الصوفية في تونس: ما وراء الخرجة العيساويّة

04 اغسطس 2020
الصورة
من إحدى الخرجات الصوفية في تونس، 2019 (Getty)

بين هامشية عقود الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي حين كان العنصر الصوفي يعتبر أحد وجوه الرجعية والسلبية الاجتماعية، وبين حالة الاستثمار الثقافي من قبل الدولة والظهور في الفضاء العام منذ التسعينيات إلى اليوم، يمكن اعتبار الصوفية في تونس إطاراً تنعكس فيه تحوّلات اجتماعية متنوّعة وخيارات سياسية، فالعنصر المقصيّ بقرار سياسي صارم من رجال دولة الحبيب بورقيبة أصبح بعد عقود قليلة جزءاً لا يتجزّأ من الهوية الثقافية العامة للبلاد. بدأ الأمر بقرار سياسي أيضاً من رجال دولة زين العابدين بن علي، لكن بعد الثورة استمر الوضع بشكل عفوي من خلال تمظهرات اجتماعية جديدة.

نلمس ذلك مع العناية التي باتت تولى لما يعرف بـ"الخرجة العيساوية" في عدد من المدن التونسية، فبعد أن كانت مجرّد احتفال يقوم به المنتسبون إلى طريقة العيساوية، نسبة إلى الهادي بن عيسى (توفي بين 1524 و1526م ومدفون في مكناس المغربية)، أصبحت احتفالاً فرجوياً ببرنامج مضبوط وبترتيب تنسّق فيه الفرق العيساوية مع البلديات والأمن والجمعيات المدنية، ثم ينخرط فيه المواطنون بشكل عفوي أو أنهم يجدون أنفسهم بالضرورة منخرطين فيه بما أن هذه الترتيبات تؤدّي بشكل ما إلى "احتلال" الفضاء العمومي كمكان أولاً (غلق حركة المرور)، ثم كإطار صوتيّ حيث تعلو الأناشيد والأهازيج على إيقاعات الدفوف.

أصبحت الخرجات فرجة ببرنامج مضبوط بعد أن كانت احتفالاً عفوياً

من أبرز الخرجات العيساوية، تلك التي تقام في مدينة أريانة وتنتظم ببرنامج دقيق مسطّر، باتت وسائل الإعلام تروّج لفقراته وأيضاً شبكات التواصل الاجتماعي. تبدأ الخرجة العيساوية في الثامنة من صباح الأحد القادم، التاسع من الشهر الجاري، من "مقام سيدي عمار"، وتتوجّه إلى "'مقام سيدي أبي سعيد الباجي"، في العاشرة والنصف، بعد المرور من الشوارع الكبرى للمدينة. وتستمر فقرات "الخرجة" حتى غروب الشمس من اليوم نفسه، كما توجد فقرات لليومين اللاحقين لكنها تكون عادة مضيّقة ضمن المنتسبين إلى الصوفية.

في السنوات الأخيرة، يمكن أن نلاحظ النزعة الفرجوية التي باتت تسود هذه الأنشطة، ويمكن تفسير ذلك بحضور الفن الصوفي في الحياة الثقافية من خلال عروض كبرى، مثل "الحضرة" لـ فاضل الجزيري، و"الزيارة" لـ سامي اللجمي، و"حضرة رجال تونس" لـ توفيق دغمان، وغيرها.

هذه العروض وجدت الأبوات مفتوحة في المهرجانات والقنوات التلفزيونية، ما أتاح لأغاني الصوفية شعبية موسّعة، حتى أن المنتسبين إلى التصوّف باتوا يضيقون في أحيان كثيرة من حالة التنميط التي حلّت مع إخراج هذه التعبيرات من عفوية الزوايا إلى مشهدية العروض الكبرى. كما لا يخفى أن ذلك يضرب الصوفية في جوهرها، حيث من المفترض أن تقوم على السكينة والتجلّي، لا على منطق "ما يطلبه المستمعون".