الحسيمة.. زفيرٌ مؤجّل

30 مايو 2017
الصورة

مسيرة احتجاج في الحسيمة على البطالة والفساد (28/5/2017/فرانس برس)

قد يبدو ما يحدث في مدينة الحسيمة المغربية مفاجئًا في قوّته، وفي قدرة الحراك على مقاومة كل سبل عرقلته، وفي مستوى وعي المتظاهرين، وفشل كل محاولات اختراقه أو إضعافه. لكن حين ندرك السّياق التاريخي الذي يحيط المنطقة، نفهم منبعه، وكيف أنّه ليس وليد اليوم، أو كانت المصادفة البحتة السبب في رؤيته النّور بهذا الشكل، بعد وفاة بائع السمك محسن فكري في سيارة جمع الزبالة، بل يعود وقوده إلى عقود طويلة من الاختناق، والبحث عن متنفّسٍ من الحرّية والكرامة.
الحسيمة مدينة تتوسّط جبال الريف في المغرب الصّعبة التضاريس، والتي عوّدت السكان على قساوة العيش، وعلى مصارعة الطّبيعة لأجل البقاء. الجبال التي كانت ساحة معركة أخرى ضدّ الاستعمار الإسباني، كان وقودها الأساسي الإرادة القويّة التي نحتتها الطّبيعة، والسواعد العارية إلّا من بنادق قليلة. ثمّ بعدها كانت المعركة التي لا يتكلّم أهل الحسيمة عنها معظم الأحيان، المعركة التي قمع فيها روح المواطنة لديهم الملك الراحل الحسن الثاني، الذي دخل إلى المدينة بـ 20 ألف جندي، وقمع عصيانًا مدنيًا شاملًا، أعلنه الرّيفيون عام 1958 للمطالبة بحقوقٍ سياسية واجتماعية.
ثمّ فُتح باب أوروبّا في وجههم، ولم ينظروا إلى الخلف أبدًا. ركضوا إلى الحريّة والكرامة التي وجدوها خارج بلادهم. وبقيت قُراهم ومُدنهم مهملة. وكلّ ما يفعلونه حين يمتلكون المال هو بناء منازل تؤويهم، حين عودتهم يومًا ما. والباقي لا يهم، إذ تمرّ العطلة الصيفية سريعًا، ويعودون إلى دول الإقامة للرّكض من أجل لقمة العيش. لم يبن أحدهم مشروعًا أو استثمارًا معيّنًا هناك، لا شيء على الإطلاق، عدا منازل تؤويهم في شيخوختهم. كأنّهم يئسوا وأنزلوا أيديهم عن هذه الأرض التي لم تحفظ قدرهم، وقتلت فيهم روح الانتماء إليها.

نما إحساسٌ عارمٌ بالنّفي الداخلي والخارجي لديهم، وفقدوا الانتماء إلى وطنٍ لا يعترف بمواطنتهم. الدولة قبلهم، وضعت أيديها عن المدينة وأهملتها كليا، لا شيء يُبنى هناك، لا مدراس عليا، لا مصانع، لا بنيات تحتية، لا مستشفيات حقيقية، لا مرافق للشّباب، لا شيء على الإطلاق غير الإهمال يعشّش هناك. بل أكثر من ذلك، أُهملت الآثار، وطُمست معالم الحضارة الأمازيغية بشدة، فلا متحف، ولا مرافق سياحية حقيقية، في مدينةٍ تعتبر من أجمل المدن الشّاطئية والغابوية في البلاد.
فقط تجار الحشيش أُطلقت أيديهم في بيع ما يزرعه الفلاحون في جبال كتامة، ونشأت طبقةٌ جديدة من أثريائه، طبقةٌ بلا وعي بالطبع، ولا ضمير، منشغلةٌ فقط بحماية نفسها بتحالفات مع رجال السّلطة المحليين، لتفادي سقوطهم في تصفية حساباتٍ مع منافسين. أما سمك الحسيمة، وهو من أجود أنواع السمك في المغرب، فاستولت عليه مافيا تصدّره مباشرةً من البحر إلى الأسواق الأوروبية. لا تخرج منه ولا سمكة للاستهلاك المحلي، حتى أن أسعار السّمك في المدينة أغلى منه من أي منطقةٍ في المغرب، حتى أغلى من المدن غير الشّاطئية. فيما لم يجد الصيّادون والتجار الصغار موطئ قدم أمام هذه المافيا التي كانت السبب الأساسي في وفاة محسن فكري.
في العطل الصّيفية التي كنت أقضيها مع أهلي في الحسيمة، مدينتنا الأصلية، كنت أُصدم بانهزامية السّكان، واليأس الذي كان يقبض ملامحهم، ويضعهم على هامش كل شيء يحدث في البلاد. ولم أفهم أسبابه، كنت أصغر من أبحث في ذلك، أو أطّلع على تاريخ المدينة الحافل.
كنت أرى معظم الرجال يتسكعون فقط، بلا عمل، فينشغلون بنميمةٍ تافهة، أو بملاحقة النّساء. أتذكّر أنه في فترة رواج مسلسل "كوادالوبي" في التّسعينيات، كان معظم الرّجال في البلدات المكوّنة للمنطقة، يتكدّسون في المقاهي لمشاهدته، هكذا أُريد لهم المحاربون مع محمد بن عبد الكريم الخطابي، أن يصطفّوا للتفرّج على قصة حب مكسيكية تافهة، بعد أن كانوا يخيفون اثنين من أقوى الجيوش الأوروبية، الأسبانية والفرنسية. لكنهم، لحسن الحظ، كانوا قلّة، إذ هاجر معظمهم إلى الخارج، ولم يبق إلاّ الشيوخ المتقاعدون عن العمل في الأرض، أو الخارج. والمراهقون الذين ينتظرون دورهم في العبور إلى الضفة الأخرى. والنّساء من كل الأعمار، خصوصاً الأمهات، والأخوات اللّواتي فاتهن قطار الزواج. إذ غالبًا ما تتزوج الفتيات قبل العشرين أحد المهاجرين وترحل معه. وغير المحظوظات بذلك يبقين عالقاتٍ إلى آخر يوم في عمرهن، في حياة بلا أمل، بلا عمل، بعدما بَقِين بلا تعليم.
تعمل القلّة الباقية من الشباب في مهن بسيطة، نُدل مقاه، أو عمال بناء، وقليل منهم بقي يعتني بالأرض. وهم جميعًا يقفون في طابور خفّي للهجرة، فلا شيء هنا يبقون لأجله، لا مستقبل في بلدٍ لا يعترف بهم، بلد منفيون هم فيه، على أرضهم. لكن، بعد انسداد بوابة الهجرة بجفاف ضرع أوروبا، وبؤس حياة من هم هناك، تضاعف عدد الشّباب في المدينة، بدون أمل ولا مستقبل. من استطاع منهم الهجرة إلى مدنٍ أخرى فعل من دون تردّد، بل هاجرت عائلات بأكملها، خصوصاً بعد زلزال 2004، والبقية ممن تمسّك بالبقاء، أو أرغم عليه، كان يختنق بشدة. وهو يرى نفسه في مدينةٍ تملك إمكانات كبيرة، لا تتاح له فرصة استغلالها، وبناء مستقبل يعتمد على ذلك. يتقلب بين قمع الماضي وحرمان الحاضر.

