أسبوع على انفجار مرفأ بيروت: غضب اللبنانيين لا يهدأ

11 اغسطس 2020
الصورة
رفع مواطنون الركام فيما القوى الأمنية قمعت الاحتجاجات (حسين بيضون)

مرّ أسبوع على انفجار مرفأ بيروت الذي تسبب بمقتل 160 شخصاً وإصابة أكثر من ستة آلاف بجروح، مع استمرار فقدان قرابة عشرين شخصاً وتشريد 300 ألف شخص. على مواقع التواصل الاجتماعي، استعاد اللبنانيون مشاهد لم ينسوها للتفجير الذي أثار الرعب وأدّى إلى صدمة جماعيّة بين المواطنين، ينشرون حول عدم قدرتهم على استيعابها أو تخطيها أو تخطي القهر الذي تسببت لهم به.
وشهد الأسبوع الماضي، منذ لحظة الانفجار بعيد السادسة من مساء يوم الثلاثاء الماضي، غضباً واسعاً في لبنان، ومطالبات واسعة بالمحاسبة و"تعليق المشانق" للمجرمين في الساحات. وتضمّن ذلك تشنّجاً بين أطراف الحكم، وصلت إلى إعلان نواب ووزراء استقالاتهم، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي تهدئة لمشاعر الغضب والحزن. 
ولم يكن "اثنين الاستقالات" عادياً في لبنان، وكذلك على مرآة مواقع التواصل الاجتماعي التي لم تهدأ التعليقات عليها إثر تسارع الأحداث طوال الأسبوع الماضي، بعد انفجار مرفأ بيروت . وبحسب السلطات، نتج الانفجار عن حريق لم يجزم بأسبابه بعد، في عنبر يحوي 2750 طناً من مادة نترات الأمونيوم لم يعرف سبب الاحتفاظ بها منذ أكثر من ست سنوات بعد مصادرتها من باخرة غرقت في ما بعد.
واستقال 4 وزراء بين الأحد والاثنين، قبل أن يُعلن رئيس الحكومة حسان دياب استقالته، مساء الاثنين، إثر الانفجار الذي أجّج الغضب من الطبقة السياسية الحاكمة وتبعه حراك دولي "بإشراف" فرنسي، خصوصاً على المساعدات الدولية التي أعلن أنها ستسلم للجمعيات غير الحكومية وللشعب اللبناني مباشرةً، بالإضافة بوادر صفقة سياسية بغطاء دولي يتم التحضير لها.
بدأ يوم الاثنين بالكثير من التعليقات الساخطة على الحكومة والطبقة السياسية اللبنانية، خصوصاً بعد يومين من قمع المحتجين في وسط بيروت، وإصابة محتجين بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي والخردق أيضاً، بعضها تسبّب لهم بعاهات مستديمة، كفقء الأعين والإصابات في القلب أو الفكّ أو القدمين، ما يشير إلى التصويب المباشر على المواطنين بغرض أذيتهم وليس تفرقة الاحتجاجات فقط.
وبين صور الإصابات والضحايا من الانفجار إلى الاحتجاجات، خرجت قصص حكاها مستخدمو مواقع التواصل في لبنان عن آلامهم وفقدانهم ورغبتهم بالانتقام والثأر بعدما خسروا كل شيء، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحق اللبنانيين، ورحيل الطبقة الحاكمة.

وأعرب اللبنانيون عن سخطهم من خطاب دياب الأخير، ومحاولات وزراء حكومته التملّص من مسؤولياتهم، عبر خطابات فخرٍ وتبرير وتهرّب من المسؤولية، ونشر نظريات مؤامرة حول "منعهم من العمل" من قبل "زعماء"، هم أنفسهم من أتوا بهم إلى السلطة، فوق غضب اللبنانيين الذين رفضوا الحكومة التي أتت كبديل عن حكومة سعد الحريري، والتي استقالت بعد أسبوعين من الاحتجاجات الشعبية في 17 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. ورأى المعلّقون أنّ استقالة تلك الحكومة لا تقدم ولا تؤخر، كون الطبقة التي أتت بها ستشكل حكومة جديدة، ولا تزال تمسك بالمواقع الأساسية في السلطة من المجلس النيابي إلى المرافق العامة.  

