الفن المسروق: نفرتيتي ملكٌ لمصر

30 مارس 2020
الصورة
تمثال نفرتيتي في العاصمة الألمانية برلين (جون دوكال/فرانس برس)
في لقاء مع جريدة "دير شبيغل" الألمانيَّة، يؤكد المؤرّخ الألماني المعروف يورغن زيمر (1965)، أنَّ تمثال نفرتيتي الموجود في العاصمة الألمانية برلين، ينتمي أخلاقياً وروحياً إلى الشعب المصري. زيمر ليس متحدّثاً عابراً في قضايا المنطقة العربية وتاريخها الثقافي، إذ إنّه يدرس تاريخ أفريقيا في كلية التاريخ بجامعة مدينة هامبورغ. 

عثرت الحفارات الألمانية على تمثال نفرتيتي في برلين في عام 1912، وأحضرته إلى برلين. ويشير زيمر إلى أنّه قبل الخوض في الموضوع بأي شكل من الأشكال، ثمّة حقيقة واحدة يجب على المؤرّخ أن يعترف بها، هي الظروف التي أُخِذَت فيها القطعة. إذ كانت مصر، آنذاك، تحت حكم الاحتلال البريطاني، وهذا يعني أن نفرتيتي أتت إلى ألمانيا في ظلّ حكم أجنبي استعماري أوروبي. ويضيف زيمر: "لم يسأل أحد المصريين. وفقاً للمعايير الأخلاقية والروحية، الجواب عندي سريع فقط: نفرتيتي ملكٌ لمصر".

وينتقد زيمر بشكل واضح التبرير السياسي الذي يخرج بين الفينة والأخرى من النخب الغربية حول سرقة تراث الشعوب الأخرى. إذ تُستخدَم عبارات مثل "اكتشفنا هذه القطع". ويصف زيمر "قاعدة الاكتشاف" هذه كتبرير مخترعٍ من قبل سلطات الاستعمار في بريطانيا وفرنسا، إذ كانوا مسؤولين عن إدارة الآثار. "لا يجب أن يتحول تراث الشعوب إلى حق استعماري، يتناقله اللصوص فيما بينهم. كلامي العلمي الدقيق واضح: سرقت نفرتيتي. لا يجب أن نعتمد في الحاضر على ما سمته القوى الاستعمارية حقوقاً في ذلك الوقت. وسأعطي مثالاً هنا: نحن في ألمانيا لا نعتبر كل القوانين التي أصدرها الحزب النازي بين عام 1933 و1945، سارية في وقتنا هذه، رغم أنها كانت قوانين سارية في الفترة المذكورة!"، يقول زيمر.

تأسست إدارة الآثار في مصر على يد سعيد باشا في عام 1858، وذلك لمنع إخراج الاكتشافات الأثرية إلى خارج البلاد. ويؤكّد زيمر أنّ مصر، رغم أنها كانت مقاطعة من مقاطعات الإمبراطورية العثمانيّة، إلا أنّها لم تكن قادرة على مواجهة سياسات القوى الأوروبية العظمى في مصر آنذاك. ويدلل زيمر على كلامه، مشيراً إلى أنه مع بناء قناة السويس، أصبحت مصر مدينة مهمة للغاية للقوى الأوروبية، لدرجة أن فرنسا وبريطانيا تولّتا الإدارة فيها رسمياً في عام 1878. إذ تسلمت إنكلترا الإدارة المالية، وفرنسا البنية التحتيّة، وبما فيها طبعاً وزارة الآثار. حتّى عام 1953 كان الأوروبيون هم من يقودون الاكتشافات في مصر.

ويكمل زيمر مشيراً إلى الذهنية الاستعمارية، سارداً المثال الآتي: "لفترةٍ طويلة، كان الأوروبيون يعتقدون أنه لا يمكن أن يكون هنالك فن في أفريقيا. تغير هذا الأمر عندما اكتشف جنود بريطانيون أقراصاً ورؤوساً برونزية مذهلة في مدينة بنين في نيجيريا عام 1897. في البداية، ادعى بعض الباحثين في أوروبا أن البرتغاليين أو الإسبان هم من صنعوا هذا الأقراص والرؤوس. كان من غير المعقول بالنسبة إليهم تمكّن الأفارقة من القيام بذلك. ولكن أمام القطع المصرية لم تنشأ هذه الحساسية واعتُرف بأصالتها فوراً".

وحول هذه الإشكالية الدقيقة، يقول زيمر إنّ الأوروبيين كانوا ينظرون إلى التقليد المصري على أنه رافد من روافد الثقافة الأوروبية، وكانت لديهم الجملة المشهورة: "هذا في الواقع ثقافتنا". ومن هذا الاعتقاد، سمحت سلطات الاستعمار للمصريين بامتلاك بعض القطع الأثرية. يضيف: "نحن مثلاً نتحدّث عن كليوباترا وكأنها امرأة أوروبية بيضاء، وفي ذات الوقت، بالكاد نتحدّث عن السودان. ليس هذا فحسب، نحن حتّى انتقائيون في التاريخ المصري. إذ لا نتحدث عن الفراعنة السود الذين عاشوا في مصر في القرن الثامن قبل الميلاد، إذ تولوا السلطة في البلاد لقرون. نحن نقبل فقط قسماً معيناً من تاريخ مصر، هو القسم المناسب لثقافتنا الأوروبية البيضاء".

وأحضر الباحث الألماني المعروف كارل ريتشارد ليبسوس 1500 قطعة أثرية إلى برلين من بعثته من مصر بين عامي 1842 و1854. وحصل هذا الأمر لأنّ الحاكم المصري محمد علي باشا سعى إلى الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانيّة وتقرب من الحلفاء، فسمح للبروسيين (الألمان سابقاً) بأخذ الاكتشافات القديمة معها. ويرى زيمر كلّ هذه العملية غير شرعية ولصوصيّة، لأنّ هنالك شكاً في أنّ رغبة الشعب المصري كانت مطابقة لرغبة محمد علي. ويرى جملة الرئيس المصري السابق بأنّ "نفرتيتي هي أحسن سفيرة لمصر"، التي قالها عام 1989، جملة تافهة. ولا يرى أنها تعبّر عن رغبة النخب العربية المصرية والمجتمع المدني السياسي المصري. ويرى زيمر أن فعل الألمان كان قادماً من سياق المنافسة مع فرنسا وبريطانيا في فترة الصعود القومي في أوروبا، الذي أدى إلى الحرب العالمية الأولى. "القطع سرقت بروح قومية بحتة، وهذا الإجراء غير أخلاقي"، يقول زيمر.

وبضغطٍ من وزير الثقافة الألمانيّ، صدر في عام 2019 قرار ينظم التعامل مع المقتنيات المسروقة من الفترة الاستعمارية. كان الهدف من هذا القانون تهيئة الظروف من أجل إعادة الأشياء التي ليس لوجودها لدينا أي مُبرّرات قانونية أو أخلاقية. عن ذلك، يقول زيمر: "المشكلة أنه لا توجد معلومات موثقة عن أعداد القطع المصرية في المتاحف الألمانية. هي بالتأكيد عشرات الآلاف. وقلة قليلة فقط تعرف كيف أتت هذه القطع. نحن في الغرب نعتمد المبدأ الآتي: لن نعيد شيئاً إلا إذا أثبت الجانب الآخر أنّ هذا الشيء قد سُرِق. وهذا قانون مضحك، بل وغير عادل، إذ يجب أن يُعكس، لأنّ الاستحواذ من أصله غير عادل، وحصل في ظروف معينة، ظروف الاحتلال والاستعمار".

دلالات

تعليق: