السعودية حين تتجسَّس

24 اغسطس 2020
الصورة
+ الخط -

مجدَّداً يعود خبر ضلوع بلدٍ عربيٍّ آخر في قضية تجسُّسٍ جرت حوادثها في دولةٍ غربيةٍ، هي كبرى دول العالم؛ الولايات المتحدة الأميركية. ولكن، وكما عادة الأنظمة العربية، فإن موضوع التجسُّس هو مواطنون سعوديون، وليس مركز بحوثٍ نوويةٍ، أو مركز تطوير صناعاتٍ عسكريةٍ تجند العربية السعودية قواها وقدراتها لسرقة معلومات منه، ومعرفة أحدث الاختراعات التي أنجزها من أجل الإفادة منها لتطوير صناعاتها في تلك المجالات. وهو أمرٌ تعوَّد عليه المواطن العربي، وبات يدرك أن أي فضيحة تجسُّسٍ تتورّط بها حكومة بلاده أو حكومة أي دولةٍ عربيةٍ، يكون الضحيةَ مواطنوها في الخارج وليس مؤسسات الدولة المضيفة لهم. وفي هذا السياق، انشغلت وسائل الإعلام، بداية الشهر الماضي (يوليو/ تموز الماضي)، بتجسُّس مصر على مواطنيها في ألمانيا، وها هي تنشغل اليوم بفضيحة التجسُّس السعودي على "تويتر"، ولكن على أرض بلد حليفها الأميركي، على الرغم من المخاطر والتبعات.
ومع اقتراب موعد بدء جلسات محاكمة المتورّطين في قضية تجسُّس السلطات السعودية هذه على "تويتر" أمام إحدى محاكم سان فرانسيسكو، في 2 سبتمبر/ أيلول المقبل، عادت هذه القضية إلى التفاعل بعد كشف وكالة بلومبيرغ الأميركية، قبل أيام، أن التجسّس السعودي على "تويتر" قاد السلطات السعودية إلى اعتقال الناشط الحقوقي عبد الرحمن السدحان ومواطنين سعوديين آخرين. وجرى الكلام، قبلاً، عن معلوماتٍ مقرصنةٍ، لكن الأمر تطوّر وتفاعل مع بروز معلومات جديدة تفيد بتجنيد السعودية موظفين يعملون في "تويتر"، ويستغلون مواقعهم لكشف هويات المغرّدين الذين يستخدمون حسابات وهمية بغرض توجيه انتقادات للسلطات السعودية أو أفراد في العائلة الحاكمة، واستخدام المعلومات لقمع المعارضين وزجّهم في السجن.

يدرك المواطن العربي أن أي فضيحة تجسُّسٍ تتورّط فيها  أي دولةٍ عربيةٍ يكون الضحية فيها مواطن في الخارج، وليس مؤسسات الدولة المضيفة لهم

وسيمثل المتورّطان، أحمد أبو عمو وعلي آل زبارة، وهما موظفان سابقان في "تويتر"، تتهمهما السلطات الأميركية باستغلال منصبيهما، منذ سنة 2015، للتجسس على مغرّدين سعوديين وكشف هوياتهم الحقيقية، على الرغم من استخدامهم حساباتٍ تحت أسماء وهمية، وتسليم هذه المعلومات للسلطات السعودية، وهو ما أدّى إلى اعتقال عددٍ منهم. كما سيمثل أحمد المطيري، وهو مساعد بدر العساكر، مدير مكتب ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، إذ كان وسيطاً بين أبو عمو وآل زبارة وبين بدر العساكر الذي أسس شركةً تعمل واجهة لنقل المعلومات المسلّمة إليه إلى السلطات السعودية، وهو ما كان السبب في اعتقال هؤلاء المغرّدين والتنكيل بالمعارضين. ومن المتوقع أن توجه الاتهامات إلى بدر العساكر الذي رجحت وسائل إعلام أميركية أن يكون المسؤول الذي لمّحت المحكمة إلى إمكان اتهامه.
قبل هذه الفضيحة، كشفت صحيفة الغارديان البريطانية، أواخر مارس/ آذار الماضي، أن السلطات السعودية استغلت ثغرةً في شبكة الهواتف المحمولة، مكّنتها من إرسال أكثر من مليوني طلب تتبع لهواتف مواطنيها في الداخل والخارج من أجل تتبعهم ورصد تحرّكاتهم والتجسُّس على حياتهم الشخصية وعلى كل نشاطاتهم. ولفتت الصحيفة إلى أن المواطنين، ضحايا حملة التجسُّس هذه، ليسوا المنشقين عنها فحسب، بل أولئك الذين تخاف أن ينشقّوا لدى خروجهم من المملكة، أو حتى من يساورها القلق من مدى عمق ولائهم لعرش المملكة وولي عهدها. وقد استخدمت السلطات ثلاث شركات هواتف سعودية كبرى للقيام بهذه الخطوة.

