العراق: تنسيق بين الساحات لتشكيل تكتل سياسي

18 فبراير 2020
الصورة
تتواصل التظاهرات في العراق منذ أكتوبر الماضي(أسعد نيازي/فرانس برس)

بعد نحو خمسة أشهر من الاحتجاجات المستمرة في العاصمة العراقية بغداد ومدن جنوب  البلاد ووسطها، يتجه ناشطون ومتظاهرون عراقيون في ساحات التظاهر وميادينه، إلى التحضير لحراك سياسي هدفه الأول الدخول على خطّ منافسة الأحزاب الحاكمة في البلاد التي عرفها العراق بعد عام 2003.

ويؤكّد ناشطون ومراقبون أنّ التظاهرات لم تحقق إلى الآن جميع ما تطالب به، على الرغم من زخمها ومن العدد المتزايد باستمرار لضحاياها، إذ تشير آخر المعلومات إلى ارتفاع أعداد هؤلاء لأكثر من 650 قتيلاً ونحو 26 ألف جريح، بعضهم في وضع خطر، فيما بات المئات في عداد ذوي الاحتياجات الخاصة. ويعتبر الناشطون العراقيون أن تكليف شخص مُجرب سابقاً (محمد توفيق علاوي) تشكيل الحكومة، يؤكّد الحاجة لمواصلة التظاهرات السلمية للدفع نحو مزيد من الإصلاحات، مع العمل على تشكيل قوة سياسية منافسة للأحزاب، إذ إنّ إجراء الانتخابات المقبلة بالأحزاب الحالية نفسها، لن يكون نافعاً حتى مع وجود قانون انتخابات جديد ومنصف.

وينشط متظاهرون وناشطون منذ أيام في بغداد، عبر اجتماعات في خيم الاعتصام، كذلك من خلال جولات على مدن البصرة والناصرية والديوانية، لنيل تأييد المتظاهرين وتزكيتهم للبدء بمشاريع سياسية جديدة. وفي السياق، قال ناشط سياسي، وهو عضو في إحدى الخلايا التشاورية التي شكّلت أخيراً للتنقل بين ساحات التظاهر في محافظات عدة للاتفاق على التكتل أو الحراك السياسي الجديد، إنّ دعوته الأولى والأخيرة ستكون "الدولة المدنية"، موضحاً في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "التوجّه نحو التصعيد السلمي لمزاحمة الأحزاب المتنفذة، خطوة قانونية، وقد تترك أثراً أكبر على الأحزاب ونفوذ الدول اللاعبة في العراق مثل إيران أو أميركا". وأشار إلى أنّ "الحراك السياسي الجديد قد يتطلّب أكثر من شهر، من أجل الحصول على قناعة أكبر عدد من خيم المعتصمين، وهناك أكثر من فكرة لتأسيس حزب سياسي يتّخذ من ثورة أكتوبر/تشرين الأول استناداً ومنهاجاً".

وأضاف الناشط، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أنّ "الشعارات التي حملها المتظاهرون والهتافات التي نادت بإبعاد التأثيرات الخارجية وعدم السماح لأي قوة أجنبية بالنيل من العراق وحكومته وخيراته، ستكون أولى الفقرات في البرامج الحزبية الجديدة". وكشف عن أنّ مَن ينشطون في هذا التوجه، يخططون للتواصل مع قوى نافذة في البلاد، في سبيل نيل الضمانات الأمنية، وعدم التعرّض لهم في المستقبل، إذ إنّ حراكهم سيكون علنياً، مضيفاً: "نسعى إلى إقناعهم بأنّ لنا جولات معهم على صعيد المنافسة السياسية، وبحقّنا في المشاركة في العمل السياسي، ومن خلال هذا الضمان سننطلق إلى العمل الميداني والإعلامي، والبدء بالحملات الدعائية للأحزاب الجديدة". وأكّد أنّ "ما يشكّل خطراً على الكيانات السياسية الجديدة، أنها ستتبنى الخطاب العلماني، وهي خطوة جريئة وقد طال انتظارها في العراق".

من جانبه، رأى عضو الحزب الشيوعي العراقي، أيهم رشاد، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "التظاهرات في العراق أثمرت كثيراً لناحية زيادة الوعي في المجتمع"، مشيراً إلى أنّ "اللجوء إلى منافسة الأحزاب النافذة والمتهمة بالفساد وقتل العراقيين، يجري من خلال صناديق الاقتراع، فهي الطريقة المثلى في ظلّ الوضع الحالي، ولا سيما أنّ فترة خمسة أشهر لم تحصد الاحتجاجات فيها غير القتلى وزيادة بأعداد الجرحى، فضلاً عن زيادة المخاوف من الاختطاف وحوادث الاغتيال". واعتبر رشاد أنّ "حراك النشطاء حالياً قد لا يفرز حزباً واحداً، بل مجموعة أحزاب تعمل بخط أو فكرة واحدة في المستقبل".

