السيسي يغطي استمرار الانتهاكات والتهجير في سيناء


16 أكتوبر 2019
الصورة
انطلقت عملية تدمير المنازل نهاية 2014 (سعيد خطيب/فرانس برس)
+ الخط -

شعر سكان محافظة شمال سيناء، شرقي مصر، بخطورة الحديث الذي جاء على لسان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بإنكاره وجود حالة واسعة من التهجير القسري للسكان، واتهامه لهم بالتستر على الإرهابيين، ودعوتهم للتعاون مع قوات الأمن في سبيل القضاء على تنظيم "ولاية سيناء"، ما يؤسس إلى قواعد تعامل الدولة المصرية بما فيها الأجهزة الأمنية مع ملف سيناء. ويشمل هذا الأمر إعطاء الضوء الأخضر لقوات الأمن لاستكمال إجراءات التهجير القسري بحق آلاف السكان في كافة مدن المحافظة، كرفح والشيخ زويد وكذلك العريش، الأمر الذي من شأنه تعقيد المشهد في سيناء خلال المرحلة المقبلة.

وفي تفاصيل الحديث الذي ألقاه خلال مشاركته في الندوة التثقيفية الحادية والثلاثين للقوات المسلحة، قال السيسي إن السلطات المصرية لم تهجِّر أي أحد من تلك المنطقة، وقامت فقط بإخلاء بعض البيوت والمزارع، ودفعت التعويضات لأصحابها، وأن الأمر يتعلق بالأمن القومي لـ100 مليون مواطن، وأنه لن يسمح أن تبقى هذه المسألة "شوكة في ظهر البلد". وأشار إلى أن حل الأزمة الأمنية في سيناء يتطلب تعاوناً من الأهالي مع الجيش المصري. وقال لأهالي سيناء "أنتم عارفينهم وساكنين وسطكم"، في إشارة إلى الإرهابيين. وفي ما يتعلق بتطورات الوضع الأمني هناك، أوضح السيسي أن الأمور تحسنت بشكل كبير جداً مقارنة بالماضي، مشيراً إلى أنه لا بد من بذل المزيد من الجهود لتحقيق الأمن والاستقرار بنسبة 100 في المائة.

وفي التعقيب على ذلك، قال أحد مشايخ سيناء، لـ"العربي الجديد"، إن "السيسي ينكر الحقائق الظاهرة كوضوح الشمس من قبيل تهجير عشرات آلاف المواطنين من مدن رفح والشيخ زويد والعريش، وهذا ما وثّقته وسائل الإعلام والمؤسسات الحقوقية، وهو ما تعيه جيداً أجهزته الأمنية، خصوصاً جهاز المخابرات الحربية والاستطلاع، الذي كان يقوده قبل توليه منصب وزارة الدفاع في العام 2012. ولا يمكن الشك بأن الجيش المصري ينفذ مخططاً واضحاً لتهجير سكان سيناء، حيث كان حديث السيسي مليئاً بالكذب في ملف سيناء، خصوصاً عند حديثه عن أن المساحة التي جرى تهجير السكان منها تبلغ كيلومتر في كيلومتر، برغم أن الهدم كان بمسافة أكثر من 5 كيلومترات داخل العمق المصري، وعلى طول الشريط الحدودي بمسافة تتجاوز 14 كيلومتراً، وهذا ما كشفت عنه مؤسسة هيومن رايتس ووتش بالصور عبر الأقمار الصناعية لسيناء خلال السنوات الماضية".

