الفصائل تتصدى لهجوم إدلب: تقدم النظام السوري لن يكون نزهة

23 ديسمبر 2019
معرة النعمان وسراقب هدف قوات النظام (حسين فاضل/الأناضول)
+ الخط -
تؤكد التطورات الميدانية المتسارعة في محافظة إدلب شمال غربي سورية، والناجمة عن الحملة العسكرية التي يشنها النظام السوري بمشاركة روسية مباشرة، أن موسكو أسقطت من حساباتها تفاهم سوتشي، الذي أبرمته مع أنقرة حول إدلب ومحيطها العام الماضي، وأنها ماضية في محاولة الحسم العسكري في هذه المنطقة، حيث لا تزال قوات النظام والمليشيات المساندة لها تتقدم تحت غطاءٍ ناري روسي، وهو ما تواجهه فصائل المعارضة بالمقاومة التي تكبد قوات النظام خسائر بشرية. وبحسب إعلام النظام، فإن قواته باتت على بعد بضعة كيلومترات من نقطة المراقبة التركية في بلدة الصرمان جنوب شرق معرة النعمان. وفيما تواصل هذه القوات تقدمها، تتفاقم المأساة الإنسانية في محافظة إدلب التي تضم ملايين المدنيين، إذ تقطعت السبل بعشرات آلاف النازحين من ريفي المحافظة الجنوبي والشرقي، نتيجة القصف الجوي من الطيران الروسي ومقاتلات النظام، فيما تحدثت وسائل إعلام تركية عن فرار 25 ألف مدني من منطقة إدلب إلى تركيا خلال اليومين الماضيين. 

وذكرت مصادر محلية لـ"العربي الجديد"، أن الطائرات الحربية الروسية قصفت أمس الأحد، بالصواريخ بلدة بابيلا في ريف إدلب الجنوبي، وبلدة خان السبل ومحيط مدينة معرة النعمان، بعد ساعات من قصفٍ مماثل على بلدة تلمنس، استهدف مدنيين جاؤوا للبلدة لنقل أغراضهم، ما أسفر عن مقتل ثلاثة منهم، وإصابة آخرين بجروح. وأكد "المرصد السوري لحقوق الإنسان" أن المعارك بين فصائل المعارضة من جهة، وقوات النظام والمليشيات التي تساندها من جهة أخرى، استمرت أمس على محاور عدة جنوب شرق مدينة إدلب، مشيراً إلى أن قوات النظام سيطرت منذ بدء تحركها على الأرض في 19 ديسمبر/كانون الأول الحالي على 25 منطقة، هي أم جلال وأم التوينة والخريبة والربيعة والشعرة وبرنان وسحال والفرجة وأبو حبة والرفة والسرج وحران والصيادي، بالإضافة إلى تل الدم وقطرة وتل الشيخ والبريصة ومزرعة العلي والبرج والحراكي والمنظار وتحتايا والهلبة والقراطي وكرستنة. من جهتها، ذكرت وكالة "سانا" التابعة للنظام أن قواته استحوذت أمس على قرى الحراكي والقراطي وتحتايا والبرج وتل الحمصي وفروان، في ريف إدلب الجنوبي الشرقي.

وتروج وسائل إعلام النظام منذ أيام لبدء "معركة إدلب الكبرى"، ما يعني عملياً سقوطاً غير معلن لاتفاق سوتشي، الذي تمّ التوصل إليه بين موسكو وأنقرة في سبتمبر/أيلول 2018، وتغييراً لقواعد اللعبة في الشمال الغربي من سورية، حيث تؤكد المعطيات الميدانية أن الجانب الروسي رمى خلف ظهره تفاهمات متراكمة مع الجانب التركي حول مصير المحافظة السورية ومحيطها، وهو يريد حسم الموقف في إدلب عسكرياً وبكل الطرق، بما فيها المواجهة المفتوحة على كل الاحتمالات.

وذكرت صحيفة "الوطن"، أمس، أن قوات النظام "وسعت مجال سيطرتها في الريف الشرقي لمعرة النعمان، كبرى مدن ريف إدلب الجنوبي، بعد أحكمت سيطرتها على قرى جديدة"، مشيرة إلى أن هذه القوات تقترب من الطريق الدولية التي تربط حماة بحلب، مؤكدة أن هذه الطريق هي "الهدف المرحلي من عمليتها العسكرية الراهنة". ونقلت الصحيفة عن "مصدر ميداني في ريف إدلب الجنوبي" قوله إن العملية العسكرية "تسير وفق ما هو مخطط لها"، مؤكداً أن قوات النظام صدت جميع الهجمات المعاكسة على نقاط نفوذها الجديدة. ووفق وسائل إعلام النظام، فإن قواته باتت على بعد بضعة كيلومترات من نقطة المراقبة التركية في بلدة الصرمان جنوب شرق معرة النعمان، مشيرة إلى أن معرة النعمان وسراقب، الواقعتين على الطريق السريعة بين حماة وحلب، هما هدف قوات النظام، وصولاً إلى الزربة وايكاردا والعيس وخان العسل في ريف حلب الجنوبي الغربي، للسيطرة على طول الطريق الدولية بموجب اتفاق سوتشي. ونقلت "الوطن" عن نائب رئيس هيئة الأركان في قوات النظام ورئيس اللجنة الأمنية والعسكرية في حلب، اللواء سليم حربا، حديثه عن وجود "قرار وطني لا رجعة عنه" بالسيطرة على إدلب وريف حلب الغربي قريباً.


