أزمة أسعار بالسودان ... ارتفاع جنوني للدولار وتوقعات ببلوغه 50 جنيهاً

05 يناير 2018
الصورة
انعدام الدولارات بالبنوك السودانية (Getty)
يدخل السودان العام الجديد 2018، وهو على أعتاب أزمة مالية بسبب الارتفاع الجنوني للدولار الذي بلغ في السوق الموازية 28 جنيهاً وسط توقعات خبراء ان يرتفع إلى 50 جنيهاً، خلال شهور إذ لم تجد الحكومة حلولا لشح الدولارات وكبح جماحه.

ولم تفلح الإجراءات التى اتخذتها الحكومة السودانية أخيراً في كبح جماح ارتفاع الدولار في السوق الموازية، بل على العكس زادت من تراجع قيمة الجنيه السوداني مقابل الدولار إلى 28 جنيهاً بعد أن استقر في حدود 26 جنيها لأسابيع.

وكانت الحكومة قد شددت في الآونة الأخيرة، من إجراءاتها للمتعاملين بسوق النقد الأجنبي وقررت معاقبة التجار بعقوبات يصل بعضها الى الإعدام، كما ألزمت جميع المصارف التجارية بجذب مدخرات المغتربين بالعملة التى حولت بها، وألغى بنك السودان المركزي استخدام الحسابات الخاصة بالنقد الأجنبي للشركات الأجنبية العاملة في مجال البترول والذهب والمعادن الأخرى، بجانب الضوابط الخاصة برأس المال الأجنبي المستثمر في السودان والخاصة بشراء النقد الأجنبي من الحسابات الخاصة للبعثات والهيئات الدبلوماسية والمنظمات الطوعية والخيرية.

وحدّت تلك الإجراءات من نشاط السوق الموازية لفترة وجيزة، وأصبحت العملة تباع وتشترى في الخفاء بسبب عدم مقدرة المركزي على توفير نقد أجنبي لطالبيه.

وفى سبيل إحكام القبضة على نشاط السوق الخفية، قررت وزارة المالية توحيد سعر الدولار الرسمي والجمركي، حيث حددته بـ18 جنيهاً للدولار، كما منعت استيراد بعض السلع الأساسية، إلا أن أسعار السوق الموازية ارتفعت مجدداً إلى 28 جنيهاً وعاد نشاط التجار علناً في الأسواق.

وفي جولة في السوق الموازية، أكد عدد من التجار الذين عاودوا نشاطهم مجدداً بصورة لافتة في أسواق الخرطوم انعدام الدولار تماماً نتيجة للإجراءات المشددة التي اتخذتها الحكومة والتي قد تصل فيها عقوبة المتاجرة إلى الإعدام.

وقال تجار إنهم يشترون العملة بـ28 جنيهاً، وأن سعر البيع يصل إلى 28.5 جنيهاً للدولار، خاصة في ظل الطلب الكبير عليه من قبل المستوردين والمسافرين من الطلاب وطالبي العلاج بالخارج.

وتوقع كثير من خبراء الاقتصاد والمهتمين وصول سعر الدولار إلى 50 جنيهاً، وقالوا إن المعالجات قصيرة المدى تحتاج إلى بناء احتياطي معقول من النقد الأجنبي لمدة ستة أشهر على الأقل.

وقال الدكتور يسين حميدة، الأمين العام لاتحاد الغرف التجارية، لـ"العربي الجديد"، إن هذا الارتفاع الكبير في سعر الدولار مقابل الجنيه السوداني يتأثر به الصادر والوارد معاً، وإن عدم توفر الدولار في القنوات الرسمية يؤثر على التجارة الداخلية والخارجية، ولا بد من حلول بعيدة المدى.

وطالب حميدة بتدخل البنك المركزي لحل الأزمة عبر زيادة الصادر وفتح التجارة بين الدول (ترانزيت) والبحث عن منح وقروض يمكنها أن تؤثر إيجابياً في حل الأزمة.

ويقول خبراء إن الحل يكمن فى زيادة الإنتاج ووقف مضاربة التجار على الدولار، إلا أن ذلك يحتاج إلى إعادة الثقة للتجار والمستثمرين بإعطاء مزيد من التسهيلات ووضع برنامج طويل المدى عبر إجراءات توفر للمستثمرين والمستوردين ضمانات كافية.

واتسع أخيراً نطاق التعامل خارج الجهاز المصرفي عبر تعاقد المستوردين مع صرافين يتولون تسديد قيمة السلع المستوردة عبر مبادلة العملة المحلية بالدولار المتوفر لدى العاملين بالخارج الذين يفضلون بدورهم عدم تحويل مدخراتهم إلى أسرهم عبر الجهاز المصرفي سعياً وراء سعر أعلى للدولار.

وكانت رئاسة الجمهورية قد أكدت في مؤتمر المغتربين الأخير، على أن يستلم المغتربون تحويلاتهم المقدرة بـ5 مليارات دولار سنوياً بالعملة نفسها التي حولوا بها، إلا إن تلك الإجراءات لم تنفذ لعدم توفر العملة الأجنبية في البنوك التجارية.