لذا، علينا فهم أنّ عدم رفع العلم الوطني، وإعلان الشّعارات المتطرّفة إلى حد ما، ليست رغبة حقيقية في الانفصال، بل هي رغبة في التّحرر، في التنفس، في الصراخ ضدّ كل ذلك القمع، ضد الوصم "الأوباش"، ضد النفي "الدفع إلى الهجرة". والريفيون الآن بحاجة لهذا الزّفير الصحي ليستعيدوا كرامتهم، ليتصالحوا مع أنفسهم، ومع الدولة التي لفظتهم، وليس عليها سوى أن تدعها تفعل.
الصياد الذي خاطب الوزير و"دينامو" الحكومة، عزيز أخنوش، قائلًا: "ليس لدي وقت الآن"، لمحادثته. هو نموذج لمواطن جبال الريف، لأنفته ولكرامته التي تم دوسها عقوداً، ومنعه من التنفس بكرامة. كان الريفي متهمًا دائماً بالرغبة في الانفصال، متهمًا بالحرية التي تجري في دمه، الحرية التي ضخّتها في دمه الجبال التي ركضها في طفولته. متهمًا بعد أن أثبت أنه قادرٌ على التّحرر من الاستعمار الإسباني، من دون مساهمة السلطان، وفي قيادة أشكالٍ من العصيان المدني ضد التّهميش الذي طاوله، بعد أن أثبت أنه عصيّ على التّرويض، وله قابليةٌ كبيرة للتكيف مع أقسى الظروف، وتحويلها لصالحه. فأصبح مصدر خوف، أو هكذا أشيع عنه. فيما كلّ ما أراده أن يعيش بكرامةٍ فوق أرضه مواطناً حقيقياً.
كما أن طبيعة الحراك هذه المرة مختلف عما عهدناه في السّنوات السابقة في مناطق مغربية متفرقة، فالمتظاهرون يتشكّلون من نوعيات مختلفة، ولم يعد الكادحون وحدهم من يخرج إلى الشارع، بل تجد وسط الحراك شبابًا من خلفياتٍ اجتماعيةٍ مختلفة. يبدو على بعضهم الرّخاء والرّفاهية، كثيرٌ منهم متعلم وله وظيفة. إذ لم يعد الاحتجاج يقتصر على المطالبة بمطالب اجتماعية محدودة النّطاق، بل اتّسع ليُطالب بالعيش الكريم لكل فئات المجتمع، وبتوفير البنية التّحتية له، حتى لو لم يكن جزءٌ من المتظاهرين محتاجاً لها، لكنه يطالب بها لأجل المنفعة العامة للمنطقة، ولأجل أيضاً إعادة الاعتبار لها، بعد كل هذه السّنوات من التّهميش، وإطفاء النّور فوقها على خريطة البلاد. وعلى الدولة أن تكون حكيمة، وتتفادى الصدام مع الاحتجاجات للأسباب التي ذكرنا وأخرى، حتى لا يتفاقم الوضع أكثر، وهو مرشّح لذلك، وإلا فلا أحد يعرف نهاية الأمر.