العقوبات البديلة في تونس دخلت حيّز التنفيذ

07 مارس 2019
الصورة
أصفاد... (كريس بورونكل/ فرانس برس)
+ الخط -

دخلت العقوبات الاجتماعية البديلة في تونس حيّز التنفيذ في أواخر عام 2018، وسط ترحيب من جهة وتشكيك بفعاليتها وإمكانية تطبيقها من جهة أخرى

في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نفّذت تونس أولى العقوبات البديلة في محافظة المنستير الواقعة في شمال شرقي البلاد، في حقّ شاب (مواليد 1992) محكوم عليه بالسجن لمدّة أربعة أشهر بتهمة السرقة. ولأنّه لا يملك سوابق عدلية، استُبدلت نصف مدّة العقوبة بأعمال البستنة لساعتَين يومياً على مدى شهرَين لمصلحة بلدية لمطة.

وتطبيق العقوبات البديلة يلقى استحسان القضاة والمشرفين على السجون ومكوّنات المجتمع المدني، لا سيّما أنّه سوف يساهم في الحدّ من الاكتظاظ في السجون والتخفيف من كلفة السجين اليومية. وتلك العقوبات من شأنها أن تحمي السجين الذي يخلو سجلّه القانوني من سوابق عدلية من الاختلاط بمساجين محكوم عليهم على خلفية قضايا قتل وترويج مخدّرات وسطو وغيرها من الجرائم الخطرة. بالتالي تصير العقوبة البديلة إجراءً إصلاحياً لحماية آلاف من مرتكبي الجنح. يُذكر أنّ ستّة مكاتب أنشئت لمتابعة المحكوم عليهم بالعقوبات البديلة، في سوسة (شرق)، والمنستير (شمال شرق)، وبنزرت وتونس ومنوبة (شمال)، وقابس (جنوب شرق)، في انتظار تعميم التجربة على كل المحاكم الابتدائية في البلاد.




وكانت المحكمة التونسية بموجب القانون رقم 89 لسنة 1999 الفصل 15 مكرر في المجلة الجزائية، قد أقرّت العقوبات البديلة. ونصّت على الآتي: "للمحكمة إذا قضت بالسجن النافذ لمدة أقصاها عام واحد أن تستبدل بنفس الحكم تلك العقوبة بعقوبة العمل لفائدة المصلحة العامة وذلك من دون أجر ولمدة لا تتجاوز ستمائة ساعة بحساب ساعتَين عن كل يوم سجن". أضافت: "ويحكم بهذه العقوبة في جميع المخالفات وفي الجنح التي يقضى فيها بعقوبة سجن لا تتجاوز المدة المذكورة أعلاه"، من قبيل جرائم الاعتداء على الأشخاص التي تأتي إمّا اعتداءً بالعنف الشديد الذي لا يترتّب عنه سقوط مستمر أو تشويه وغير المصحوب بظرف من ظروف التشديد، وإمّا القذف، وإمّا المشاركة في معركة. كذلك تُذكر جرائم حوادث الطرقات التي تأتي على شكل مخالفة لقانون الطرقات باستثناء جريمة السياقة تحت تأثير الكحول أو إذا اقترنت المخالفة بجريمة الفرار. وثمّة جرائم اجتماعيّة، منها جرائم مخالفة قانون الشغل ومخالفة قانون الضمان الاجتماعي وكذلك مخالفة قانون حوادث الشغل والأمراض المهنية، وكذلك جرائم إهمال عيال (أطفال). وتُضاف إلى تلك الجرائم أخرى شريطة ألا تتجاوز مدّة الحكم فيها عاماً واحداً. ويستفيد من هذا الإجراء فقط من ليست لديه سوابق عدلية، من رجال ونساء على حدّ سواء، أمّا الفئة العمرية فهي غير محددة. ومن شروط تلك العقوبات خضوع المحكوم إلى فحص الطبي يثبت تمتعه بصحة جيدة ليتمكّن من القيام بالأعمال الموكلة إليه في إطار جمعية أو مؤسسة عمومية.