وانتقد وزير المالية الأسبق عبد الرحيم حمدي سياسات وزارة المالية الاقتصادية وقطع بإمكانية وصول سعر الدولار مقابل الجنيه إلى 50 جنيهاً في حال استمرار الأوضاع الاقتصادية على ما هي عليه الآن، وشدد على ضرورة إيجاد برنامج متكامل لمعالجة الوضع الاقتصادي.

وقال مصدر بإحدى الصرافات لـ"العربي الجديد"، إن سعر الدولار في السوق الموازي انعكس سلباً على الصرافات، وأن ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية أحدث تراجعاً كبيراً في أداء الصرافات، وأضاف أن معالجة هذا الأمر تتوقف على ضخ كميات كبيرة من النقد عبر القنوات الرسمية لإيقاف ارتفاع الدولار.

من جانبه، قال حازم عبد القادر، محافظ بنك السودان المركزي، في مؤتمر صحافي الثلاثاء، إن البنك المركزي اتخذ إجراءات لزيادة احتياطي النقد الأجنبي عبر شراء الذهب بسعر البورصة العالمية من الشركات وزيادة الصادرات وإدخال مدخرات المغتربين بطريقة رسمية مع ترشيد استيراد بعض السلع وتحريك السيولة الفائضة لدى الجمهور وإدخالها إلى القطاعات المنتجة ومنع البنوك من تمويل التجارة المحلية مؤقتاً وتشجيع تمويل الصادر.

ويفاقم ارتفاع الدولار من الأزمة المعيشية في السودان، حيث يقول راشد طوقان (40 سنة)، إنه يعيش مع زوجته وطفلته التي تبلغ السابعة من عمرها، ولا يتجاوز راتبه وحوافزه الشهرية الألف جنيه سوداني، أي ما يعادل نحو 110 دولارات، حسب السعر الرسمي للدولار في البنوك، وما يعادل نحو 40 دولارا حسب السعر الموازي.

ويقول طوقان إنه غاضب جداً هذه الأيام من التزايد المستمر في أسعارالسلع الضرورية التي يحاول توفيرها لطفلته وزوجته.

ويضيف لـ"العربي الجديد"، من مكتب استقبال يعمل به في شركة خاصة، أن التصاعد المستمر في الأسعار يجعل من المعيشة في السودان أمرا لا يطاق، وفوق طاقة الاحتمال. وطالب طوقان بضرورة تدخل الحكومة لحماية الأسر البسيطة مما يحدث في السوق، إذ لا يمكن الاستمرار في الجلوس على مقاعد المتفرجين.

ومنذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، عن رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان المفروضة منذ العام 1997، سادت حالة من التفاؤل في الشارع السوداني بإمكانية حدوث تحسن تدريجي في المستويات المعيشية.

لكن اختفى هذا التفاؤل، ومنذ أن بدأت مؤشرات موازنة العام 2018، ارتفعت أسعار السلع الضرورية، فقد وصل سعر كلغ السكر إلى 18 جنيهاً بعد أن كان قبل أشهر بـ9 جنيهات فقط، وارتفع كلغ الدقيق من 7 إلى 15 جنيهاً، ولتر الزيت من 25 إلى 35 جنيهاً، وكلغ الدقيق من 12 إلى 17 جنيهاً، أما الألبان التي تعتمد عليها طفلة راشد طوقان، وملايين الأطفال السودانين فقد ارتفعت عبوة 2 كلغ منه من اللبن المجفف من 250 إلى 400 جنيه.

وطوقان ليس وحده الذي انتابه القلق من فوضى السوق السودانية هذه الأيام، إذ بدأت غالبية الأسر السودانية التضجر من الغلاء المعيشي، في وقت تشهد فيه وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي حملة انتقادات عنيفة للأداء الاقتصادي الحكومي، وعلى السياسات الجديدة التي أقرتها الموزانة.

ويرى الخبير الاقتصادي الحاج حمد، أسباباً أخرى للأزمة، تتلخص في عدم الرقابة الحكومية على الأسعار، وتعدد الوسطاء والسماسرة ما بين المنتج والمستهلك، فضلاً عن سوء إدارة الموارد الحالية، وأشار حمد لـ"العربي الجديد"، إلى أن 70% من المصروفات تذهب إلى القطاع الأمني والسيادي.

ومع إزدياد معدل الفوضى في سوق السلع الرئيسة، أعلنت الحكومة عزمها التدخل بحزمة إجراءات وتدابير وضوابط لكبح جماع الأسواق، وقال وزير التجارة ، حاتم السر، في مؤتمر صحفي بالخرطوم ، إن إنفلات وفوضى الأسعار، غير مبرر، ولا قانوني، ولا أخلاقي ، مشيراً إلى أن سماسرة ووسطاء يستغلون الموقف الحالي لمضاعفة الأسعار وتعهد بإيقاف ذلك الانزلاق خلال أيام .

وأضاف السر، أن سياسة التحرير الاقتصادي التي تطبقها الدولة لا تعني الفوضى، متهماً جهات سياسية لم يسمها باستغلال حالة انعدام الثقة ما بين الحكومة والمواطن ، قبل أن يعود مؤكداً بأن الحكومة "ليست ملاكاً رحيماً ولا شيطاناً رجيماً " وأنها قدمت المتاح في ظل الظروف الرهنة.