الثورة التونسية... نجاح وفشل

22 يناير 2017
+ الخط -

تمرُّ هذه الأيّام الذكرى السادسة للثّورة التونسيَّة. ففي يوم الرابع عشر من يناير/ كانون الثاني من عام 2011. قرَّر الرئيس التونسي، زين العابدين بن علي، مغادرة البلاد بطريقة أشبه بالهروب من المصير المحتوم على يد الشعب التونسي الثائر يومها من أجل كرامته وكرامة الشاب الذي أحرق نفسه، محمد البوعزيزي. ليغسل عار الخوف والعقدة الأمنية لدى الشعوب العربية، وتشعل النيران التي أحرقت جسده تونس ومن بعدها عواصم عربية كبرى، ولم ينطفئ الحريق إلى يومنا هذا.

يومها، بلغَت الأحلام عِنان السماء، واستبشَر الجميعُ خيراً بعهدٍ جديدٍ تنالُ فيه الشعوب حقوقها، وتستردُّ كرامتها، وتنعم بحريّة طالما انتظرتها طوال سني الاستبداد والاستعباد. يومَها، حلمَ كل شاب تونسي بوظيفة تنتظره، وبمساواة مع الجميع، وأنّ لا فضل لأحد بعد اليوم على أحد، فالجميع باسم الثورة سواء.

كان الجميع، يومَها، يداً يسارية واحدة، وقلباً علمانياً مُوحَّداً، وعقيدةً إسلاميّة تجمع الجميع.
الحزب كان يومها حزباً تونسياً، والأيديولوجيا كانت هي الثورة فقط، والميدان كان يتسع للجميع. ثم جاءت الانتخابات الأولى التي أوصلت الترويكا بزعامة النهضة للحكم. إنّها أوّل حكومة بعد الثورة، فالمطلوب أن تكون على قدر المسؤوليّة والأحلام والطموح والآمال. من هنا، بدأت الأمور تأخذ مَجرىً آخر، ومن الواضح، أنّ هنالك مؤامرة تُحاكُ ضد الثورة التونسية، واغتيال شكري بلعيد أكبر دليل، على أنّه يُراد جَرّ التونسيين إلى سيناريو الثورات الأخرى.

لكن العقيدة التونسية التي تقوم، على أن الوطن قبل كل شيء، وأنه للجميع، كانت المنتصرة. فاستطاعَت الثورة التونسيَّة تجاوز الكبوة الأولى بعد اغتيال شكري بلعيد. استقالت حكومة الجبالي، لتفسح المجال للمشاركة الوطنية، ولجميع فصائل الثورة لقيادة البلاد وثورتها إلى برّ الأمان.

ولكن المؤامرة تواصلت، ومخطط ضرب الثورة في مقتل عاد من جديد، حين تم اغتيال قيادي معارض آخر هو محمد البراهمي. فكان لا بُدَّ من حوار وطني شامل من أجل الوطن أوَّلاً والثورة ثانياً، فكان للتونسيين ما أرادوا والخيبة لأعداء الثورة التونسية.

الرباعي الوطني بزعامة الاتِّحاد العام التونسي للشغل، الحاصِل على جائزة نوبل للسلام، وبعد رعايته الحوار الوطني بين الترويكا بزعامة النهضة، والمعارضة التونسيَّة بزعامة الجبهة الوطنية، والذي خرجَ بانتخابات رئاسيّة وتشريعيَّة، أعاد التونسيون خلالها انتخاب بعض من الوجوه القديمة للتجمع بزعامة، الباجي قايد السبسي، رئيس البلاد حالياً.

لم تسلم الثورة التونسيّة رغم سلميتها وما حققته من مكاسب، كالدستور الجديد التاريخي، والتوافق الوطني بين الأحزاب السياسية، ثم التحالف بين أكبر حزبين في البلاد النداء وحزب النهضة، لم تسلم من الإرهاب الذي يضرب بين تارة وأخرى في كلّ مُنطقة مُهدّداَ أمن التونسيين. من متحف باردو، إلى المنتجع السياحي بسوسة، إلى محاولة السيطرة على بن قردان على الحدود الليبية. وكل تلك الرسائل، كانت واضحة، أن هناك من يريد إفشال المكسب الثوري التونسي. مُمثّلاً في النموذج الديمقراطي الوليد في تونس، والفريد في المنطقة العربية والحرية التي يتمتع بها كل من يعيش في تونس ما بعد الثورة.

يمكن القول، إنّ الثورة لم تنجح حتى الآن في تحقيق مطالب الشباب التونسي الصانع الحقيقي للثورة المجيدة كالشغل والعدالة الاجتماعية. فمن يعش بين التونسيين اليوم، ويسِر في شوارع العاصمة، ويجلس بين التونسيين في المقاهي. وفي الأزقة والحواري فسيلحظ أن هناك غالبية من التونسيين غير راضية عن المسار الثوري، وعن ما حققته الثورة حتى الآن. وسيرَ إحباطاً لدى البعض، وانكساراً لدى آخرين، وسُخطاً كبيراً من غالبية الشباب التونسي الثائر.

الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الجميع، هو أنَّ الثورة التونسيَّة استطاعت أن تتجنَّب سيناريو الثورات الأخرى التي آلت إلى حروب أهلية وصراعات دولية، وتلك نقطة تحسب للتونسيين  ولثورتهم. وما لا يدرك كله لا يترك جله.

لكن لا يمكن لأي منظر أو محلل سياسي أن يتنبَّأ بالسيناريو الختامي للثورة التونسية، هل نجحت أم فشلت؟ هل تسير في الاتجاه الصحيح، أم أخمدت نيرانها؟ ولن نجد وصفاً أدقّ لها من وصف الفيلسوف الفرنسي، الكسي دي تشيفيل، للثورات عموماً حين قال: "الثورة مثلها مثل الرواية، أصعب جزء فيها كيفية إنهائها".