العمى

08 فبراير 2018
+ الخط -



بعض حبّات الفول السوداني سببت لي في الأيام الماضية حساسية شديدة في عيني وظننت لوهلة أني سأصاب بالعمى! كل شيء بدا ضبابياً أمامي حتى اللحظة التي أعيشها.

منذ فترة وأنا أقرأ للبردوني الشاعر والكاتب اليمني البصير. قلت مازحة لأحد الأصدقاء: يبدو أنني أعيش التجربة البردونية!

العمى رواية للكاتب النوبلي خوزيه سارماغو، العاشق الذي ما أن تقرأ له وتتعرف عليه حتى تشعر بغصة لأنه رحل دون أن تتاح لك فرصة لقائه، لم يكتب سارماغو عن الحب فقد عاشه مع بيلار التي ستجدها دائماً في أول صفحة لرواياته. بيلار زوجته ومترجمته التي أحب وقال "شكرا بيلار لأنك لم تتركيني للموت".

كتب خوزيه سارماغو عن الإنسان عن همومه ومعاناته ومخاوفه، كتب عن الظلم الذي يتعرض له الفرد وعن الفكر الذي يخاف الكثير من تحريك مياهه الراكدة.

لطالما فكرت في قسوة حياة تسرق منك عينيك بعد أن تكون قد تعرفت على الألوان والسماء والشمس والقمر وأماكن الأشياء ومشاعر الناس ودموع مخبأة في عيني حبيب أو صديق ثم تُحرم من هذا كله لأن نور الحياة لم يعد يتسلل إليك.

في روايته العمى تكلم عن مدينة يصاب ساكنوها بوباء الشر الأبيض. وباء يجعل المرء لا يرى إلا بياضا حليبيا مكثفا، على عكس العمى الذي يجعلك تعيش في عتمة مطبقة، إلا أن النتيجة واحدة كونك تصبح أعمى أو تصبحين عمياء. لم يسمع أحد عن وباء العمى لذا لم تكن هناك أي لقاحات أو أي إجراءات احترازية لوباء مشابه وكان من السخافة أن تخبر أحدهم بأن وباء العمى ينتشر في المدينة!

كما قلت سابقاً سارماغو يكتب عن الإنسان، عن أفكاره، رغباته، مظلوميته، جبروته، ضعفه البشري وقوته. يغوص في أعماق المشاعر الإنسانية ويضع الفرد تحت المجهر في ظروف تجريبية. تماما كفأر التجارب الذي يقبع في المعمل للدراسات العلمية. لكن سارماغو يعلم تماماً أن للإنسان نزعات غير مفهومة تظهر في ظروف معينة وما يبدو شراً قد يكون في الحقيقة هو الخير الوحيد في تلك اللحظة.

عندما تأكدت الحكومة أخيراً من أنها عدوى، قامت باحتجاز المرضى في مستشفى المجانين ووضعتهم تحت الحجر، لكنهم بعد معاناة دامت لأسابيع خرجوا ليكتشفوا أن كل من في المدينة قد أصيب بالعمى. هذه الفنتازيا التي أخترعها سارماغو ليست خيالاً محضاً، فالواقع يقول إننا نولد عميان.

وأنت تقرأ رواية العمى تجرد أنت أيضاً من مفهومك للعمى، من البحث عن التفسيرات العلمية للظاهرة ومن المعنى السطحي الذي قد يتسرب عبر عينيك. فكر في عدد المرات التي أصبت فيها بالعمى، في عدد المرات التي تظاهرت فيها بأنك أعمى وفي المرات التي تمنيت فيها لو كنت أعمى. فكر في المشاهد البشعة التي تنتشر عبر منشورات التواصل الاجتماعي وعلى شاشات التلفزيون وفي صفحات الجرائد والمجلات. وأفتح ذاكرتك جيداً: كم مرة تعاميت فيها؟

عندما سقطت قذيفة من نيران صديقة على مدنيين وعندما نهبت أياد قريبة حقوق المستضعفين، عندما نكلت حكومة تقف في صفها بشعب مغلوب على أمره وعندما تستر الشيخ والسيد والعلامة بالدين لغرض دنيوي بحت. كم مرة شعرت فيها بالندم وتمنيت لو كنت أعمى؟

عندما ترى جارك المعتقل وقد عاد فاقداً جميع حواسه لأنه يوماً ما تكلم عن ظلم تعاميت أنت عنه، عندما ترى طفلة الحي، التي كانت تغمر شارعكم بضحكاتها، وقد مزقتها قذيفة قناص ممن تناصرهم وتستميت بالدفاع عنهم. عندما ترى صديق عاد من الحرب بذراع مبتورة وقدم مكسورة وروح سرق الظالمون وهجها؟

عندما تقرأ رواية العمى، راعِ توقيت المعدة. اقرأها بمعدة خاوية وروح متقدة. ستحتاج لنور روحك أن يضيء لك العتمة البيضاء التي يعيشها شخوص الرواية ولن تحتاج لمعدة ممتلئة لأنك ستنقطع عن الرواية للاستفراغ من وقت لآخر. لذا كما قلت لك: معدة فارغة. اسمح لنفسك بأن تكون أنت كل شخص في الرواية، وفكر ما الذي يجب فعله وما الذي لن تسمح بحدوثه. قيم مبادئك إن استطعت فهي فرصة لنرى إن كان للحيوان مبادئ! لا تنزعج من كلمة حيوان فقد يكون هو الرفيق الأوفى.

مات خوزيه سارماغو عام 2010 بعد صراع مع مرض اللوكيميا. لكن هل يموت المبدع؟ لا أظن. فكما قالت بيلار حبيبته "خوزيه لم يمت".

خوزيه الطفل ولد عام 1922 لأسرة فقيرة في البرتغال، لم ينه تعليمه الابتدائي بل انتقل للتعليم المهني في سن مبكرة بسبب عجز أهله عن دفع رسوم الدراسة. عمل كميكانيكي ثم مترجم وصحافي ولم يتفرغ للكتابة إلا في عمر الستين. خوزيه سارماغو قصة حب وأمل وفكر يقظ لكل من يبحث عن معنى حقيقي للحياة.

حين تقرأ الرواية تذكر قصة المرأة المكلومة التي دعت للحاكم وقالت: بيض الله عينيك. لأن العمى أسود فقد ظن الحاكم أنها تدعو له، ولم يكن خوزيه قد ولد بعد ليكتب لنا عن الشر الأبيض والعمى الأبيض وعن بشر يتوقون للسواد والعتمة. وقل أنت أيضاً بيض الله عيونهم من أحالوا حياة البشر لجحيم لا يطاق.