السعودية وترامب ونبذ القضية الفلسطينية

13 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

من الضروري التوضيح أن كل أشكال التطبيع بين الدول العربية وبين إسرائيل، تحت أي مسمّى، مدانة، فهي تخلط بين الظالم والمظلوم، وتجعل من المشروع الصهيوني أكثر قبولا، لكن الإدارة الأميركية في عجلةٍ من أمرها، لأهمية ذلك في رفع أرصدة الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، باعتباره صانع معجزات لم يقدر عليها من سبقوه. ولكن حلم التطبيع العلني، أي نقله من تحت الطاولة إلى فوقها، هو ما سعت الاستراتيجية الأميركية -الإسرائيلية دائما إليه، فإنهاء فكرة "مركزية القضية الفلسطينية" في الخطاب الرسمي، والأهم إخراجها من الوجدان العربي، كان دائما في قلب الأهداف الأميركية، لكنه مشتهى ولم يتحقق، فبعد عقود من معاهدتي السلام المصرية – الإسرائيلية، والأردنية – الإسرائيلية، بقي السلام باردا، لم يعتبر الشعبان، المصري والأردني، الكيان الصهيوني صديقا، ولم تتغير لديهما صورته عدوا.

سعي إدارة ترامب إلى تسريع الاتفاقات التطبيعية لن يحقق لها ما تريده، قبل توقع اتفاق سعودي إسرائيلي

شكّلت معاهدة كامب ديفيد زلزالا استراتيجيا، إذ أخرجت مصر من معادلة الصراع، استقوت بها إسرائيل على الجميع، فمن الصعب تخيّل الجيش الإسرائيلي على مشارف مدينة بيروت في عام 1982 بدون دخول مصر، بثقلها التاريخي في قيادة المنطقة ودورها التحرّري، في اتفاقية مع إسرائيل. ولا كان من السهل فرض الحصار الخانق على العراق وغزو العراق الذي شل قدرة بلاد ما بين النهرين من كونها الرادع العربي الاستراتيجي لأحلام الهيمنة الصهيونية على الخليج. ثم جاء إضعاف سورية والعراق، لينضاف إلى عوامل ساهمت في تعميق اختلال ميزان القوى في المنطقة، خصوصا بعد ضرب الثورة الفلسطينية وإبعادها عقب حصار بيروت، وبقيت أعين الأميركيين على الخليج بثوراته، والسعودية بحكم أنها راعية الحرمين الشريفين وأثر ذلك على مسلمي الوطن العربي والعالم. ولا يعني هذا أن حكاما ومسؤولين سعوديين لم ينخرطوا في علاقات مع إسرائيل منذ عقود، غير أنه وفقاً للاستراتيجية الأميركية، حان الوقت لاتفاق علني، لم يجرؤ على الإقدام عليه بعد ولي العهد، محمد بن سلمان، بعد أن خشي ردة فعل داخلية، وإن كان موافقاً على اتفاق كهذا، كما كشف عرّاب هذه العملية المليونير الصهيوني حاييم صابان. على أن الدفع باتجاه تطبيع سعودي - إسرائيلي علني لم يبدأ في عهد الرئيس ترامب، ففكرة تشكل حلف أمني بقيادة الولايات المتحدة، ومشاركة إسرائيل بدور قوي فيه، ليست جديدة، وقد أفشلتها شعوب العراق والأردن وفلسطين، كما تمثلت في حلف بغداد في عام 1955. ثم حاولت أميركا فرضها بعد الثورة الإيرانية، وروّجت أن إيران هي الخطر التي يتهدّد المنطقة، وبالتالي تصبح إسرائيل دولة طبيعية في المنطقة، بل حليفا للعرب لمواجهة الخطر الإيراني. وعليه، اتسعت التفاهمات الأمنية الخليجية – الإسرائيلية وتعمّقت، وإن كانت أغلبها بالسر، تحت عنوان التهديد الإيراني. وقد ساهمت السعودية في دخول العراق الحرب مع إيران، تحقيقا لهدف أميركي: إضعاف البلدين. ولم يكن هذا ولم يعد سرا لمن كان لا يعرف أو يتابع، أي أن دمج إسرائيل في التفاهمات الأمنية الخليجية بدأ من فترة طويلة، بحجة تأمين الحماية الأميركية ضد الخطر الإيراني، تم السماح لكيان استعماري يعمل يوميا على إبادة الهوية العربية لفلسطين بالتغلغل الأمني في دول عدة خليحية وغير خليجية.

