الجزائر: مخاوف من هروب الأموال وإجراءات مصرفية لتفاديه

20 مارس 2019
الصورة
تصاعد الاحتجاجات دفع المصارف لاتخاذ تدابير جديدة(بلال بن سليم/Getty)
+ الخط -
بدأت المؤسسات المالية الجزائرية في التفاعل مع الحراك الشعبي المطالب بتغيير نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي طوى شهره الأول، حيث اتخذت المصارف احتياطاتها لمواجهة أي احتمالات لحدوث أزمة سيولة، بسبب ارتفاع الطلب على الأموال من طرف المودعين خلال الفترة الأخيرة. ويأتي ذلك وسط أنباء عن استعدادات مسؤولين ورجال أعمال لتهريب أموالهم إلى الخارج.
وأقدم بنك الجزائر المركزي على رفع نسبة الاحتياطي الإجباري للبنوك من 8 بالمائة إلى 12 بالمائة، حسبما جاء في تعليمات جديدة.

وأرجع البنك قراره، للاستقرار الذي تشهده السيولة المالية في السوق المحلية، بعد الانخفاضات المسجلة في 2015 و2016، بالتزامن مع أزمة هبوط أسعار النفط. والجزائر عضو في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، بمتوسط إنتاج يومي 1.1 مليون برميل، إذ يعد الخام مصدر الدخل الأبرز للبلاد.
وانتعشت السوق السوداء للعملات الأجنبية على وقع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في الشارع الجزائري، وسط توقعات بأزمة سيولة خانقة خلال الفترة المقبلة في حال تفجر الأوضاع وهروب مسؤولين ورجال أعمال بأموالهم سيقابله ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية، حيث قفز سعر صرف العملة الأميركية من 185 دينارا للدولار مطلع فبراير/ شباط الماضي، إلى 193 دينارا حاليا، أما بالنسبة للعملة الأوروبية الموحدة (اليورو)، فقد قفزت من 205 دنانير إلى 212 دينارا.

وحسب جريدة الخبر الجزائرية، عرض رئيس الوزراء المستقيل، أحمد أويحيى، فيلته المتواجدة بأعالي منطقة حيدرة للبيع، في الوقت الذي سارع رجال أعمال ومال محسوبون على النظام، الأيام الأخيرة، إلى عرض ممتلكاتهم العقارية للبيع، بعد أن تعذر عليهم التصرف في ممتلكاتهم العينية من شركات وأصول منقولة تخضع لإجراءات إدارية معقدة ومطولة. وفي المقابل، نفى أويحي في بيان أصدره أمس الثلاثاء، الأنباء التي ترددت حول بيعه فيلته الخاصة.
وبدأت البنوك في الجزائر، خاصة الأجنبية منها، في وضع خطة لتسيير المرحلة الحالية، وسط ترقب لتطورات حراك الشعب الجزائري، حيث اتخذت جملة من التدابير التي أرسلتها لفروعها، مع التشديد على عدم نشرها تفادياً لقلق المودعين.

ويكشف مصدر مسؤول في بنك "بي ان بي باريبا" الفرنسي أن "الإدارة المركزية أرسلت رسائل بريدية إلى فروعها تبلغهم بتعطيل دراسة ملفات القروض، وتسقيف فواتير المستوردين، كما طالبت الفروع بعدم بيع العملة الصعبة للمواطنين بطرق مفرطة، حسب ما جاء في الرسائل".
وأضاف المصدر نفسه، الذي فضل عدم ذكر اسمه، أن "هذه الخطوات جاءت كإجراءات احتياطية لحماية حجم السيولة تفاديا لسيناريو 2011، بعدما سحب الزبائن أموالهم بعد مظاهرات (الزيت والسكر) التي رافقت انطلاقة ثورات (الربيع العربي) في تونس ومصر".

ولم يكن تدخل البنك المركزي الأخير هو الوحيد من أجل الحفاظ على الاستقرار النقدي في البلاد بل سبقه قرارات أخرى وقت الأزمات السياسية والاقتصادية. وكان بنك الجزائر قد ألزم البنوك في مايو/ أيار 2016، على خلفية تقلصات جذرية في السيولة بفعل الأزمة النفطية، بتخفيض نسبة الاحتياطات الإجبارية للبنوك من 12 بالمائة إلى 8 بالمائة، وخلال شهر أغسطس/ آب 2017، تم تخفيض هذه النسبة من جديد من 8 بالمائة إلى 4 بالمائة.
وفي يناير/ كانون الثاني 2018، قرر بنك الجزائر رفع نسبة الاحتياطات الإجبارية من 4 بالمائة إلى 8 بالمائة، بعد انتعاش السيولة التي بلغت ما يعادل 10 مليارات دولار آنذاك.