وعلى الرغم من تقدم قوات النظام على الأرض منذ أيام، إلا أن كلفة هذا التقدم تبدو باهظة، حيث تتكبد هذه القوات يومياً خسائر بشرية تصل إلى مقتل العشرات من عناصرها. وذكرت مصادر إعلامية تابعة للنظام أمس، أن العقيد باسل علي خضور، لقي مصرعه في معارك ريف إدلب، مشيرة إلى أنه كان قائد الفوج السادس من مرتبات "الفرقة 25" مهام خاصة. كما نعت صفحات موالية على موقع "فيسبوك" العشرات من ضباط وعناصر قوات النظام الذين قتلوا في المعارك، منهم 16 قتيلاً سقطوا على جبهة قرية الرفة، شرقي معرة النعمان، وحدها.

في هذه الأثناء، تبدو مهمة فصائل المعارضة السورية صعبة في التعامل مع تقدم قوات النظام، بسبب القصف الجوي الروسي الذي "يحرق الأخضر واليابس" وفق تعبير مصدر عسكري معارض. وقال المصدر في حديث لـ"العربي الجديد": "شاهدنا هذا القصف الهستيري أكثر من مرة. لا قدرة لنا على مواجهة الطيران، ولكننا نستطيع تكبيد قوات النظام خسائر كبرى. لن يكون تقدمهم في عمق إدلب نزهة". وأكد القيادي الذي فضّل عدم ذكر اسمه، أن مهمة قوات النظام ستزداد صعوبة كلما تقدمت أكثر، موضحاً أنها تتقدم اليوم "في قرى لا تتمتع بأي أهمية استراتيجية في الصراع"، مضيفاً أن فصائل المعارضة "لديها آلاف المقاتلين الجاهزين للمواجهة على الأرض". وأضاف "نعرف أهدافهم جيداً، هم يريدون السيطرة على الطريقين الدوليين إم 5 وإم 4، وخلق مآس إنسانية تصيب ملايين المدنيين".

من جهته، لفت القيادي في فصائل المعارضة السورية، العقيد مصطفى البكور، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن القرى والمواقع التي سيطرت عليها قوات النظام خلال الأيام القليلة الماضية "هي مدخل للوصول إلى مدينة معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي". ولخص خيارات فصائل المعارضة لمواجهة هذا التقدم بـ"المقاومة وتكبيد قوات النظام خسائر كبيرة". وحول استراتيجية الروس والنظام في الشمال الغربي السوري، شدد البكور على أنها تقوم على سياسة الأرض المحروقة، ومحاصرة المناطق المحصنة، وخلق مأساة إنسانية من خلال القتل الجماعي والتهجير، للضغط على الفصائل المقاتلة في محافظة إدلب ومحيطها. وأضاف: "الروس والنظام أعلنا صراحة أنهما يريدان السيطرة على الطرق الدولية وما حولها، وإفراغ المنطقة من السكان، لتأمين تحرك الجيش الأسدي والروسي فيها".

على الصعيد الإنساني، أكدت مصادر محلية لـ"العربي الجديد" أنه "لا تزال هناك عائلات محاصرة داخل الأحياء السكنية في مدينة معرة النعمان"، مضيفة أن "الطائرات الحربية تستهدف طرقات النازحين من المدينة، مع تقطع السبل بعشرات الآلاف منهم في ظل غياب أي مساندة من المنظمات الإنسانية الدولية التي تقف متفرجة على الكارثة الإنسانية".

وفي السياق، أكد فريق "منسقو استجابة سورية"، أمس الأحد، نزوح عشرات آلاف المدنيين مؤخراً من ريف إدلب الجنوبي، إثر التصعيد العسكري من قبل روسيا ونظام الأسد، الذي أدى كذلك إلى مقتل وإصابة مئات المدنيين.

ووثق الفريق نزوح 38915 عائلة (203709 أشخاص) من 33 منطقة جنوبي إدلب منذ الأول من شهر أكتوبر/تشرين الثاني الماضي، وحتى 21 ديسمبر/كانون الأول الحالي، مضيفاً أن الحملة العسكرية لروسيا والنظام حصدت أرواح 225 مدنياً، بينهم 74 طفلاً، منذ بداية الشهر الماضي وحتى أول من أمس السبت. وحذر الفريق من استمرار الحملة العسكرية على المنطقة وتدفق النازحين، بسبب وصول المخيمات الواقعة على الحدود السورية - التركية لطاقتها الاستيعابية القصوى. من جهتها، ذكرت وسائل إعلام تركية رسمية، أمس، أن ما لا يقل عن 25 ألف مدني فروا من منطقة إدلب إلى تركيا خلال اليومين الماضيين. وقالت وكالة "الأناضول" إن نحو 205 آلاف مدني سوري تركوا منازلهم في منطقة إدلب منذ أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي بسبب الهجمات الروسية والسورية، مشيرة إلى أن المدنيين الفارين توجهوا إلى مناطق في سورية تقع تحت السيطرة التركية أو إلى مناطق أخرى من إدلب. وفي موازاة ذلك، توقف الدوام المدرسي في مدينة أريحا وريفها وجسر الشغور ومعرة النعمان، جرّاء القصف الجوي العنيف بالطائرات الحربية والمروحية على مدن وبلدات ريف إدلب الجنوبي.




 

المساهمون