانيون يرفضون تسويات الطبقة السياسية: تشكيل حكومة الأقنعة لن يمرّ

بيروت
ريتا الجمّال
12 اغسطس 2020

مرحلةٌ جديدةٌ دخلها لبنان بعد زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، الخميس الماضي، بيروت وعودة القوى العظمى إلى لبنان من بوابة المساعدات ليصبح هؤلاء اللاعب الثالث في المفاوضات لتحديد شكل الحكومة الجديدة ومواصفات رئيسها أو المسار السياسي الواجب اتخاذه ولا سيما على صعيد الانتخابات النيابية المبكرة وكلّه لن يكون خارج إطار تسوية غطاؤها دولي وأحد أبرز ركائزها "حزب الله" اللبناني وعنوانها ترسيم الحدود البحرية مع فلسطين المحتلّة. وعلى هذا الأساس بدأت حركة الاتصالات والمشاورات قبل وصول الزائر الأميركي ديفيد هيل حاملاً حقيبة مطالب لم تعد الجهة اللبنانية تملك قوّة التفاوض فيها وفرض الشروط هي التي تعيش أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخها زاد عليها قساوةً زلزال مرفأ بيروت، الثلاثاء الماضي.
في التاسع من أغسطس/آب الجاري، قالها ماكرون صراحةً "اليوم يحدّد مصير لبنان"، خلال افتتاح مؤتمر الدعم الدولي المخصّص للعاصمة اللبنانية بيروت الذي انتهى إلى حصول باريس على تعهدات بقيمة 252.7 مليون يورو كمساعدات على المدى القريب والاتفاق على حشدِ مواردٍ مهمة في الأسابيع المقبلة بهدف إعادة الإعمار وتأمين الاحتياجات الأساسية. عبارة لم تُحدّد مصير لبنان فقط على الصعيد المادي والاقتصادي والمعيشي بل أيضاً السياسي، ولكن ماذا عن الشعب اللبناني وموقفه من التسوية الدولية التي تُحبَك مع طبقة سياسية يدعو المنتفضون منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول وبعد 4 أغسطس/آب إلى رحيلها.
يقول المحامي والناشط واصف الحركة لـ"العربي الجديد"، إنّ المواجهة بالنسبة إللينا منذ 17 أكتوبر واضحة، والرؤية أيضاً وهي ترتكز على رفض أي حكومة تشكل وتؤلف من المنظومة السياسية الحالية سواء بشكلها المباشر أو غير المباشر عبر الأقنعة كما حدث في حالة حسان دياب (رئيس الحكومة المستقيل)، لأن هؤلاء غير مؤتمنين على الوطن والمواطن أمام الوضع الذي وصلنا إليه والذي أكد عليه جريمة الدم التي وقعت في مرفأ بيروت، وبالتالي، فإنّ المواجهة مستمرّة بهدف إسقاط هذه المنظومة.

