العراق: مخاوف من انهيار أمني على وقع تشكيل الحكومة

19 مايو 2018
الصورة
تشديد الإجراءات الأمنية في الشوارع العراقية (صباح عرار/فرانس برس)
+ الخط -
تؤكد كل المؤشرات في العراق أن الدخان الأبيض لن يتصاعد من المنطقة الخضراء في بغداد قبل عيد الفطر أو حتى قبل مطلع يوليو/ تموز المقبل، فيما يأمل العراقيون بحكومة جديدة يُنتظر منها أن يكون أول برامجها معالجة ملف أكثر من 40 مدينة مدمرة وملايين المشردين ممن تمت إعادتهم إلى مدنهم من دون توفير بديل لهم عن منازلهم المدمرة، أو الذين ما زالوا في الخيام. غير أن الخوف الذي ينتاب غالبية العراقيين اليوم ليس من تأخر تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، أو حتى ممن سيكون رئيساً لها، بل من أن يؤدي الصراع السياسي الحالي والمتصاعد إلى تصدع أمني جديد في البلاد التي خرجت للتو من صفحة عنف واسعة خلّفت أكثر من ربع مليون قتيل وجريح في غضون ثلاث سنوات فقط، خصوصاً مع مؤشرات تؤكد تصاعد وتيرة العنف مجدداً في مناطق عدة من البلاد، منها العاصمة بغداد، التي شهدت هجوماً انتحارياً، ثم ثلاثة تفجيرات بعبوات ناسفة في محيطها. كما تم تسجيل 15 هجوماً إرهابياً في الأنبار وصلاح الدين وضواحي الموصل في الـ72 ساعة الماضية، والتي عاود فيها الطيران الأميركي نشاطه بقصف مناطق في الأنبار والموصل تحتوي على تجمّعات مفترضة لعناصر "داعش"، كان آخرها قصف مناطق في جزيرة الموصل ضمن قرية السفينة، الثلاثاء الماضي، ما أسفر عن سقوط ضحايا من المدنيين، وعدت وزارة الدفاع العراقية في بيان لها، بفتح تحقيق في الحادث.

مخاوف العراقيين تأتي بسبب تاريخ ليس ببعيد مليء بالأحداث المشابهة، إذ شهدت مفاوضات تشكيل حكومة 2010 أحداثاً دموية راح ضحيتها أكثر من 500 عراقي بين قتيل وجريح خلال أقل من شهر واحد من مفاوضات تشكيل الحكومة، بينما سقطت بلدات عدة بيد "داعش"، ما خلّف مجازر حقيقية في صفوف أبناء العشائر في هيت والبغدادي وذراع دجلة خلال مفاوضات حكومة 2014، التي أطيح فيها بنوري المالكي في انقلاب وُصف بالأبيض تولى على أثرها حيدر العبادي رئاسة الوزراء.

وكشف مسؤول رفيع في مكتب القائد العام للقوات المسلحة، الذي يتولاه دستورياً حيدر العبادي، أن "الأخير أوعز لكافة وحدات القوات المسلحة العراقية، ممثلة بالجيش والشرطة المحلية والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب والاستخبارات وحرس الحدود والتشكيلات الأخرى، بعدم التدخّل في الشأن الانتخابي أو التنافس السياسي الحالي بين الكتل، واعتبار الملف الأمني معزولاً بالكامل عن أي ملف آخر".

وأشار المسؤول العراقي الذي طلب عدم ذكر اسمه، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن "العبادي أوعز باعتقال أي شخصية سياسية تحاول زجّ الملف الأمني بالصراع السياسي الحالي، وهو ما بدا واضحاً في تعامل جهاز مكافحة الإرهاب في كركوك قبل يومين مع قيادات عربية وتركمانية حاولت التلويح بعصيان مدني وتطويق مبانٍ حكومية احتجاجاً على نتائج الانتخابات، وجرى إبلاغها صراحة بأنه سيتم التعامل مع أي حراك يخل بالأمن بالقوة".
ولم يُخفِ المسؤول ذاته وجود مخاوف حكومية بشأن قيادات وجنرالات في الجيش العراقي والشرطة الاتحادية لهم ولاء سياسي لزعيم "ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي "وإمكانية أن يكونوا ضمن مخطط سيئ في حال لم توافق الصفقة السياسية التي سيتوصل إليها الفرقاء طموحات المالكي"، لافتاً إلى أن "الخوف يأتي أيضاً من بعض فصائل الحشد الشعبي التي تُعرف بالحشد الولائي الموالية للمرشد الإيراني علي خامنئي، مثل العصائب، وبدر، والنجباء، والخراساني، وحزب الله، التي شاركت في الانتخابات ضمن قائمة الفتح". وربط المسؤول بين تنافس واشنطن وطهران على صياغة كل منهما حكومة عراقية مناسبة لمقاساتها، وبين الخوف على الملف الأمني في البلاد.


