البهلوان ومحامي الإمبراطورية

03 أكتوبر 2018
الصورة
+ الخط -
عُرضت، في مطلع العام 1857 رواية "مدام بوفاري" أمام محكمة جُنح باريس، دليلًا على التهمة الأخلاقية ضد كاتبها غوستاف فلوبير، وتولّى محامي الإمبراطورية الفرنسية، إرنست بينار، عرض الاتهام على النيابة العامة، مستلهمًا "الأخلاقيات المسيحية" لدرء الفتنة التي تبشّر بها الرواية. مُصرحًا بأن ما يثير العجب في شخصية مدام بوفاري أن مؤلفها جعلها "شهوانيةً يوماً ومتدينةً في اليوم التالي"، فليس ثمّة امرأة في العالم "تتمتم لله بتنهدات الزنى التي تصعدها نحو العشيق"، إذ أقحم المؤلف عبارات الزنى في "معبد الله". وسرعان ما صاغ "محامي الإمبراطورية" قرارًا: "أؤكد أن رواية مدام بوفاري ليست أخلاقية إذا واجهناها من الناحية الفلسفية. لا شك أن مدام بوفاري ماتت بالتسمّم، ومن الحق أنها قاست كثيرًا، لكنها ماتت في اليوم والساعة المقدّرين لها. لم تمت لأنها زانية، بل لأنها أرادت أن تموت، وقد ماتت في عنفوان شبابها وجمالها. ماتت بعدما كان لها عشيقان تاركة زوجها يحبها ويعبدها". ثم إنه لا توجد في الكتاب بأكمله "شخصيةٌ واحدةٌ تستطيع أن تدينها"، "شخصية واحدة يمكن أن تحملها على أن تطأطئ الرأس، وإذا لم تكن هنالك فكرة أو سطر يمكن أن يسفّه الزنى، فإنني أكون على حق ويكون الكتاب ضد الأخلاق".
لكننا لا نورد هذا الحدث، لنتحدّث عن فلوبير أو عن روايته ومنعها، إنما لنسوق مديحًا لمحامي الإمبراطورية ها هنا؛ فمرافعته هذه تدلّ أن الرجل قد قرأ الرواية، بل وعلى استعدادٍ أن يثبت وجهة نظره السلطوية، من خلال نقد الرواية، أي من خلال النص نفسه. ولنتذكّر ذلك جيّدًا لدى الحديث عن حادثة منع ورقابة بعد أكثر من مائة وخمسين عامًا، في عالم مفتوح الفضاء، وتنتقل المعرفة فيه بسرعة الملائكة من هنا إلى هناك، ففي معرض الكتاب المقام حاليًا في
عمّان، منعت سلطة المعرض (وليست الدولة، كما عودتنا!) روايتين؛ "يولا وأخواته" لراجي بطحيش و"جريمة في رام الله" لعباد يحيى. وحينما سئل رئيس اتّحاد الناشرين العرب ومدير المعرض عن سبب المنع، أجاب، بعد تعنّت، بالقول بنفسٍ ملؤه التهديد: "أنا رئيس الاتّحاد ومدير المعرض. وبعد الاطّلاع على الكتابين، قرّرنا التحفّظ؛ لمجموعة من الأسباب؛ أنا غير مضطرّ إلى تقديم رؤية نقديّة لما قرأناه في الكتابين، في المعرض بين مئتَي ألف عنوان وثلاثمئة ألف، تحفّظنا على هذين الكتابين، وقد نتحفّظ على كتب أخرى".
ثمّة حاجة للمقارنة هنا بين الرقابة في القرن الثامن عشر، والرقابة في عصر الحريات والثورات، فبينما يستطيع محامي الإمبراطورية أن يمارس قمعًا ومنعًا ورقابة بالنقد، ثمّة آخر لا يرى وجوبًا له، أو داعيًا. هو ببساطة مرض السلطة، ولكن هذه المرة مصابنا فيها جلل، فالقامع هنا هو مدير معرض الكتاب ورئيس اتحاد الناشرين العرب، وصاحب دار نشر، أي أنه من العاملين في القطاع الثقافي، ولم تمسّه الثقافة في قيمتها الأعلى، وهي "الحرية"، بشيء!
يذكّر هذا الأمر بحدث سرديٍ، ففي إلياذة هوميروس، يقترب أوديسوس بسفينته من جزيرة الحوريات اللائي يغنين، فيفتنّ من يسمعهن، ليسقْنه إلى حتفه، فما كان من أوديسوس إلا أن أمر رجاله بسدِّ آذانهم بالشمع، ليحميهم من غوايةٍ لا يدري بأمرها إلا هو. أتُراه هذا ما قصده مدير المعرض حينما أمر بمنع الروايتين، من دون أن نستحق في نظره ردًا نقديًا، على الأقل، أم أن الأمر مجرد تنافس بين تجاري دور نشر، لا أكثر لا أقل، إنما وقعت السلطة في يد محظوظٍ، له أن يضرب بها كيف يشاء، متماهيًا مع أنظمةٍ عربيةٍ عاشت ما يزيد عن عمره توهِمُنا بأنها من يحمينا من الموت ويحرّرنا و.. و.. فقط لتشتري لنفسها نشيدًا وطنيًا وتصفيقا؟!
ولتوسيع أفق الحدث ولو قليلًا، علَّنا ننزع عن إدارة المعرض ما سدَّت به أذنيها، يلحظ أي 
مراقبٍ للساحة الثقافية أن عمّان تنمو بشكلٍ مضطرد، فالحواضر حولها أصابها ما أصابها من حروب وأزمات سياسية وغيرها، ما قيَّدها وسجنها؛ كالقاهرة، وبيروت، ودمشق، وبغداد، أي أن الزخم الثقافي وحوار الشباب العربي مع واقعه، والذي ولّدته الثورات، ولا تزال، سيجد متنفسًا له في عمّان المصابة بالتعدّدية (المقيّدة) التي سترفد هذا الزخم. ولا أدلّ على ذلك من تحول معرض الكتاب نفسه من حدثٍ يقام كل سنتين إلى حدث سنويٍ، لتتزايد دور النشر فيه. بجانب علامات مجتمعيّة أخرى؛ كتزايد عدد نوادي القراءة والمجموعات الثقافية الشعرية والسينمائية والفنية، والمكتبات والمقاهي والمراكز الثقافية والتنموية، والأمسيات والأنشطة الثقافية والفنية، والمبادرات المجتمعية ذات النفس الفكري والثقافي، وغير ذلك، في مدينةٍ كان يقال عنها تندرًا: "إذا لم تكن جائعًا في عمّان، فلن تجد ما تفعله"، في خضم هذا النمو، يخرج علينا من هو في موقع يسمح له من دون جهد، من أي نوع، ولا حتى "نقدي"، ليقول لنا ما قاله لنا مدير المعرض!
ثمة مقولة عبقرية في رواية عبد الرحمن منيف الخالدة "الآن هنا": "أنا مع الإنسان ضد الغول والصنم والبهلوان"، فأمّا الصنم، فكلنا نعلمه، وكذا الغول، وما توحّش الغيلان إلا دلالة على رعب الأصنام، فماذا عن البهلوان، وهو لا يستطيع أن يصبح صنمًا في زمن الثورة، ولا ملك أنيابًا كالغيلان في عصر المعرفة والنقد؟ النقد؟

دلالات