ويضيف الحركة، "أن أي محاولة لإعادة تجديد المنظومة نفسها بأشكال معينة للحكومات سواء تكنوقراط كاذبة، أو وحدة وطنية فيها كذب أكبر وهي غير مقبولة"، مشدداً على أنّ الحكومة التي نريدها، مستقلة، قادرة على إحداث إنقاذ اقتصادي وتحاسب القتلى المسؤولين عن انفجار مرفأ بيروت، وتحضّر لانتخابات نيابية وفق قانون يؤدي إلى عدالة التمثيل.
ويلفت الناشط واصف الحركة، إلى أنّ الطبقة السياسية بهدف البقاء في السلطة تستخدم الكثير من الوسائل سواء التهديد بحرب أهلية، أو التهويل بلقمة عيش الناس، وجاهزون لاتفاقات برعاية دولية كونهم مرتبطين بالخارج وادخلوه إلى لبنان، مستدركاً "لكن بالنسبة إلينا، نحن مقتنعون بأن الدول تحقق مصالحها لا مصالح الشعوب الأخرى والتغيير يحصل بإرادة الناس لا من الخارج إقليميا كان أم دوليا، ونحن سنخوض معركة الناس الوجودية وأي اتفاق يحصل مع السلطة هذه لا يعنينا، ونعرف أن المسار طويل، ولكن الانتصار مصيرنا لبناء الدولة العلمانية الديمقراطية القوية والقادرة".
من جهته، يؤكد  المدير التنفيذي في "الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية – لا فساد"، جوليان كورسون، لـ"العربي الجديد"، أنّ الثقة الشعبية باتت معدومة ومفقودة بالدولة اللبنانية والسلطات السياسية، مبيناً أن "على أي حكومة جديدة أن تضم رئيساً ووزراء ووزيرات ذات سمعة جيدة جداً على صعيد النزاهة ومكافحة الفساد قادرين على خلق نسبة من الراحة والطمأنينة عند الناس ويساهمون في إعادة بناء أو ترميم الثقة".
ويوضح كورسون، أنّ "لبنان قطع اليوم مرحلة المعارضة الشعبية والاشمئزاز من الحالتين السياسية والاقتصادية ووصل إلى مرحلة الغضب الشعبي، الأمر الذي يؤدي إلى رفع المواطنين مطالب متعددة وكبيرة، ولكن في الوقت نفسه علينا أن نضع أولويات منها ما يتعلق بمسألة الإغاثة التي يمكن من خلالها ترسيخ وتطبيق معايير متقدمة من الشفافية ومكافحة الفساد سواء كانت عبر الدولة أو هيئات المجتمع المدني"، معتبراً أن "هذه فرصة للبدء بوضع خطوات عملية من أجل مكافحة جدية للفساد وليس فقط على صعيد النصوص والأفكار المطروحة".
وفي حال تشكيل الحكومة، يشدد المدير التنفيذي لـ"لا فساد"، على أنّ موضوع مكافحة الفساد يجب أن يكون من صلب أولوياتها، وعلى مجلس النواب أن يفعّل من دوره الرقابي وليس فقط التشريعي، علماً أن المسار تحسّن على صعيد التشريع بعد انتفاضة 17 أكتوبر، لكن بقيت الرقابة غائبة وخصوصاً على عمل الحكومة والتزاماتها في ما يتعلق بمكافحة الفساد.

موضوع مكافحة الفساد يجب أن يكون من صلب أولويات الحكومة المقبلة وعلى مجلس النواب أن يفعّل من دوره الرقابي وليس فقط التشريعي

ويشير في الوقت نفسه إلى أن "لبنان وإن كان يحتاج اليوم إلى تشريعات وتعديلات وإطار مؤسساتي لمكافحة الفساد بيد أن ما نحتاجه اليوم هو خطوات عملية وجدية لمكافحة الفساد على صعيد الأماكن التي تشهد النسب العليا من الفساد ولو كان مستشرياً في جميع المؤسسات، فنحن أمام مسار طويل لا يحصل بين ليلة وضحاها، والأولويات يجب أن تركز على المؤسسات التي فيها شبهات كبيرة وتؤثر كثيراً على ميزانية الدولة اللبنانية".

من جهته، يقول الدكتور جورج غانم منسّق مجموعة "بيراميد"، لـ"العربي الجديد"، إنّ البلد محكوم من طبقة سياسية فاسدة، غير مسؤولة، ولا ثقة بها وبقراراتها، ووصل الشعب على إثر انفجار بيروت الذي ذهب ضحيته أكثر من 170 شخصاً وما يزيد عن 6000 جريح ومفقودين وآلاف العائلات المشردة والممتلكات المدمّرة، إلى مرحلة الخوف التي جعلته يشعر بأنه بحاجة إلى حماية دولية، لوضع لبنان تحت المجهر الدولي والأممي". ويؤكد أن الشعب لم يعد يريد هذه المنظومة السياسية التي وصل بها الأمر إلى قتل مواطنيها.

ويضيف "من هنا نحن نرفض كل الاجتماعات والمباحثات والمشاورات التي بدأت لعقد محاصصة جديدة وتسويات على حساب الناس، وندعو إلى تفعيل القرارات الدولية وإجراء تحقيق دولي لمحاسبة المسؤولين عن الانفجار إذ لا ثقة بالأجهزة الأمنية والقضائية والمجلسين النيابي والوزاري ورئاسة الجمهورية".
ويشير غانم إلى أن "المجتمع الدولي لا يزال يتعاطى مع السلطة السياسية لأن لديها الصفة الشرعية التي حازت عليها من خلال الانتخابات النيابية، والمسار الدستوري المؤسساتي، لكن بالنسبة إلينا المنظومة ساقطة من أعلى الهرم إلى أسفله، والشعب اليوم يعيش الويلات ويريد التخلص من الطبقة الحاكمة التي في كل استحقاق عجزها ليس فقط على صعيد إدارة الأزمة لا بل تواصل دفع البلد نحو الانهيار الشامل هي التي فشلت أيضاً في مفاوضة صندوق النقد الدولي".