بعد عقود من معاهدتي السلام المصرية – الإسرائيلية، والأردنية – الإسرائيلية، لا يزال الشعبان، المصري والأردني، يريان في الكيان الصهيوني عدوا

ولم يكن ذلك كافيا، ففي عام 2015 شن متشدّدون وصهاينة في الكونغرس الأميركي حملة كبيرة على السعودية، على الرغم من تبعية حكامها لواشنطن، بغرض بدء تطبيع علني مع تل أبيب، فكانت زيارة اللواء السعودي المتقاعد، أنور عشقي، في 2016 إسرائيل، رتّب لها الإسرائيلي، دوري غولد، المقرّب من نتنياهو، والصهيوني الأميركي إليوت أبرامز الذي خدم مع معظم الرؤساء الأميركيين الجمهوريين منذ السبعينيات، وهو معروف بسجل إجرام في أميركا الوسطى، لنسمع بعدها تصريحات من الوفد المرافق "بإدانة ثقافة الموت" الفلسطينية، وتبني الخطاب الإسرائيلي. وكانت تلك الزيارة بداية التطبيع العلني الذي وصل إلى حد تأييد سياسات بنيامين نتنياهو، ورفض الوفد لقاء حزب ميرتس، المعارض احتلال الضفة الغربية وغزة وهضبة الجولان، مع أنه حزب صهيوني. وكانت اللقاءات التي سبقت الزيارة قد تمت في نيويورك تحت شعار التنسيق لمواجهة الخطر الإيراني، إذ ابتلعت الأنظمة راضية طُعم الحماية الأميركية، فهي أنظمة تبحث عن استمرار دورها الوظيفي على حساب شعوبها وحساب قضية فلسطين.
هناك تفاصيل كثيرة، لكن سعي إدارة ترامب إلى تسريع الاتفاقات التطبيعية لن يحقق لها ما تريده، قبل توقع اتفاق سعودي إسرائيلي، فتطويق العالم العربي بإسرائيل يتطلب اتفاقا مع السعودية، لأهمية دورها في العالمين، العربي والإسلامي، فتفكيك مفهوم مركزية القضية الفلسطينية يتطلب تغيير الخطاب الرسمي العربي، فالخطاب عن ضعفه وعدم صدقه لا يعجب الإدارة الأميركية الحالية، ولا سابقاتها، إذ يجب شطب جملة الالتزام بالقضية الفلسطينية، ولو كان هذا الالتزام كذبا وبهتانا، من قاموس الخطابين، الشعبي والرسمي، فما حدث في اجتماع مجلس وزاء الخارجية العرب، تحت مظلة جامعة الدول العربية، وإن لم تحذف الكلمات أعلاها من البيان الختامي، شكّلت نقطة انحدار مهمة في الخطاب الرسمي العربي، فرفض إدانة الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي هو تمهيد لاتفاقيات مماثلة، ولتمكين دول عربية أخرى من إعلان تطبيعها الكامل مع إسرائيل، بل وتبنّي الرواية الإسرائيلية الرسمية، أملا في أن تكون بداية ما يعتبرها الأميركيون جملا مزعجة ومعرقلة في القرارات العربية.

اللقاءات التي سبقت زيارة اللواء السعودي المتقاعد، أنور عشقي، في 2016 إسرائيل، تمت في نيويورك تحت شعار التنسيق لمواجهة الخطر الإيراني

ما حدث في الاجتماع هو التأكُّد من أن الأنظمة الأكثر ذيلية لواشنطن، والتي تقودها "نخب" ليس لديها وعي ولا اهتمام لا ببلادها ولا بالمنطقة، وليست مؤهلة حتى للإحساس بمصدر الخطر الحقيقي، هي التي تتحكم بجامعة الدول العربية، وهذا معروف. عملت هذه الأنظمة على منع الإدانة، فصحيح أن النظام السعودي لم يوقع بعد على اتفاق سلام مع إسرائيل، لكن الدور الأهم كان له، وإن كان المسؤولون الإماراتيون هم من تصدروا المشهد في اجتماع جامعة الدول العربية، في تنفيذ رغبات سيد البيت الأبيض الذي قد يرضى أو لا يرضى بهذا القدر من الطعن في الشعب الفلسطيني والاستهتار بالأمن القومي العربي.
تهيء إدارة ترامب الأجواء لولي العهد السعودي، محمد بن سلمان لعقد اتفاق استراتيجي مع إسرائيل، ولكن المسألة ليست بهذه السهولة، ليس لغياب الرغبة عنده، وإنما لخوفه من تداعياتها، فإعلانٌ كهذا لن يكون مثل أي من الاتفاقين، الإماراتي والبحريني. وعلى الرغم من كل ما نسمعه ونراه من متصهينين في السعودية، فقد يفجّر بن سلمان قنبلة تتبعها قنابل، تهدّد بإحداث انقسامات مناطقية في الأراضي السعودية، فهو لا يعي معنى مركزية القضية الفلسطينية، ولا معنى الأمن العربي، ولا السعودي.