الإضراب يشل تونس: كرة الغضب تكبر والحكومة تتفرج

تونس
إيمان الحامدي
18 يناير 2019

ذهب التونسيون أمس الخميس، طوعاً إلى مقرات الاتحاد العام التونسي للشغل في العاصمة ومختلف محافظات البلاد تعبيراً عن تضامنهم التام مع منظمتهم النقابية، منادين بالتشغيل والحرية والكرامة الوطنية، فيما تتجه الأنظار نحو القرارات الجديدة التي ستعلن عنها النقابة عقب انعقاد هيئتها الإدارية المزمع غداً السبت.

أمام المقر المركزي لاتحاد الشغل، بساحة محمد علي في قلب العاصمة، رفع المحتجون شعارات غاضبة منها "الزيادة في الشهرية حق موش مزية (منة)" و"الشعب يريد عدالة جبائية" وغيرها من الشعارات، ما كشف حجم الأزمة الاجتماعية التي تعاني منها البلاد.

شعارات عديدة روت حال التونسيين ووشت بصعوبة الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي قاد إلى تنفيذ إضراب عام هو الثاني من نوعه في غضون أقل من شهرين بعد أن تعذر على الحكومة والنقابات التوصل إلى اتفاق بشأن الزيادة في رواتب 670 ألف موظف في القطاع الحكومي.

وعبر النقابيون والموظفون الذين توجهوا إلى مقرات الاتحاد المركزية والجهوية داخل البلاد عن مساندتهم التامة لقرار الإضراب رافعين شعار "ارحل " في وجه الحكومة.

نسبة المشاركة في الإضراب العام في كامل جهات البلاد بلغت 100 % بحسب أرقام كشف عنها الاتحاد الذي دعا الموظفين إلى الاحتشاد لمواصلة معركة ما وصفه بتحرير "القرار السيادي الوطني" من قبضة صندوق النقد الدولي.

الأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي، الذي توجه بكلمة لجموع المحتجين، دعا موظفي القطاع الحكومي إلى الاستنفار من أجل الدفاع عن مكتسباتهم وحقوقهم الاجتماعية.

وقال القيادي النقابي إن الاتحاد ماض في الدفاع على مكاسب التونسيين والتصدي لإملاءات صندوق النقد الدولي، الذي أمر الحكومة بحجب الزيادات عن 670 ألف موظف والتفويت (بيع) في المؤسسات الحكومية.

وأكد الطبوبي أن خيارات الدولة أنهكت التونسيين وتسببت في إفقارهم، وإحباط الموظفين الذين كانوا عماد الإدارة التونسية أيام الثورة.

وطلب الأمين العام من الموظفين والنقابيين، التهيؤ لتصحيح المسار وإحياء المد الثوري الذي قال إنه سيتواصل مهما كانت الكلفة.

ووعد الطبوبي الشغالين بكسر كل الحواجز من أجل تحقيق مطالبهم بـ"الشغل والحرية والكرامة الوطنية" والتصدي للقرارات القادمة من وراء البحار، حسب قوله.

وتوجه المسؤول النقابي الأول برسالة إلى الحكومة مفادها أن كل من يتصدى للاتحاد سيخسر المعركة قائلاً: "اتحاد الشغل صخرة سينكسر عليها كل من يحاول ضربه".

شلل النقل

غير بعيد عن ساحة التجمع المركزية أمام مقر اتحاد الشغل، بدت وتيرة الحركة التجارية وسط العاصمة بطيئة، بعد أن اختفت وسائل النقل العام عن الأنظار، رغم محاولات شركات النقل ضمان حدّ أدنى من رحلات الحافلات والقطارات والمترو، فيما أعلنت الخطوط الجوية التونسية إلغاء 16 رحلة وتأجيلها إلى ما بعد الإضراب العام.

انخرطت أمس، كافة مؤسسات النقل الحكومية في الإضراب العام الذي دعا إليه الاتحاد العام التونسي للشغل، حيث شلت في العاصمة تونس حركة النقل بشكل شبه تام.

ورغم إعلان شركات النقل ليلة الإضراب عن تسيير الحد الأدنى من رحلات المترو والقطارات والحافلات، إلا أن موظفي هذه الشركات لم يمتثلوا إلى أوامر المؤسسات والتزموا بتنفيذ الإضراب بشكل كامل.

قطارات الخطوط البعيدة الرابطة بين المحافظات وقطارات ضواحي العاصمة ونقل البضائع توقفت أيضاً، كما علّق موظفو الشبابيك في المحطات عملهم.

فيما تم تسيير العمل في ميناء حلق الوادي بقرار حكومي لتأمين وصول باخرة المسافرين التي رست ظهر أمس.

الإضراب العام تسبب في شلل كلي لحركة البضائع بالميناء حيث توقفت العمليات بسبب إضراب أعوان الشركة التونسية للشحن والترصيف مقابل تأمين كل من المصالح الديوانية والشرطة للعمل اليومي.

