الثورات "الشريرة"

الثورات "الشريرة"

09 سبتمبر 2014
الصورة

خلال اعتصام في صنعاء (21 فبراير/2014/أ.ف.ب)

+ الخط -

بات مؤيدو الثورات العربية، بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها، في وضع حرج. فالصور الإيجابية التي رسموا مجرياتها في أذهانهم، كنتائج وإنجازات، تحوّلت إلى كوابيس، تتنافس التنظيمات الجهادية، وما تبقى من أنظمة عسكرتارية وفئوية، على صناعة أكثر سيناريوهاتها سوءاً.

ظاهر التفاؤل هذا، لم يكن أيديولوجياً فقط، يستند إلى تقاليد ثقافية تقيّم الحدث الثوري، انطلاقاً من التغيير الذي سيحدثه. المتفائلون أرادوا مصادرة الحدث نفسه، ترهينه بنتائج محددة، تعمل على قياس نجاحه أو عدمه. سؤال النتيجة لم يكن بريئاً، ولم يأت مرحلة من مسار تتابعي، بدأ لحظة خروج الناس ضد نظمهم المستبدة. وظيفة النتائج أن تبتلع الحدث، تعطّل عمله، وتضعه في موقع التشكيك والاتهام.

وقد اكتملت عناصر هذه الترسيمة الاستباقية، عند ربط النتائج المتوخّاة، من ديمقراطية وانتخابات وعدالة اجتماعية، بمساراتٍ إيجابيةٍ تجتنب العنف والفوضى، وتتوخى السبل السلمية. فغدا الحدث رهين مساراته، يستمد شرعيته مما سيحصل، وليس مما حصل. هذا التبدّل في الموقع القيمي للثورات، من الفعل إلى ما بعده، أفرز أيضاً، خللاً في تفسير التحولات المتوقع عبور الربيع بها.

ذاك أن السياقات الطبيعية، التي تُرسم، عادةً، للانتقال ببلد ما، من وضعية الثورة إلى فردوس الحكم الديمقراطي، لا يمكن اعتمادها في منطقتنا، بحكم الخريطة اللولبية لحركة التاريخ العربي. وهي حركة تختزن في داخلها مستويات متفاوتة، وأحياناً متضاربة، من النجاح والفشل، السلم والحرب، الانقلابات وبعض الحقب الديمقراطية. مما يحيل أي ترتيب زمني جاهز لحدث الثورات إلى خرافة، تستمد منطقها من مسارات التاريخ الأوروبي الحديث. مع العلم أن الأخير لا يشذ عن القاعدة اللولبية المذكورة، مع فارق معرفي تراكمي، ترك مساحة دائمة للعدول عن أي مسار ارتدادي، قد يبتلى به المجتمع.

ولعل تصنيم الحدث الثوري بربطه بنتائج إيجابيةٍ، لا تملك شروط تحققها، يتناقض، بشكل فاضح، مع طبيعة الحدث نفسها. إذ كيف يمكن أن تنطلق الثورات تلقائياً، بدون مركزية وطغيان عقائدي، ثم ترتدّ، للبحث عن نتائج ثابتة، تتنافى مع عناصرها البنيوية؟

تستبطن هذه المفارقة، في عمقها، تجريد الثورة من فاعليتها، وتجميدها في قالب النتائج المستحيلة، خصوصاً وأن التجميد يكتسب شرعيته من طبيعة النتائج المقترحة، الديمقراطية والعدالة والحقوق. هذه الأخيرة، مسارات متفاوتة ومتعرجة أيضاً، ويستحيل تأطيرها في مفاهيم ثابتة، تتموضع لاحقاً، كنتائج منتظرة.

يعني ذلك أن النتيجة التي وضعت مقياساً للحكم على الحدث المتمثل بالربيع العربي لا تقل صنمية عنه. مما يدخلنا في دوامةٍ من التصنيم والتصنيم المضاد، فالحدث ينتظر نتائجه، والنتائج تنتظر تطبيقها. وبين الانتظارين، تتسع مساحة أبلسة الثورات ووصفها بكل الشرور الممكنة.

واللافت أن مؤيدي الربيع لا يختلفون عن معارضيه، في اعتماد آلية التصنيم الحدثية – النتائجية، إذ رسموا، منذ اللحظة الأولى لخروج المظاهرات، سيناريوهات وردية مبالغاً بها، فأهملوا الحدث، ليحتفوا بالنتائج المستحيلة. النوايا الحسنة التي دفعت أنصار الثورات إلى ذلك، جرى ملاقاتها بنوايا خبيثة من معارضي الثورات الذين استخدموا النتائج لنقد الحدث، وتجريده من أي قيمة.

والحال، فإن الظواهر التي تلت حادثة البوعزيزي ليست مقدمات طبيعية، ليتم الحكم على نتائجها بتبسيط معرفي كليشهاتي. معادلة المقدمات والنتائج، تبدو ركيكة جداً، فيما يخص بلداننا التي تشترك في إنتاج مقدمات أحداثها أسباب متضاربة وعوامل متفاوتة التأثير، تجعل الحكم على النتائج مجرد مزحةٍ سمجة، لا تمت إلى المعرفة بصلة.

من المرجح أن يواصل رافضو الثورات تصنيف "داعش" والطائفية والعنف، كنتائح للربيع العربي، ومن المرجح، أيضاً، أن يفتقر مؤيدو الثورات إلى الذكاء الكافي، ليشاركوا خصومهم هذا التصنيف. لكن، ليس من زاوية نقد الحدث، وإنما من زاوية إثباته. ذاك أن الشرور دليل على صحة الحدث، خصوصاً إذ انطوى على عناصر متفاوتة، ساهمت في صنعه، كحال الثورات العربية.