السياسة الجنسانية في عهد السيسي

السياسة الجنسانية في عهد السيسي

13 ديسمبر 2016
الصورة

نوال السعداوي.. إنكار التحرّش في عهد السيسي

+ الخط -
مع ازدياد العزلة التي يعانيها الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، لم يتبق لنظامه التسلطي من رفقةٍ إلّا التعايش العابث مع النماذج التي تتفنن في التأييد الأجوف، فمهمة التطبيل قامت بها إعلامياتٌ ونجماتٌ يفخرن بوصفهن نساء النظام. وفي مقدمة المؤيدات نوال السعداوي التي على الرغم من تاريخها الطويل مدافعة عن حقوق الإنسان، وحقوق المرأة خصوصاً، ممثّلة أيقونة الناشطات النسائيات، ليس في مصر وحدها، إنّما في الوطن العربي فترة، تطرّفت حتى انقلبت مع العسكر على بنات جنسها.
استدعى هذا المقال القبض على المحامية والناشطة الحقوقية المصرية، عزة سليمان، في تصعيد عنيف في إطار الضغط على منظمات المجتمع المدني بشكل عام، بعد أن تجبرت أجهزة الدولة، وحادت عن نصرة المظلومين والمعتقلين بتهمٍ مثل التواطؤ على النظام الحاكم. كما يجيء القبض على عزة سليمان بشكلٍ خاص، بوصفها مديرة مركز قضايا المرأة، وهي ضمن المنظمات المتهمة بإثارة الفوضى، منذ أحداث ثورة 25 يناير 2011. وباتت هذه المنظمات والجمعيات الملاذ الأخير لكثير من قضايا المرأة التي أصبحت في مواجهةٍ مباشرةٍ مع النظام، أساسها إرساء قاعدة لقهر المرأة في إطار قانوني وغيره. تدافع غالبية هؤلاء النساء عنهن المحامية عزة، من دون أتعاب، وأكثرهن من أسر رقيقة الحال.
جاءت التهمة لمنظمات غير حكومية عديدة مرتبطة بالعمل الحقوقي، ومن ضمنها مركز قضايا المرأة، في الحصول على تمويل أجنبي، لزرع بذور الفوضى. ولكن، سيتبين التصعيد الممنهج لهذه القضية، عندما نعلم أنّ عزة سليمان واجهت المحاكمة سابقاً لشهادتها في قضية قتل الشرطة الناشطة شيماء الصباغ في يناير/ كانون الثاني 2015، وتمت تبرئتها بعد ذلك.
وتزول ضبابية الصورة عندما تتسلسل أحداث التعقب القمعي لمثل هذه المنظمات، بإغلاق سلطات النظام عديداً منها، وإصدار أحكام الحبس على موظفيها، ثم تمرير البرلمان المصري قانوناً يمارس تكتيكاً يقمع نشاطها، ويحظر العديد منها بتهم ترويج الديمقراطية!
أدخلت تعقيدات مثل هذه الأحداث مفهوم البعد الجنساني في تحليل دونية وضع المرأة بتأنيث السياسة أو تسييس المرأة. حيث نجد أنّ ثقافة الأنظمة السلطوية تستنكر قيام المرأة بأدوار فعّالة، مثل نشاطها على مستوى الإنتاج الفكري والأدبي، أو قيامها بوسيلة ضغطٍ للحصول على حقوقها، ونجد أنّ النقد يوجه لها دائماً بقصد الإقصاء والتهميش.
نموذج عزة وشيماء وبنات الثورة يقابله نموذج نوال السعداوي وإيناس الدغيدي وغيرهن، اللائي رضين، أخيراً، بالرضوخ إلى الراديكالية النسوية. والفكرة الأساسية لهذا التيار هي