وتمثل نقابات مؤسسات النقل أهم النقابات العمالية المنضوية تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل وأكثرها التزاماً في تنفيذ الاحتجاجات التي تدعو إليها المركزية النقابية، ما يجعل هذه الأخيرة تراهن على هذا الثقل النقابي لإنجاح كافة المحطات النضالية التي دعت إليها.

فشل تعطيل الإضراب

ورغم إصدار رئيس الحكومة يوسف الشاهد قراراً، مساء أول من أمس، بتخصيص موظفين للعمل في 64 مؤسسة حكومية تشمل النقل البري والجوي والبحري والسكك الحديدية ووزارات الداخلية والتجهيز، إلا أن أغلب الموظفين لم يمتثلوا للقرارات ما حال دون تسيير رحلات النقل.

وقال الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل محمد علي البوغديري إن "المحاولات التي سعت الحكومة إلى فرضها لإفشال الإضراب العام فشلت"، مؤكداً أن الإضراب نفّذ بنسبة 100% وأن كل الموظفين بكامل المحافظات لبوا نداء اتحاد الشغل وأيدوا قراراته.

وأضاف في تصريح لـ"العربي الجديد" أن التفاف الموظفين حول نقابتهم أحبط الخطة الحكومية لضرب حق الإضراب الدستوري مؤكداً على أن النقابات القطاعية اتخذت كل التدابير لتسيير المرافق الحياتية في القطاعات الحساسة على غرار الصحة والكهرباء والماء.

وأفاد البوغديري أن النقابة ستقاضي حكومة الشاهد بسبب إصدارها أمراً يقضي بتسخير عدد من الأعوان التابعين لبعض الوزارات والمؤسسات والمنشآت العمومية بمناسبة الإضراب العام، واصفاً قرار التسخير بـ"غير القانوني".

وأوضح المسؤول النقابي أن المادة 389 من مجلة الشغل تفرض أن يكون قرار التسخير متبوعاً بأمر يضبط المصالح الأساسية مشيراً إلى أن هذه المادة تقضي بوجوب إعلام الأعوان المسخرين قبل 48 ساعة بصفة مباشرة عن طريق أعوان الضابطة العدلية وهذا لم يحصل، وتبعاً لذلك يُعتبر قرار التسخير باطلاً وغير شرعي.

رفض زيادة الأجور

رئيس الحكومة يوسف الشاهد، أعلن، في خطاب توجه به إلى التونسيين ليلة الإضراب العام المزمع، مؤكداً أن حكومته ستدعو النقابات إلى الحوار مجدداً عقب الإضراب.

وأكد الشاهد أن حكومته فضلت الخيار الصعب برفض صرف زيادات تفوق القدرات المالية للبلاد، مشيراً إلى أن الحكومة لا تريد أن تتحمل الأجيال القادمة ضريبة خيارات "فاشلة".

وأضاف أن ضعف نسب النمو التي سجلتها تونس في السنوات الماضية، لا يتيح زيادة في الرواتب مشيراً إلى أن الزيادة في ظل توقف محركات النمو ساهمت في زيادة نسب التضخم وانزلاق حاد في سعر الدينار ما انعكس سلباً على حياة التونسيين وقدرتهم على الإنفاق بحسب قوله. واعتبر أن قدر الحكومة واتحاد الشغل أن يلتقيا مجدداً للتفاوض من أجل إرساء سلم اجتماعي.

وبحسب بيانات معهد الإحصاء الحكومي بلغت نسبة التضخم في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي 7.5 %، وقفزت في الفترة ما بين 2016 و2018 من 4.6 % إلى 7.5 % حالياً.

وأكد وزير المالية رضا شلغوم أن الحكومة جاهزة لصرف زيادات في حدود 600 مليون دينار (200 مليون دولار) تم تعبئتها من أجل الاستجابة لمطالب النقابات غير أنها لا تستطيع التعهد بتعبئة موارد تفوق 800 مليون دينار (267 مليون دولار).

وقال إن كلفة الزيادة العامة التي تقدر الحكومة على توفيرها عامي 2019 و2020 تبلغ 1400 مليون دينار ما يرفع كتلة الأجور من 16.5 مليار دينار (5.5 مليارات دولار) هذا العام إلى 17.2 مليار دينار (5.7 مليارات دولار) العام القادم، مشيراً إلى أن المبلغ الإجمالي للزيادة المقترح يسمح للموظفين بالحصول على زيادة إجمالية في حدود 180 ديناراً (60 دولاراً) تصرف على قسطين بعنوان 2019 و2020.

وحسب المسؤول الحكومي فإن كل زيادة تفوق قدرات الحكومة ستدفع إلى التداين الخارجي وتمنع تحقيق أهداف الحكومة بحصر نسبة عجز الموازنة في حدود 3.9 %.