وقال سلمان العنداري "لا يهمني أي تصريح لأي سياسي أو زعيم او رئيس حزب بعد الكارثة. قصص الناس وحدها الأهم والأقسى. أمهات وآباء وشابات وشباب وأطفال وكبار في السن يرقدون الآن في المستشفيات بفعل الانفجار . عشرات المفقودين وأوجاع كبيرة لعائلات الضحايا. قصصهم والدعاء لهم بالشفاء والصبر هي الأهم. قلوبنا معكم". 
وأعلن دياب في كلمة تم بثها عبر محطات التلفزة، "اليوم وصلنا إلى هنا، إلى هذا الزلزال الذي ضرب البلد... نحن اليوم نحتكم إلى الناس وإلى مطالبهم بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة المختبئة منذ سبع سنوات، إلى رغبتهم بالتغيير الحقيقي". وأضاف "أمام هذا الواقع نتراجع خطوة إلى الوراء بالوقوف مع الناس (...) لذلك أعلن اليوم استقالة هذه الحكومة". وقال دياب "الكارثة التي أصابت اللبنانيين في الصميم (..) حصلت نتيجة فساد مزمن في السياسة والإدارة والدولة"، مضيفاً "انفجر أحد نماذج الفساد في مرفأ بيروت وحلت المصيبة على لبنان". وحمّل المسؤولية على ما وصفه بـ"منظومة الفساد" التي قال إنها "أكبر من الدولة والدولة مكبلة ولا تستطيع مواجهتها والتخلص منها".

وقال زياد عبد الصمد "لا أعير استقالة الحكومة أو إقالتها أية أهمية فهي فاشلة، ولم تحقق أي إنجاز منذ تعيينها. المهمة الوحيدة التي أنجزتها هي قمع المظاهرات، فعمّقت الشرخ بين الجيش والشعب حكومة المنظومة الفاسدة أسقطها الشارع، الشرعية الوحيدة الباقية هي للناس #كلن_يعني_كلن #ان_الثورة_تولد_من_رحم_الاحزان". وكتب نعيم برجاوي "طار كل شي.. وطارت الحكومة وبقيت السلطة !!! (الشعب مصدر السلطات) #انفجار_بيروت".

وكتب محمد نزال "استقالت الحكومة. لا تخافوا. لن يحصل لنا أكثر. لقد فعلوا بنا كلّ شيء، حتى صرنا بنفوسنا مستعدين، لو ابتكروا، لكلّ فظاعة. لا تخافوا التهويل مما سيأتي ويحصل. عشنا كلّ شيء سابقاً. يا أهلي الناس، كلّكم، لا تخافوا. على أحد جدران بيروت كتب أحدهم: "سنخلع خوفنا ونمشي حفاة إلى الشمس". 

أما رامز القاضي، فقال "وبعد تفجير السجن عاد ضباع السياسة لتحميل السجّان حسان وحده المسؤولية وتقديمه كبش فداء، لا بأس هو ارتضى هذا الدور لنفسه حتى اللحظة الأخيرة، لكن الناس لن ترضى إلا بمحاسبتكم #كلكن_يعني_كلكن". وفي نفس السياق، قال كريم نمور "مجرمو النظام الكبار يحاولون رمي المسؤولية على الحكومة فقط... المسؤولية تطاول الجميع، خاصة أمراء الحرب الذين تولوا السلطة لأكثر من 30 سنة وعينوا هذا المدير العام أو ذاك... جمهورية الهراء والوقاحة!". ودعا آدم شمس الدين لمحاكمة الطبقة السياسية مؤكداً أنّ "الحكم للشعب لا للقتلة والسارقين والمرتشين".

وكتب آخر "للتذكير بما إنو التطبيل ماشي حسان دياب كان على علم بوجود الامونيوم بالمرفأ وكان المفروض يروح يكشف ويعمل هوبرة إعلامية بس تأجلت". وفيما كانت هناك محاولات لمنع استقالة الحكومة، أشار أيمن مهنى إلى أنّ "مقارنة أي شيء بمجزرة دمرت المدينة وقتلت المئات وشردت مئات الآلاف لا ينم سوى عن القذارة. مشكلتنا مع كل الأحزاب ⁧#كلن_يعني_كلن⁩، لكن مع العونيين بالتحديد المشكلة أخلاقية قِيَمية. لكلماتهم رائحة نتنة".

وأشار اللبنانيون في تعليقاتهم إلى تعمّد المسؤولين اللبنانيين وبعض وسائل الإعلام إلى وصف مجزرة المرفأ بأنها "زلزال"، من دون الإشارة إلى أنّها جريمة ولها مرتكبون، وهي جريمة ناتجة عن فساد مستشرٍ في مواقع المسؤولية، تحديداً نتيجة المحاصصة الطائفية التي يقوم على أساسها العمل "السياسي" في لبنان.
وكان بين تعليقات اللبنانيين ترقب ما بعد الاستقالة، وبينها رفض قاطع لعودة سعد الحريري إلى رئاسة الحكومة، بالإضافة إلى تعليقات غاضبة من تصريحات رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي يصرّ على أنّ حزبه لم يشارك في الفساد، كما دعوته لانتخابات نيابية مبكرة بينما بيروت أنقاض وقانون الانتخاب الماضي فُصّل على قياس القوى السياسية الممثلة في البرلمان حالياً، والذي سيعيد القوى ذاتها إلى البرلمان. كما أعربوا عن غضبهم من تصريحات رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي قال إنّه يريد "المحاسبة"، فيما هو رئيس البرلمان منذ أكثر من عقدين، ويستمر الفساد في قتل اللبنانيين. 