من جانبه، رأى قيادي في تحالف "الفتح"، الجناح السياسي لفصائل "الحشد الشعبي"، أنّ "الأحزاب السياسية الإسلامية لا تهتم كثيراً بوجود منافسين جدد لها، لأنّ قواعدها الجماهيرية ثابتة، وهي متدينة ومن الصعب أن نفترض أنها ستهجر أصولها السياسية، وتتوجه نحو الكيانات المدنية والعلمانية". ولفت في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنّ "أحزاب ما بعد تظاهرات أكتوبر، سيكون لها حضور سياسي في البرلمان وفي مؤسسات الدولة، ولكنها لن تنافس الأحزاب القديمة، ولا سيما أنها لا تمتلك الخبرة الكافية في خوض المفاوضات والمباحثات، بل وحتى الألاعيب السياسية".

وتابع القيادي نفسه، وهو يعمل ضمن فصيل مسلح بصفة مسؤول الملف السياسي، أنّ "الاعتقاد بأنّ الحراك السياسي الجديد سيُطيح الأحزاب المعروفة التي تعمل منذ عام 2003، اعتقاد خاطئ، لجذور الأخيرة القوية في الدولة، كذلك فإنها تمتلك التأييد الإقليمي. يمكن القول إنّ الأحزاب الجديدة ستتخذ شكل المعارضة في البرلمان، لا أكثر". وأوضح أنّ "التدخّل الخارجي والدعم سيكونان حاضرين على مستوى هذه الأحزاب، ولا سيما من الدول التي تحارب محور المقاومة وصداقة العراق مع إيران"، على حدّ تعبيره.

أما المراقب للشأن العراقي، علي وجيه، فقد رأى أنّ "التطور الطبيعي لحركات الاحتجاج التي تتزامن مع وجود عملية سياسية مرفوضة، هو استحداث تيارات جديدة، لأنّ التظاهرات وسيلة ضغط واحدة على النظام في العراق، ولكن هناك أكثر من وسيلة، ومنها اللجوء إلى مزاحمة الأحزاب الحاكمة عبر أحزاب حديثة تتبنى خطاباً لا يشبه الخطابات الكلاسيكية المعتادة".

ورجّح وجيه، في حديثٍ مع "العربي الجديد"، أن "تتمكّن التيارات العلمانية المستحدثة من القيام بممارسات سياسية جديدة قد تكسر اللون القاتم للعملية السياسية في البلاد"، لكنه لفت إلى أنّ "من العقبات المتوقعة في طريق هذه التيارات، رفض الجميع لها، وتخوينها من قبل الجميع، ولكن مع مرور الزمن ستترك أثراً إيجابياً عند العراقيين".

بدوره، رأى الكاتب والإعلامي العراقي، سالم مشكور، أنّ "الخطأ الذي وقع فيه كثير من المتظاهرين، أنهم حملوا شعارات وُجّهت ضدّ كل الأحزاب من دون استثناء، مع العلم أنّ الحياة السياسية لا تقوم من دون أحزاب، وكان من المفترض أن يتوجه دعاة الإصلاح والتغيير نحو تشكيل جبهة سياسية تتبنى أهدافهم وتنافس الأحزاب المرفوضة".

واعتبر مشكور، في حديث مع "العربي الجديد"، أنّ "شعارات إسقاط النظام وطرد الأحزاب بمجملها من العملية السياسية، كانت عاطفية وثورية وبعيدة عن الواقع، ولكن مع مرور الزمن مرَّ الحراك الشعبي بأكثر من مرحلة عقلنة، وبالتالي بات هناك وعي بإمكانات التحرّك والاعتماد على الأساليب التي تنسجم مع طريقة إحداث التغيير من الداخل". ورأى أنه "حتى تنجح الأحزاب المنشودة، لا بدّ من برامج حديثة يمكنها أن تؤسس لنظام حزبي جديد، لا يستمد تمويله من جهات خارجية أو على حساب مشاريع البلاد أو العقود الحكومية، إنما يعتمد على التبرعات الذاتية بنظام الاشتراك".