كل قضايا التجسّس تتمحور حول حصر الانتقادات التي تتناول شخص ولي العهد، محمد بن سلمان، وسياساته

وبالطبع، لا يمكن نسيان فضيحة تورّط السعودية في اختراق الهاتف الجوال الخاص بجيف بيزوس الذي يملك صحيفة واشنطن بوست وشركة أمازون، والتي ظهرت، في مارس/ آذار 2019. وتناقلت وسائل الإعلام أن الاختراق جرى عبر إيصال رسالة إلى بيزوس عن طريق تطبيق "واتس أب" من هاتف ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، نفسه، حملت الرسالة ملفاً تجسُّسياً مكّن السلطات السعودية من اخترق هاتفه والتجسس عليه. والدافع إلى ذلك أن الصحيفة التي يملكها بيزوس، والتي خصصت عموداً أسبوعياً كان يكتبه الصحافي الراحل، جمال خاشقجي، قد واظبت على تغطية التحقيقات الجارية للكشف عن الظروف التي قتل بها، ومعرفة المتورّطين بعملية القتل.
وجدير بالذكر أن كل قضايا التجسّس تتمحور حول حصر الانتقادات التي تتناول شخص ولي العهد، محمد بن سلمان، وسياساته، والوقوف على أي تهديدٍ لصورته، حتى لو أتى هذا التهديد من مواطن ضعيف، يغلق على نفسه الأبواب ويُطفئ الأنوار، متّخذاً اسماً مستعاراً كي لا يلاحظ عليه أحدٌ وُلوْجه إلى أحد مواقع التواصل الاجتماعي لكتابة كلماتٍ تحمل انتقاداً لإحدى سياسات هذا الأمير، أو تصرّفات أحد أفراد بطانته، أو أحد أفراد الأسرة الحاكمة. ولا تعكس هذه السياسة سوى عدم ثقة هذا الأمير، بنفسه بدايةً، ثم بقدراته على تبوؤ المنصب الذي حجزه له والده تالياً، خصوصاً بعد الأخذ بالاعتبار واقعة تجريد ابن عمه، محمد بن نايف، من ذلك المنصب وتعيينه فيه. كذلك يعكس ثقة هذا الأمير بعدم أحقيته بموقع ولي العهد، وقناعته بأحقية ابن عمه به، لكن إصراره على اقتناصه واستعداده لفعل أي شيء للاستمرار به.

لا يمكن نسيان فضيحة تورّط السعودية في اختراق الهاتف الجوال الخاص بجيف بيزوس، مالك "واشنطن بوست" و"أمازون"

من جهة أخرى، وهو الأهم، تعكس هذه التصرّفات مدى خوف المملكة من الكلمة، الخوف الذي يعطي انطباعاً عن هشاشةِ كيانٍ تقلقه كلمةٌ تخرج من فم رجلٍ مغمورٍ يقيم على أطراف المملكة في مجاهل مدن الفقر فيها، أو في غرفته الجامعية في إحدى جامعات العالم المتقدّم، فيحسبون أن هذه الكلمة ستجعل كيانهم يتداعى. ولا يأتي خوفهم من هذه الكلمة سوى بسبب معرفتهم التداعيات المحتملة لما تقترفه أياديهم من قمعٍ للحريات وتجويع للبشر وقتل آخرين وتقطيع أجسادهم بالمنشار. وهم يلاحقون الكلمة، بدلاً من ملاحقة من استهدف منشآتهم النفطية بالصواريخ، وهشَّم صورتهم أمام العالم، ومرّر رسالة تقول لهم إنه يستطيع استهدافهم في غرف نومهم، كما استهدف شركة نفطهم ودرّة تاجهم.
يبرز السؤال: كيف تجرّأت السلطات السعودية على القيام بعمل تجسُّسيٍّ في أميركا، ومن دون حسبان النتائج المترتبة على عملٍ كهذا؟ لا بد أن السعوديين اكتسبوا تلك الجرأة بعدما لمسوا الجهد الكبير الذي بذله الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لتغطية جريمة اغتيال جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في إسطنبول. كذلك جهده لتغطية جرائم الحرب التي يقترفونها في اليمن بحق أبناء هذا البلد المنكوب بعاصفة حزمهم التي توقعوا تحقيق أهدافها بعد أسبوعين من شنّها، وأظهرت فشلهم خمس سنوات. ولا يفعل ترامب ذلك سوى لأنه اتخذ من سقطات بن سلمان سبيلاً لابتزازه من أجل الدفع له، وهو سيبقى يدفع طالما طالبه ترامب بذلك، وسيبقى ترامب يطالبه بذلك طالما هو قد أدمن اقتراف الأخطاء والوقوع في فضيحة جديدة، ما إن يخرج من التي سبقتها.