الانتخابات الإسرائيلية (13): قراءة في النتائج والسيناريوهات المحتملة للحكومة

19 سبتمبر 2019
الصورة
نتنياهو مستعد لتقديم تنازلات للهروب من اتهامه(مناحيم كهانا/فرانس برس)
أشار فرز أكثر من 90 في المائة من الأصوات الصحيحة في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت أمس الأول الثلاثاء، إلى حالة قريبة جداً من التعادل في قوة الحزبين الكبيرين، "الليكود" برئاسة بنيامين نتنياهو الذي حصل للآن على 31 مقعداً، و"كاحول لفان" برئاسة الجنرال بني غانتس (وحصل حالياً على 32 مقعداً) مع احتمالات بأن تتبدل الصورة أو تصل إلى حالة التعادل المطلق مع فرز ما تبقى من أصوات تُقدّر بنحو 400 ألف صوت تشمل أصوات الجنود والمرضى والمعوقين وأعضاء السلك الدبلوماسي والسجناء.

لكن مقابل هذه الحالة من التعادل، أظهرت النتائج قبل كل شيء فشل بنيامين نتنياهو في الحفاظ على قوة "الليكود" التي كان فاز بها في انتخابات إبريل/نيسان الماضي، إذ تراجع من 35 مقعداً آنذاك، إلى 31 مقعداً حالياً بحسب النتائج الأولية، والأهم من ذلك تراجع قوة المعسكر المؤيد له والمكون من حزبه وحزبي الحريديم (شاس ويهدوت هتوراة) و"يمينا" من 60 مقعداً في انتخابات إبريل إلى 55 مقعداً بحسب نتائج الأمس.
في المقابل، تراجعت أيضاً قوة حزب "كاحول لفان" من 35 مقعداً إلى 32، كما أصبحت قوة معسكر "كاحول لفان" الذي يضم أيضاً تحالف حزب العمل-غيشر والمعسكر الديمقراطي، 43 مقعداً، فيما استعادت الأحزاب العربية قوتها بعد إعادة تشكيل القائمة المشتركة لتحصل على 13 مقعداً.

ومع ما يبدو أنه نجاح لأفيغدور ليبرمان، الذي عزز قوته بشكل مضاعف تقريباً من 5 مقاعد إلى تسعة، تبدو سيناريوهات تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل شائكة ومرهونة باتخاذ خصوم نتنياهو من المعسكر الآخر قرارات تناقض تعهداتهم الانتخابية، خصوصاً تعهد حزب "كاحول لفان" بعدم الدخول في حكومة مشتركة برئاسة نتنياهو بفعل ملفات الفساد التي تلاحقه، وذلك مع اقتراب موعد قرار المستشار القضائي للحكومة بشأن تقديم لائحة اتهام ضده.

وعلى الرغم من ذلك فإن نتائج الانتخابات الأولية، تتيح الحديث عن عدة سيناريوهات أساسية محتملة لشكل الحكومة المقبلة.
السيناريو الأول: حكومة يمين مع الحريديم ومع ليبرمان، وهو سيناريو قد يكون آخر ما يرغب به نتنياهو في ظل النتائج الحالية، والذي يمكن أن يجنّب نتنياهو (إذا تمكن من التوصل إلى تسوية بين الحريديم وليبرمان، مثل تعهد بوقف تشريعات في مجال الدين والدولة، وموافقة الحريديم على شروط تتصل بقانون التجنيد) تقديم لائحة اتهام ضده بفعل سعي نتنياهو إلى استغلال قانون الحصانة الحالي وإلزام أعضاء الائتلاف بمنحه حصانة كاملة، أو تعديل القانون ليمنع تقديم نتنياهو للمحاكمة ما دام رئيساً للحكومة. ومع أن هذا السيناريو يبدو بعيداً إلا أن فرصه تبقى متوسطة ومحتملة في حال تعثّرت سيناريوهات أخرى.

لكن قبل الوصول إلى هذا السيناريو أو غيره، يتعيّن على نتنياهو أن يحظى بترشيح أكبر عدد من نواب الكنيست لدى رئيس الدولة لتكليفه بهذه المهمة، وهو العائق الأول الآن، في ظل إعلان ليبرمان أنه قد لا يرشح أياً من المرشحين، لأنه يفضّل تشكيل حكومة وحدة وطنية علمانية تجمع بين حزبه وبين حزب "كاحول لفان" و"الليكود".
ويشكّل هذا الخيار السيناريو الثاني المحتمل، وهو مرهون بتراجع الجنرال بني غانتس عن تعهداته الانتخابية بشأن عدم الجلوس في حكومة مع نتنياهو بفعل شبهات الفساد. لكن المراقبين لاحظوا أن غانتس تجاهل في خطابه فجر أمس الأربعاء هذا الموضوع، وتحدث عن عزمه السعي لتشكيل حكومة وحدة وطنية قوية، ما اعتبره البعض إشارة إلى إمكانية القبول بسيناريو من هذا النوع إلى حين صدور قرار المستشار القضائي بشأن ملفات الفساد.