وتُنفّذ العقوبات البديلة نزولاً عند رغبة المتهم المدان، إذ إنّ القاضي غير قادر على إصدار حكم بالعقوبة البديلة إلا في حال تلقّى "طلباً من المدان". كذلك، من حقّ المدان قبول العقوبة البديلة أو رفضها. وفي حالة الرفض، يصدر القاضي الجزائي الحكم المستوجب بالسجن. أمّا في حالة القبول، فيتوجّب على المدان التعهد الكامل بتطبيق العقوبة البديلة في الآجال التي تقرّرها المحكمة وإنجاز الأعمال المطلوبة. وعند الإخلال بالتعهد، يكون المدان عرضة لتطبيق الحكم القضائي الأصلي في حقه، وفق ما ينصّ عليه القانون.

في السياق، يقول المتحدث الرسمي باسم المحكمة الابتدائية في محافظة المنستير، فريد جحا، لـ"العربي الجديد"، إنّ "العقوبة البديلة الأولى نُفّذت بالفعل في تونس، ولم يُطبّق سابقاً هذا النوع من العقوبات نظراً إلى عدم توفّر أمور لوجستية خاصة تتعلّق بالمكاتب المصاحبة التي تشرف على مراقبة تنفيذ تلك العقوبات". يضيف أنّ "كل مكتب يتألّف من قاض من شأنه تنفيذ العقوبات وخمسة أعوان سجون".

من جهته، يشير نائب رئيس المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب، منذر الشارني، لـ"العربي الجديد"، إلى أنّ "المجتمع المدني لطالما نادى بضرورة إصلاح المنظومة السجنية ككلّ، خصوصاً بعد تسجيل اكتظاظ في السجون وصلت نسبته إلى 200 في المائة في بعضها"، متحدثاً كذلك عن "عدم الفصل بين المساجين، وهو أخطر الأمور التي نبّهنا إليها". ويشرح أنّ "العقوبات البديلة تحمي المساجين، لا سيّما إذا لم يكونوا من أصحاب السوابق العدلية، وتقيهم التعذيب والانتهاكات في داخل السجون وتخفّف في الوقت نفسه من حدّة اكتظاظ السجون. وهي إجراء يخلّص البعض من عقوبات تسلب الحرية من دون أيّ إصلاح". ويشدد الشارني على "ضرورة تعميم التجربة الجديدة في كلّ الجهات التونسية عبر نشر المكاتب المصاحبة في كلّ المناطق، إلى جانب سعي المحامين إلى طلب عقوبات بديلة للمساجين المحكومين في قضايا تتعلّق بجنح بسيطة لا تتجاوز العقوبة فيها عاماً واحداً".

لكنّ ثمّة جهات تشكك في نجاح العقوبات البديلة، من قبيل لجنة التشريع العام في البرلمان التونسي، التي تشير إلى صعوبة الإجراء وتطبيقه، لا سيّما أنّ مؤسسات عمومية كثيرة ما زالت ترفض تشغيل المدانين جزائياً. بالنسبة إلى تلك الجهات، فإنّ هذا الإجراء الذي يهدف إلى التخفيف من حدّة اكتظاظ السجون لن يحلّ المشكلة، بسبب نسبة الاكتظاظ المهولة. ويقول في السياق نائب ممثل المفوضية السامية لحقوق الإنسان في تونس، مازن شقورة، لـ"العربي الجديد"، إنّ "نسبة المساجين العائدين إلى السجون تصل إلى 55 في المائة، وهذا يعني أنّ ذلك الإجراء لا يشمل هؤلاء. أمّا المبتدئين من المساجين، فهم مدانون بمعظمهم في جرائم لا يشملها هذا الإجراء". ويوضح أنّ "العودة إلى السجون هي نتيجة غياب الإصلاح وتأهيل المساجين". لكنّه يلفت إلى أنّ "الإجراء الجديد، وإن لم يشمل إلا نسبة بسيطة من المساجين، غير أنّه يُعَدّ خطوة للإصلاح والتأهيل".




وكانت الإدارة العامة للسجون والإصلاح قد أشارت إلى أنّ الجهات المعنية سوف تلجأ كذلك إلى السوار الإلكتروني الذي يُعَدّ كذلك عقوبة بديلة للمساجين المدانين في جنح بسيطة لا تمثّل خطراً على المجتمع. وهؤلاء الذين يستفيدون من تلك التقنية، سوف يتمكّنون من ممارسة نشاطهم اليومي بينما يخضعون للمراقبة والمتابعة عبر السوار الإلكتروني. يُذكر أنّ الأعوان المختصّين بتلك التقنية خضعوا لعملية تدريب في هذا السياق.

المساهمون