وقالت جويل "ما مات أكتر من 200 شخص وانجرح أكتر من 7000، هيدي غير المفقودين، ليرجع سعد الحريري رئيس حكومة. ما تدمر 80.000 بيت وخسر أكتر من 150.000 شخص شغلن ليرجع سعد الحريري رئيس حكومة. ما انفجرت بيروت فينا ليرجع سعد الحريري "رئيس حكومة وحدة وطنية" شغلتها تحضر للانفجار الجايي". 

وكتب نزار صاغية "السيد بري يريد أن يحاسب. عن جد؟؟؟ بعد 28 سنة من ترؤسه مجلس النواب قرر الرجل أن يحاسب. موقف تاريخي طبعا لا يفوقه إلا موقف تاريخي آخر طال انتظاره: أن يخضع بري نفسه للحساب".

وأكد رولاند "سمير جعجع مستمر بالقراءة الخاطئة. هو يعتبر أن مطلب اللبنانيين تغيير السلطة، بينما المطلب هو "اقتلاع المنظومة". و القوات جزء من المنظومة أكان دورها في التسوية أو المعاوضة. بعد 4 آب على الجميع إعادة ابتكار خطاب جديد ومقاربة جديدة بالكامل". 
وفيما تغيب السلطات عن الأرض، بينما ينشط متطوعون في كل شارع وزقاق لرفع الركام وشظايا الزجاج المبعثرة، ويشكو مواطنون متضررون أن أحدا لم يتصل منهم من جانب السلطات، أو عرض عليهم أي مساعدة، قامت عناصر من قوى الأمن بتصوير مقطع فيديو يقول إنّها كانت تساعد المواطنين، بينما كان عناصرها يحرسون فقط بعض المباني، ويمارسون عنصرية وفوقية على مواطنين أجانب كالسوريين الذين يساهمون في رفع الركام، حسب ما تؤكد مقاطع فيديو منتشرة على مواقع التواصل. وفيما أثار ذلك غضبا واسعا، أصرّت قوى الأمن على روايتها تلك، فنشرت صوراً تظهر "مساهمة عناصرها برفع الركام". 

وأشار اللبنانيون إلى أنّ لجنة التحقيق لم تصدر أي بيان حول الجريمة بعد، رغم تحديدها مهلة لذلك. وكتب محمد زبيب "على فكرة انقضت اليوم مهلة الـ5 أيام التي حددها مجلس الوزراء لرفع تقرير لجنة التحقيق الإدارية إليه عن "الأسباب التي أدت إلى وقوع الكارثة"... ولكن التقرير لم يُرفع، ولم يتلق الوزراء أي توضيح في جلسة اليوم ولم يطلب أحد تمديد المهلة". 

ووسط كل ذلك، بقيت مشاعر الحزن والإحباط والقهر تسيطر على المنصّات وتعبير اللبنانيين. وكتبت غيدا "حتّى الآن، كُلّ شيء تافه أمام الأمّ الّتي وصفت وجه ولدها المفقود، والشّابّ الّذي ارتدى ثوب زفافه في جنازة خطيبته، والآباء الذين ما زالوا يبحثون عن أشلاء أبنائهم بين الركام... كُلّ شيء تافه... #انفجار_المرفأ". أما غادة، فأجابت عن سؤال "كيفك" قائلةً "-الحمدالله بخير. بلشت القصة بطوفان، رجع صار حريق، بعدين ثورة، من بعدها صار انهيار اقتصادي، ورياض والمصارف، وكورونا، وانهيار العملة، والكارتيلات، ونزعبنا من الشغل، والأكل والمي والبحر والتربة ملوثين، وأزمة بنزين ومازوت وكهرباء، وفجرونا، بس هيك…".

وروت لميا جزءاً من تجربتها، قائلةً "يوم التفجير حممت خيي من الدم اللي نازل من جروح بكل جسمه قبل ما آخدو عالمستشفى. اليوم حممت أختي لأنها مجروحة بكذا محل بجسما بالانفجار، آخر مرة حممتا كان عمرا 3 سنين، يوما قالتلي بلغتا الجديدة "شكراً عالتّمسلح اللي مسلحتيني ياه". ولك كيف معقول نسامحكن كيف؟ #علقوا_المشانق_بالساحات".