وكانت قوات الجيش العراقي قد أعادت، الخميس، انتشارها في عدد من المدن المحررة ونصبت حواجز عسكرية للتفتيش، فيما تم رصد حركة للطيران العراقي في الصحراء الغربية وبادية الموصل المحاذية للحدود السورية، وفقاً لمسؤولين عراقيين في الجيش العراقي وقيادة شرطة الأنبار تحدثوا لـ"العربي الجديد"، عما وصفوه استعداداً لهجمات إرهابية انتحارية اعتاد "داعش" على تنفيذها خلال شهر رمضان في العراق.

وفي السياق، قال النائب في البرلمان المنتهية ولايته، القيادي في "التحالف الوطني" الحاكم، صادق اللبان، إن الكتل والأحزاب السياسية لن تلجأ إلى النزاعات المسلحة من أجل السيطرة على السلطة، مشدداً على أن الحل لحقن الدماء وتجنّب إراقتها متروك لمفوضية الانتخابات بإعادتها لعملية العد والفرز اليدوي. وأضاف في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أمس الجمعة، أن "مفوضية الانتخابات تمتلك القرار لإخماد النيران وحقن الدماء وتجنّب إراقتها، من خلال إعادة العد والفرز اليدوي لنتائج الانتخابات"، موضحاً أن "الكتل والأحزاب السياسية لن تلجأ إلى الصراعات والنزاعات المسلحة من أجل السيطرة على السلطة، لأن هذا الخيار يقود العراق إلى ما لا تُحمد عقباه".

من جهته، قال القيادي في مليشيات "الحشد الشعبي" وأحد أعضاء تحالف "الفتح" الذي مثّل "الحشد" في الانتخابات، كريم النوري، إن "مخرجات الانتخابات المبنية على التزوير والتهكير وسرقة أصوات ستكون مخرجاتها كارثية على شعبنا"، مضيفاً في تصريحات صحافية، أن "القادم أسوأ والشعب المسكين ابتلي بالبعض من الأفاكين الذين يبحثون عن المصالح الحزبية والفئوية على حساب مصالح شعبنا".

في غضون ذلك، جاء اللقاء بين زعيم "التيار الصدري" مقتدى الصدر، ورئيس "تحالف الحكمة" عمار الحكيم، في مدينة النجف، ليلة الخميس، ليخالف كل توقعات المراقبين حول فحواه أو ما سينتج عنه. وكشفت مصادر مقربة من "التيار الصدري" لـ"العربي الجديد"، أن زيارة الحكيم لم تتركز على إجراء تحالف أو توافق أولي بينه وبين الصدر، بقدر ما كانت جس نبض لموقف الصدر من كتل بغداد التي جاءت متأخرة عن كتلة "سائرون" (التي تمثل التيار الصدري) والتي تصدّرت الانتخابات.

ووفقاً للمصادر ذاتها، فإن علاقة الحكيم الدافئة بالصدر دفعته لأن يكون عامل وصل بين الصدريين وكتلتي "الفتح" و"دولة القانون" المقربتين من إيران، التي تحاول معرفة خطوة الصدر الثانية بعد فوزه بالانتخابات، مشيرة إلى أن شخصية مثل عمار الحكيم مناسبة كوسيط بين الطرفين. ولفتت إلى أن الحكيم حاول أن يستغل ذلك في تعزيز موقف الصدر منه وبناء أسس تحالف مستقبلي، كما أن الحكيم نقل رسالة إلى بغداد مفادها أن التحالف مع المالكي مستحيل وهناك تحفظ على زعامات طائفية في تحالف "الفتح" أيضاً، مشيرة إلى أن حضور ممثل عن الشطر المدني في تحالف "سائرون" في الاجتماع يعطي إشارة واضحة للمراهنين على تفكيك التحالف بين الصدريين والمدنيين.

المساهمون