وأضاف الشيخ القبلي أن "حديث السيسي عن تعويضات للمهجرين كاذب، في ظل أن غالبية سكان القرى في رفح والشيخ زويد لم يتلقوا التعويضات، التي اقتصرت على بعض أحياء المدينة. وكذلك المبالغ التي تقاضتها العائلات المهجرة لم تكن كافية لبناء منازل بالحجم ذاته الذي كانت عليه في مدينة رفح". وعن حديثه حول التعاون بين أهالي سيناء والجيش في محاربة الإرهاب، بيّن الشيخ القبلي أن "الجيش يريد من أهالي سيناء أن يصبحوا جواسيس لصالحه، في حين أنه لا يوفر أدنى مقومات الحياة للمواطن السيناوي، ولا يلبي احتياجاته كمواطن مصري، بل يتعامل معه كشخص غريب عن الدولة. وكذلك لا يسعى الجيش لحماية أي متعاون معه في سيناء، وهذا ما أثبتته الوقائع خلال السنوات الماضية، من خلال قتل تنظيم ولاية سيناء، الموالي لتنظيم داعش الإرهابي، لعشرات المتعاونين مع قوات الجيش والشرطة في كافة مناطق سيناء".


يشار إلى أن الجيش المصري بدأ نهاية العام 2014 إنشاء منطقة عازلة بين سيناء وقطاع غزة. وتمددت المنطقة من مسافة 500 متر حتى بلغت 5 كيلومترات، بحسب ما جاء في بيانات الحكومة المصرية خلال صرفها للتعويضات لعدد من العائلات المهجرة، فيما استمرت الهجمات ضد قوات الأمن خلال الأشهر التي تبعت إنشاء المنطقة العازلة، وحتى داخل مدينة رفح، برغم تهجير سكانها بشكل كامل خلال الأعوام الماضية، فيما حذرت مؤسسات حقوقية وإنسانية من خطورة التهجير القسري والإجراءات التي تقوم بها الدولة المصرية في شمال سيناء، واعتدائها الصارخ على حقوق المواطنين في السكن والعيش بحرية.

وتعقيباً على ذلك، قال الناشط السياسي من سيناء زهدي جواد، لـ"العربي الجديد"، إن "خطورة حديث السيسي عن سيناء تكمن في قلب الحقائق، وإيصال صورة للشعب المصري مُغايرة للواقع عن سيناء، والهروب من كل الانتهاكات التي وقعت بحق أهالي محافظة شمال سيناء على مدار السنوات الست الماضية، وتجاهُل كل المطالب الحياتية للمحافظة، كالكهرباء والمياه والاتصالات والتعليم والصحة. وركز السيسي على ضرورة تعاون المواطنين مع الأمن، برغم أن الدولة المصرية لا تعطي أي اهتمام لمطالب أبناء سيناء، واعتبارهم منطقة خارج الجمهورية". وأضاف أن "حالة من الغضب سادت بين المواطنين في سيناء بعد تصريحات السيسي الأخيرة، التي أمّلوا أن تكون أفضل من ذلك، خصوصاً بعد المجزرة التي وقعت بحق عائلة العوايضة في مدينة بئر العبد قبل يومين، والتي راح ضحيتها أسرة كاملة مكونة من 9 أفراد، عدا عن مصابين وقتلى آخرين".

وأوضح أن "ما تحدث به السيسي يدعو أهالي سيناء إلى التحضير لموجة جديدة من التهجير القسري والانتهاكات الجسيمة بحقهم خلال المرحلة المقبلة، بعدما أعطى السيسي الضوء الأخضر ضمنيّاً للأمن لاستكمال عملياته الأمنية، ولو على حساب المدنيين، بعد قوله إن المدنيين يعرفون الإرهابيين وأنهم يسكنون بينهم. وفي ذلك خطورة كامنة في إمكانية استهداف مناطق سكنية بحجة وجود إرهابيين، كما جرى في مرات سابقة، مع عدم الاكتراث بقتل المدنيين خلال الهجمات أو العمليات العسكرية، والاكتفاء بالحديث عن مبدأ التعويض لعوائل القتلى والجرحى، وكأن الأموال والتعويضات باتت كافية لاستمرار مسلسل الانتهاكات في سيناء. وفي تعامله مع نائب رئيس جامعة سيناء الدكتور صلاح سالم، كشف السيسي للعالم أنه لا يحب أن يستمع لأي صوت من سيناء، وأن قضية سيناء لا يمكن النظر إليها إلا من نافذة الأمن فقط، دون الاهتمام لبقية الملفات الإنسانية التي تحتاجها المحافظة".