ويقول الخبير في التعاملات المصرفية سليمان ناصر ياحي، لـ"العربي الجديد"، إن "المركزي الجزائري بدأ يتفاعل مع ارتفاع الطلب على السيولة في البنوك من طرف الزبائن والمودعين الذين يريدون سحب أموالهم خوفا من انزلاق الأوضاع الأمنية على خلفية التظاهرات الحالية، ولجأوا إلى تحويلها للعملة الصعبة في السوق السوداء أو الاحتفاظ بها نقدا في المنازل تحسبا لأي طارئ".
ويضيف ناصر ياحي أن "ارتفاع الطلب على الأموال تزامن مع تحرير الاستيراد، أي أن الطلب ارتفع بطريقة استثنائية في هذه المرحلة. وتعد نسبة الاحتياطات الإلزامية 12 بالمائة ضئيلة، إلا أن المركزي الجزائري لا يريد إحداث اضطرابات لدى المؤسسات البنكية".
وحسب تقارير رسمية، تعمل في الجزائر 29 مؤسسة بنكية، منها 7 بنوك عمومية (حكومية)، بالإضافة إلى بنوك عربية وأجنبية.

وسبق للجزائر أن عاشت أزمة نقص سيولة من العملة المحلية بعد ارتفاع الطلب على الدينار في البنوك، حيث سحب الجزائريون أموالهم خوفا من وصول حراك "الربيع العربي" إليهم وفضلوا تحويلها إلى العملات الصعبة، وقابل ذلك ضعف احتياطات البنك المركزي، ما أدى بالبنوك إلى تقييد ما يتم إخراجه من أرصدة العملاء وإلزام الموظفين باستخراج الرواتب على دفعتين آنذاك.
وفي السياق نفسه، قال مسؤول في بنك الجزائر للتنمية (بنك عمومي)، محمد بدر الدين، إن "قانون النقد الجزائري وإن كان يحدد سقف الاحتياطي الإلزامي للبنوك، إلا أنه ترك الحرية للبنوك في طريقة تسيير تدفق السيولة، وبالتالي يحق للبنوك اتخاذ ما تراه مناسبا لحماية سيولتها، سواء بتسقيف ما يتم إخراجه، أوعن طرق أخرى".

وأضاف المتحدث، لـ"العربي الجديد"، أن "حجم السيولة المتداولة حاليا مريح ولا يدعو للقلق، رغم أن الطلب يرتفع يوما بعد يوم، حسب التقارير التي تصلنا".
وتعيش الجزائر منذ 22 فبراير/ شباط الماضي على وقع حراك شعبي كبير مناهض لتمديد ولاية بوتفليقة الرئاسية الرابعة وتأجيل الانتخابات الرئاسية، وما زاد من قوة هذا الحراك، تمسك بوتفليقة بالبقاء في الحكم لعام آخر على الأقل رغم تعهده بعدم الترشح مجدّداً.

وعكس البنوك، تبقى مؤسسة مالية واحدة تصنع الاستثناء بجمودها، وهي بورصة الجزائر، التي لم تتحرك مؤشراتها منذ بداية حراك الشعب الجزائري في 22 فبراير/ شباط الماضي، ما جعل الأسئلة تحوم حول الجدوى من وجودها.
وتأسست بورصة الجزائر في مايو/ أيار 1993، وانطلقت أعمالها رسميا في مايو/ أيار 1997، وتم تأسيسها من طرف بنوك عمومية (حكومية) وشركات تأمين حكومية وخاصة.

ويرى الخبير المالي فرحات علي، أن "بورصة الجزائر ذهبت ضحية سوء تسيير الاقتصاد الجزائري غير المنتج المبني على عائدات النفط، كما أن الشركات في الجزائر تحدد قيمتها السوقية عوامل أخرى بعيدة عما هو متعارف عليه دوليا، إذ يمكن بمكالمة هاتفية أن تغلق مؤسسة مهما كانت كبيرة".
وأضاف المتحدث نفسه، لـ"العربي الجديد"، أن "نشاط البورصة اقتصر أخيراً على عمليات اكتتاب محدودة لبعض الشركات الجزائرية، بواقع اثنتين حكوميتين وثلاث شركات خاصة، موزعة على قطاعات صناعة الأدوية والفنادق والتأمينات والصناعات الغذائية والعصائر".

وصنف تقرير لصندوق النقد العربي، صدر في 2015، بورصة الجزائر ضمن الأضعف عربياً، بالنظر إلى عدد الشركات المدرجة فيها، وأيضا حجم التداول اليومي للأسهم والسندات.


المساهمون