وتتعرض تونس لضغوط قوية من صندوق النقد الدولي لتجميد الأجور في القطاع العام للمساعدة في الحد من عجز الميزانية في البلاد.

وقبل المضي نحو الإضراب العام رفض الاتحاد مقترحاً تقدمت به الحكومة يقضي بزيادة 70 ديناراً (23.4 دولاراً) في 2019، و110 دنانير (36.7 دولاراً) في 2020، بداعي ارتفاع نسبة التضخم التي تبلغ 7.5 في المائة في 2018.

الخبير الاقتصادي والمالي صادق جبنون قال في تصريح لـ"العربي الجديد" إن نجاح الإضراب كشف حجم الحضور اتحاد الشغل في الشارع التونسي مؤكداً على ضرورة تهييئ الحكومة لمرحلة ما بعد الإضراب العام.

وأشار جبنون إلى أن الأزمة في تونس اجتماعية بامتياز معتبراً أن السياسات الاقتصادية والمالية هي التي تسبب في ارتفاع نسبة التضخم وانزلاق الدينار.

وأضاف أن الزيادات في الرواتب لم تتسبب في زيادة التضخم لأنها تظل دون نسبة 7.5 % ودون نسبة تآكل العملة محملاً البنك المركزي التونسي مسؤولية تدهور قيمة العملة المحلية أمام اليورو والدولار.

واعتبر الخبير المالي أن الحكومة ستنتهي إلى صرف زيادات مالية مباشرة للموظفين، خاصة بعد دعوة اتحاد الشغل إلى التصعيد وإعلانه عن قرارات جديدة، داعياً إلى مراجعة السياسات الاقتصادية العامة لتخفيض منسوب الاحتقان الاجتماعي الذي كشفه الإضراب العام، وفق رأيه.

شظايا الإضراب

ورغم أن القطاع الخاص عجّل منذ شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بتوقيع اتفاق أجرائه البالغ عددهم نحو 1.5 مليون تونسي، إلا أن شظايا إضراب الخميس طاولت جل أنشطته.

وعبر الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة رجال الأعمال) عن انشغاله الكبير لتواصل المصاعب الاقتصادية التي تواجهها البلاد، معتبراً أن تجاوز هذه المصاعب يتطلب تضافر جهود كل الفئات والقوى الوطنية، والانطلاق في تنفيذ برنامج الإصلاحات التي تحتاجها البلاد، ورد الاعتبار لقيم العمل والاجتهاد والمبادرة.

ودعا إلى استئناف الحوار بين الحكومة واتحاد الشغل في أقرب وقت بهدف التوصل إلى اتفاق يراعي مصالح الطرفين، ويسهم في الحفاظ على السلم الاجتماعي.

وتحتاج حكومة الشاهد التي ستلتقي مع الاتحاد في جولات مفاوضات قادمة إلى تقديم عروض جديدة، وتحسين ظروف عيش نحو ربع التونسيين الذين يعملون في القطاع الحكومي بهدف فرض سلم اجتماعي يسهّل ذهاب البلاد نحو الانتخابات التشريعية الرئاسية القادمة في أجواء أقل احتقاناً.
تعليق:

ذات صلة

الصورة
ندوة للمركز العربي للأبحاث حول تونس (العربي الجديد)

سياسة

بحث "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، فرع تونس، موضوع أي دولة لتونس الثورة تحت عنوان "تونس بين أزمة الدبلوماسية ودبلوماسية الأزمة"، بحضور باحثين ودبلوماسيين سابقين ووجوه سياسية.
الصورة
عبد الكريم الهاروني-سياسة-العربي الجديد

سياسة


أكد رئيس مجلس شورى حركة النهضة، عبد الكريم الهاروني، في تصريح لـ"العربي الجديد"، اليوم الإثنين، أن مجلس شورى النهضة قرر مواصلة دعم حكومة إلياس الفخفاخ، ولكن هذا الدعم مشروط بما ستفرزه المؤسسات المتعهدة بالتحقيق في شبهة تضارب المصالح وشبهة الفساد.
الصورة
الفخفاخ/سياسة

سياسة

تتزايد الضغوط على الحكومة التونسية التي يرأسها إلياس الفخفاخ، حيث وصلت إلى حد المطالبة باستقالته، خلال الجلسة البرلمانية التي خصصت لتقييم الحكومة بعد 100 يوم من بدء عملها، والتي استمرت حتى ساعات الفجر الأولى من اليوم الجمعة.
الصورة
اشتباكات بين الأمن ومحتجين في تطاوين التونسية (فيسبوك)

مجتمع

أغلقت المحال التجارية وتعطلت المرافق العامة، اليوم الاثنين، في محافظة تطاوين جنوب غربي تونس، استجابة للدعوة إلى الإضراب العام التي أقرها الاتحاد الجهوي للشغل احتجاجاً على سجن معتصمين داهمت الشرطة خيامهم، واعتقلت نحو 10 أفراد منهم.