القسوة على النساء، من حيث تريد الناشطة مناصرة قضاياهنّ. وهي كنظرية تربط سيكولوجية الجندر بوضعها الاجتماعي، وأشياء كثيرة مخبوءة. وبقيادتهن هذا التيار، يكافئن سلطة القهر، ويركلن النساء المقهورات. وفوق ذلك، يجئن بشماعة الإسلاميين، بسبب عدائهن معهم، ليعلقن عليها فظائع نظام الإنقلاب.
ربما لم يفتر حماس نوال السعداوي، وهي ما تزال تبحث عن استراتيجيات لإثارة الجدل. ولكي تحقّق ذلك، تعتمد عنصر المباغتة، ففي غمرة انشغال الناس بما يجري أمامهم، تفجّر مفاجأة لا تمت إلى المنطق بصلة، حتى تتواصل علامات التعجب ببعضها، مكونةً سلسلةً وثيقة العرى، فتلتها السعداوي من أضغاث أفكارها، حتى تتوج الشخصية الأكثر إثارة للجدل.
أيّ صوت يمكن أن نصدّقه للسعداوي، هل صوتها "جريمتي الكبرى .. أنّني امرأة حرّة في زمن لا يريدون فيه إلّا الجواري والعبيد، ولدت بعقل يفكّر في زمن يحاولون فيه إلغاء العقل"، أم صوتها المُنكِر حقيقة التحرّش في زمن عبد الفتاح السيسي؟ أم صوتها المستاء من تجاهل الدولة ووزارة الثقافة للملتقى الشهري الذي يحمل اسمها، لتصرّح أنّ الدولة لا تهتم إلا بالإثارة وبلبلة الرأي العام، ثم تنتقد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ليس من المنطق التباهي بالدفاع عن الحرية، والمدافِعة الحقوقية ما زالت مكبّلة بمعتقداتٍ تناقض موجة كتاباتها الأولى. ومن حيث لا تدري، فهي تدين مجمل نساء مصر الشاكيات من التحرّش.
ولأنّ هذا العهد هو سليل عهد حسني مبارك، فعندما ظهرت بعض مظاهر التديّن آنذاك في الشارع والزي المصري، وجدت نساء عديداتٍ غير منتميات إلى أي فئة، ازدراءً واضحاً بسبب بعض مظاهر احتشامهنّ، وهي حملةٌ قادتها إعلاميات راديكالياتٌ أمثال إيناس الدغيدي وهالة سرحان. فكانت حرباً من نوع آخر، صبّت جام غضبها على ممارسة النساء حرياتهن في أن يرتدين ما يُردن، ليصبح بذلك فرض التحرّر نفسه واقعاً وحياة مدينية، وازدراء ما يقابله من خيارات، سالباً آخر لحرية المرأة.
تتبدّى الوحدة الموضوعية عند هذه النخبة الجندرية في عدم المصداقية، وهي، كمثلها من النخب السياسية في عهد السيسي، تلوّن القضايا لصالح الكسب السياسي. فقد لوّنت هؤلاء قضية المرأة، ولم يعد ما يقلنه جذاباً، حتى ولو كان عن سيمون دي بوفوار وأفكارها الوجودية.
تكشف هذه الحادثة، وقبلها حادثات، الزيف وتفضح العداوة التي تضمرها الحكومة، ليس فقط تجاه المدافعات عن حقوق المرأة، لكنها تستهدف الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل عام. الحق والعدالة الاجتماعية التي تطالب بها المرأة اليوم، لا يتطلبان تضحياتٍ كما في السابق، فعلى الرغم من أن عنقها لن تمرّ عبر مقصلة الحرية، إلّا أنّ النفي الاجتماعي الذي يهدّد هامش حريتها الشخصية، ويضيّق عليها الخناق، ويزعزع استقرارها المعنوي والمادي، هو أكبر مقصلة. فهي يحاربها النظام الذي أصبح لا همّ له غير تشويه مفهوم حرية المرأة عند الناشطات والمعترضات على سياساته، وعلى وجوده، والتخويف منها، بينما يحتفي بحرية الراقصات، ويسمح باعتلائهن المنصّات الإعلامية والتحدّث باسمه.