رينولد نيكلسون.. التصوّف بعين استشراقية

27 مايو 2020
الصورة
(رينولد نيكلسون)

تعلّم المستشرق البريطاني رينولد نيكلسون (1868 - 1945) العربية والفارسية حيث درّس لسنوات عدّة، وشكّلت اللغتان مدخلاً أساسياً لاطلاعه على الأدب خلال العصور الإسلامية، وقد بدأ اهتمامه بالتصوّف بترجمة "المثنوي المعنوي" لجلال الدين الرومي للإنكليزية لأوّل مرّة في ثمانية مجلّدات.

توالت بعدها ترجماته؛ حيث نقل "كشف المحجوب" لأبي الحسن الهويجري، و"ترجمان الأشواق" لابن عربي، و"كتاب اللمع" لأبي نصر الطوسي، و"تذكرة الأولياء" لفريد الدين العطّار، والتي قادته لاحقاً إلى دراسة تاريخ الصوفية ومؤثّراتها الأولى في الإسلام ضمن تصوُّر شامل يضعه ضمن سياقه التاريخي والمعرفي.

مؤخّراً صدرت طبعة جديدة من النسخة العربية لكتابه "في التصوّف الإسلامي وتاريخه" عن "هيئة قصور الثقافة المصرية" بترجمة الأكاديمي والباحث المصري أبو عفيفي، وكانت قد صدرت طبعته الأولى سنة 1914، وأعادت طباعته عدّة دور نشر عربية.

يشير الكتاب إلى أنَّ ملامح صوفية إسلامية برزت مبكراً نتيجة التفاعل الفكري مع الثقافات الأخرى، إلّا إنّ كثيراً من الخصائص الإسلامية للتصوّف عند المسلمين وليدة البيئة المحلية، وهذه الخصائص المحلية أصبحت من التقاليد التربوية المعروفة بحيث طُبّقت على وجهة متكاملة في سائر الأمصار الإسلامية، لافتاً إلى أن نهاية القرن الثاني الهجري كانت تقترب حين ظهرت في بلاد ما بين النهرين لأوّل مرة كلمة (الصوفي) التي سرعان ما عرفها متصوّفة الإسلام على العموم.

ويرى نيكلسون أن التصوّف هو المساحة المشتركة التي تجمع نصرانية القرون الوسطى بالدين الإسلامي وتجعلهما تقتربان كثيراً، مشيراً إلى تأثّرها بالثقافات اليونانية أيضاً ومنها الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، حيث الحقيقة العلياء تدرك بالمشاهدة وليس بالفكر، موضحاً طبيعة هذا الاختلاط ومواضع حضوره لدى المتصوّفة المسلمين الأوائل.

يضمّ الكتاب خمس دراسات هي: نظرة تاريخية في أصل التصوّف وتطوّره، والزهد في الإسلام، والتصوّف أو الصوفية، وهدف التصوف الإسلامي، وفكرة الشخصية في التصوف، في تركيز على القرون الثلاثة الأولى بعد الهجرة، حيث شهد التصوّف تطوّراً كبيراً بحلول القرن السادس.

يعود نيكلسون إلى ذي النون المصري (796 - 859 م) ومن سبقه من رجال التصوّف، حيث تظهر لديهم تلك الصفات الأساسية، مشيراً إلى أن أول من استخدم مصطلح الفناء بمعناه الصوفي الدقيق هو أبو يزيد البسطامي (804 - 874) لتدخل فكرة وحدة الوجود إلى التصوف.