ويوضح أن "هذا هو هدف تحركاتنا التي بدأت في انتفاضة 17 أكتوبر وعرقل مسارها فيروس كورونا ورأينا الحشد الشعبي الكبير يوم السبت الماضي في ساحة الشهداء في إشارة قوية ومهمة تظهر صرخة اللبنانيين التي يجب أن يتلقّفها المسؤولون في لبنان والعالم".
ويلفت إلى أنّ "تسليم مصير البلد لـ"حزب الله" الذي يملك أجندة مختلفة عن الشعب اللبناني ويتحكم بقرار البلد لم يعد مقبولاً وهو من مطالب تحرّكاتنا التي ستشمل كل مراكز الدولة بما فيها رئاسة الجمهورية ومجلس النواب".
ويشدد على "تشكيل حكومة مستقلين بصلاحيات استثنائية وإجراء انتخابات نيابية جديدة لتغيير البرلمان وانتخاب رئيس للجمهورية مع ضمانات دولية لأن الحكومة لوحدها لا يمكنها أن تضبطَ سلاح "حزب الله".
ويؤكد غانم أن "تحرّكاتنا مستمرّة على الأرض، رغم المواجهات التي تحصل والاعتداءات التي نتعرّض لها على يد الأجهزة الأمنية التي تستخدم بوجهنا شتى أنواع الأسلحة بما فيها الحية من رصاص وخردق وغيرهما بطريقة مخالفة لأدنى حقوق الانسان ولن نتراجع حتى إحداث التغيير من أجل الضحايا الذين سقطوا في 4 أغسطس".
وأصدرت منظمة "العفو الدولية"، أمس الثلاثاء، بياناً، انتقدت من خلاله التضييق الأمني الكبير الذي يحصل خلال التحركات الاحتجاجية التي بدأت السبت الماضي للمطالبة بتحقيق دولي في انفجار بيروت وإسقاط المنظومة السياسية كلها بعد استقالة رئيس الحكومة حسان دياب الاثنين، معتبرةً أن الدولة اللبنانية تشنّ هجوماً على شعبها.
وقال بيان المنظمة "خلص تحقيق أجريناه إلى أن الجيش اللبناني وقوات الأمن ورجالاً مجهولين بملابس مدنية أطلقوا النار على حشودٍ غير مسلحة، خلال الاحتجاجات في بيروت التي أعقبت تفجير المرفأ، ما أدى إلى وقوع العديد من الإصابات الخطرة بين صفوف المحتجين".

ذات صلة

الصورة
حريق وسط بيروت (فيسبوك)

اقتصاد

اندلع حريق كبير، صباح اليوم الثلاثاء، داخل مجمّع تجاري قيد الإنشاء في وسط بيروت من دون أن تعرف أسبابه بعد. وأفادت المديرية العامة للدفاع المدني في لبنان، بأنّه تمت السيطرة على الحريق ولم تسجل أي إصابات.
الصورة
حريق في مرفأ بيروت - حسين بيضون (العربي الجديد)

سياسة

بدأت الشرطة العسكرية في لبنان بالاستماع إلى عشرين شخصاً ممن لهم علاقة بالأعمال التي كانت تحصل في مستودع يحتوي على زيوتٍ وإطارات ومواد مشتعلة داخل السوق الحرة في مرفأ بيروت أمس الخميس، وأدت إلى اندلاع حريق كبير في المرفأ.
الصورة
حريق مرفأ بيروت/سياسة/حسين بيضون

أخبار

قال المدير العام لإدارة واستثمار مرفأ بيروت المكلف باسم القيسي، في اتصالٍ مع "العربي الجديد"، إن هناك معلومات أولية عن أن أحد العمال كان يعمل بورشة تصليح مستخدماً آلة الصاروخ (قرص جلخ)، ما أدى إلى تطاير شرارة واندلاع الحريق.
الصورة
حريق في مرفأ بيروت - حسين بيضون (العربي الجديد)

مجتمع

اندلع حريق كبير في منطقة السوق الحرة بمرفأ بيروت، اليوم الخميس، هو الثاني من نوعه هذا الأسبوع، وتوجّهت فرق الدفاع المدني لإطفائه. لكن ما هي الآثار البيئية لهذا الحريق؟