العتاب الأوغندي في مواجهات جنوب السودان

العتاب الأوغندي في مواجهات جنوب السودان

30 أكتوبر 2016
الصورة

نازحة في جوبا وجنود من قوات حفظ السلام (4/10/2016/Getty)

+ الخط -
يبدو انسحاب أوغندا من القوة الإقليمية التي سيتم نشرها في دولة جنوب السودان غريباً بعض الشيء، إذ لم تكن أوغندا تنتظر إشارة أو قراراً دولياً، لتدخل بعتادها العسكري في إقليم جنوب السودان قبل أن يصبح هذا دولة في عام 2011.
جاء الرفض الأوغندي في وقتٍ وافق فيه رئيس جنوب السودان، سلفا كير ميارديت، بعدما كان معترضاً على إرسال هذه القوة الإقليمية لتعزيز البعثة الأممية في بلاده، وقوامها 12 ألف جندي. وأجاز مجلس الأمن الدولي، أخيراً، نشر أربعة آلاف جندي إضافي لضمان الأمن في جوبا، وردع الهجمات على قواعد الأمم المتحدة. ولا يبدو مقنعاً أيضاً تصريح وزير خارجية أوغندا، هنري أوكيلو، إنّ قرار الانسحاب جاء طوعاً، حتى لا يتمّ اتهام بلاده بالتدخل في شؤون دولة جنوب السودان.
ولا يُعدّ ذلك مبرّراً منطقياً، لأنّ التدخل الأوغندي حدث مراراً في خضم الرحلة الطويلة من الصراع التي قطعها السودان مع دولة جنوب السودان، للوصول إلى اتفاق تعاون وسلام ناجز بين البلدين، فلم تكن أوغندا تتوانى عن التدخل العسكري، محدثةً ربكةً في الحسابات السياسية وغير حاسمة للصراع العسكري والقبلي الدائر هناك. وكان ذاك التدخل للقوات الأوغندية في جنوب السودان هو ما يساهم في تأجيج مشاعر الحرب القديمة، فلا يترك فرصةً لاسترخاء الصراعات بين السودان وجنوبه.
منذ خمسينيات القرن الماضي، والعلاقات السودانية الأوغندية بين مدّ وجزر. ومنذ الثمانينات، كانت أوغندا تدعم الزعيم الراحل للحركة الشعبية لتحرير السودان، جون قرنق، ضد الجيش السوداني، واستمر العداء بعد انقلاب يوري موسيفيني على سلفه نيتو أوكلو في 1987، واستيلائه على الحكم ليبلغ أوجهه في 1995، حيث تم قطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين. وكان منطلق موسيفيني المعلن لدعم الجيش الشعبي لتحرير السودان بغرض تحرير السودان من الاستعمار العربي، بالإضافة إلى اتهامه الخرطوم بدعمها جيش الرب المتمرد على نظامه بقيادة الجنرال جوزيف كوني. دعم ذلك التوتر فى العلاقات عوامل داخلية وإقليمية ودولية، إلّا أنّ نوعاً من التقارب تم بالتوقيع على الاتفاقية الأمنية بوساطة أميركية عام 1999، والتي قضت بعدم دعم أىٍّ من البلدين المعارضة المسلحة في البلد الآخر. ثم شهدت العلاقات تقارباً متزايداً، ظهر بوضوح في قمة الإيقاد في الخرطوم عام 2001، وتم بعدها تبادل الدبلوماسيين، كما اتفقا فى القمة على مزيد من دعم العلاقات بينهما.
كان تقارب البلدين، في تلك الفترة، محكوماً بعدة عوامل، بالنسبة للسودان فقد أهدته ظروف
أوغندا فرصة للخروج من حالة العزلة الإقليمية والدولية المفروضة عليه بفعل العقوبات الأميركية. وعلى الرغم من وجود عوامل محفزة للصدام، كان تحسين علاقاته مع أوغندا مواصلة لمساعيه التي بدأها بكسر حالة العزلة، وذلك بتحسين علاقاته مع دولٍ إقليمية عديدة، مثل إريتريا وأثيوبيا والكونغو ومصر.
وإن كان العامل الأكبر في تأزم العلاقات على مدى العقود الماضية هو دعم البلدين المعارضة المسلحة على الحدود بينهما، فإنّ معارضي البلدين يقفان على أرضيات وتوجهات مختلفة لنظاميهما، بدرجة تقرّب معارضة نظام الخرطوم إلى النظام الأوغندي والعكس. ولكن، ازدادت هذه الحلقات ضيقاً في عهد الحكومة الحالية، لأنّه تداخلت عدة أشياء دعمت من تحكم المصالح فيها. وسرعان ما احتضنت أوغندا الحركات المتمردة في دارفور مع قوى المعارضة في التوقيع على وثيقةٍ، تم التعارف عليها بوثيقة كمبالا أو "الفجر الجديد" في يناير/ كانون الثاني 2013.
مرة أخرى، دخلت القوات الأوغندية دولة جنوب السودان في 15 ديسمبر/ كانون الأول 2013، بعد اشتعال المعارك بين الجيش الشعبي ومتمردي حكومة الجنوب، وبرّرها الرئيس موسفيني بأنّها كانت بغرض إخلاء حوالى 200 ألف من الأوغنديين. أما السبب الآخر فهو مساعدة رئيس جنوب السودان، سلفا كير، في تأمين بلاده ضد ضربات المتمردين بقيادة رياك مشار، والذي يتردّد في الأوساط الأوغندية أنّ صلة وشيجة تربطه بجوزيف كوني زعيم متمردي جيش الرب، كما تربطه علاقة جيدة مع الرئيس السوداني عمر البشير.
وبعد اعتراف الرئيس الأوغندي بذلك، وإعلانه مقتل جنود أوغنديين كانوا يقاتلون إلى جانب
جيش جنوب السودان، كان لزاماً على الرئيس الجنوبي، سلفاكير، أن يعترف هو أيضاً باستعانته بالقوات الأوغندية، حتى لو حمّل متمرديه القسم الأكبر من تجدّد الصراع والاقتتال. فلا يستوي بحث الجنوب عن الاستقرار وما زالت القوات الأوغندية تحول دون وصول الرئيس سلفاكير إلى تسويةٍ سلمية مع المتمردين على حكومته الذين يرون أنّ ما يتم بين رئيس بلادهم وأوغندا من تعاونٍ لا يخص جنوب السودان، وإنّما يخص الرئيس الجنوبي وحده الذي فقد شرعيته بإدخاله قوات أجنبية لإبادة شعبه.
لم ينس الرئيس الأوغندي كذلك أن يعدّد بنود أفضاله القديمة من دعمٍ قدمه للحركة الشعبية لتحرير السودان، والرئيس سلفا كير أحد قادتها، واستعانة جنوب السودان بالمنهج الأوغندي للتعليم، حتى لا يقع الجنوب فريسة للثقافة الشمالية. وما انتظره موسيفيني نظير ما حققه من نصرٍ مزعوم تكلّل على أشلاء المواطنين الجنوبيين في بوابات مدن بور وياي ونيمولي، لم يتوقع أن يقابله سلفا كير بطلب انسحاب القوات الأوغندية من دولة الجنوب. استدعت تلك المرارات ضرورة فصل سلفاكير بين رد الجميل وسيادة الدولة، ومسحتها الآن لمحة العتاب الأوغندي بعدم التدخل، حتى ولو عبر بوابة القوة الإقليمية.