السيناريو الثالث الذي ردده بعض المراقبين، هو تشكيل حكومة وحدة تجمع بين "الليكود" وشركائه من الحريديم وحزب "يمينا" مع حزب "كاحول لفان"، من دون حزب ليبرمان. إلا أن زعيم "أغودات يسرائيل"، يعقوب ليتسمان، أعلن مسبقاً أن حزبه لن يشارك في حكومة مع حزب "ييش عتيد" بقيادة يئير لبيد، وهو أحد مكونات تحالف "كاحول لفان".
أما السيناريو الرابع وهو الأقل فرصاً، فهو أن يصل نتنياهو إلى تفاهمات مع زعيم حزب العمل-غيشر، عمير بيرتس، الذي حصل على 6 مقاعد، للوصول إلى ائتلاف يتمتع بأغلبية 61 مقعداً.


كل هذه السيناريوهات مرهونة عملياً بأن يحصل نتنياهو على تكليف من رئيس الدولة، رؤبين ريفلين، في حال تمكّن من تجنيد أغلبية 61 نائباً يرشحونه عند رئيس الدولة لهذه الغاية. لكن في ظل موازين القوى المذكورة، وتصريحات ليبرمان أعلاه، واستبعاد أن ينضم ليبرمان بمقاعده التسعة إلى ترشيح غانتس، سوية مع ترشيح محتمل لغانتس من القائمة المشتركة للأحزاب العربية، فإن أياً من نتنياهو وغانتس لا يملك حاليا ترشيحاً من 61 نائباً.
في هذه الحالة تزداد جملة الخيارات ومجال المناورة لدى ريفلين. وبمقدور الأخير في مثل هذه الحالة وبعد التشاور مع زعماء الأحزاب، أن يجمع كلاً من نتنياهو وغانتس، ويطلب إليهما التوصل إلى حكومة وحدة وطنية، على غرار ما حدث عام 1984 عندما فرض رئيس الدولة الإسرائيلي، حاييم هرتسوغ في حينه على زعيم "الليكود"، يتسحاق شمير، وزعيم حزب "العمل"، شمعون بيرس، تشكيل حكومة وطنية بفعل التعادل بين الحزبين الكبيرين وعدم توفر أغلبية 61 صوتاً لأي من المرشحين.

وبما يتعدى مسألة تشكيل الحكومة والسيناريوهات المستقبلية، في ظل تخوّف من دخول إسرائيل أزمة سياسية إذا تعذر تشكيل حكومة جديدة، فقد أعلن الرئيس الإسرائيلي أنه سيبذل جهده لمنع الذهاب إلى انتخابات جديدة ثالثة في أقل من عام، وهو ما قد يوفر لقادة الأحزاب، سواء زعيم "كاحول لفان"، بني غانتس، أو زعماء أحزاب الحريديم وحتى أفيغدور ليبرمان، سلماً للنزول عن الشجرة التي صعدوها عندما أعلنوا خلال المعركة الانتخابية عن خطوط حمراء لن يتجاوزوها بعد الانتخابات عند سعيهم لتشكيل حكومة مقبلة. فقد يتراجع هؤلاء، بحجة الأوضاع الأمنية والتحديات الاقتصادية التي تواجهها إسرائيل عن شروط مسبقة، مثل شرط ليبرمان عدم الدخول في حكومة مع الحريديم، أو شرط حزب "أغودات يسرائيل" عدم تشكيل حكومة وحدة وطنية بمشاركة حزب "ييش عتيد" وزعيمه يئير لبيد. وقد ذهب في هذا السياق المحلل بن كاسبيت، في صحيفة "معاريف"، إلى أن نتنياهو في حالة مستعد فيها لتقديم كل تنازل مقابل الفرار من لائحة اتهام، ويقبل بمنح زعيم حزب العمل-غيشر كل ما يطلبه مقابل تشكيل حكومة. وعلى الرغم من ضعف سيناريو كهذا، إلا أن كل شيء بات ممكناً في السياسة الإسرائيلية، وبالتالي لا يزال مبكراً حتى الآن الحديث عن نهاية عهد نتنياهو بشكل قاطع. وبالتأسيس على ذلك، فإنه يمكن القول إن نتنياهو قد يصل إلى تفاهم يفرض خلاله على الحريديم التراجع عن شروطهم المعلنة لضمان بقائهم شركاء في حكومة وحدة وطنية مع "كاحول لفان"، وتخييرهم بين مشاركة مع لبيد وبين حكومة ثنائية تجمع بين "الليكود" و"كاحول لفان" وليبرمان وإبقائهم في المعارضة، وهو ما سيكون كابوساً بالنسبة لهم يدفعهم لتقديم تنازلات كبيرة للبقاء في الحكم.
كل هذه السيناريوهات، تبدو على انفراد ومن دون السياق العام ضعيفة الاحتمالات، لكنها تصبح معقولة إذا ما تم النظر إلى كل منها مقارنة بباقي السيناريوهات، مما يجعل احتمالات تقديم التنازلات وارداً لتفادي الذهاب إلى انتخابات جديدة.