الإخوان المسلمون والثورة السورية

18 اغسطس 2017
+ الخط -
يتحمّل الإخوان المسلمون قسطا أساسيا من مسؤولية الفشل الذي وصلت إليه الثورة السورية، بل هناك من يحمّلهم القسم الرئيسي، ويعتبر أنهم تصدّروا الواجهة، من دون أن يرتقوا إلى مقام الثورة باعتبارها مشروعا تاريخيا.
وحين يجري التطرّق إلى موقف "الإخوان" اليوم، يتم التوقف عند ثلاث محطات مفصلية. تتمثل الأولى في الرهان عليهم في بداية الثورة لتشكيل قطب إسلامي معتدل، وخصوصا في عامي 2011 و2012، حين بدأت الجيوب الإسلامية الأصولية بالتشكل، والتي تطورت لاحقا إلى تنظيمي داعش وجبهة النصرة.
كان الأمل معقودا على الإخوان المسلمين من أجل قطع الطريق على التطرّف الأصولي الذي أخذ يستشري في الساحة السورية بسرعة، ويعبّر عن نفسه من خلال تشكيل كتائب إسلامية مسلحة، الأمر الذي سمح لأطراف خارجية بالتسلل إلى الثورة من الأبواب الخلفية. وسبب هذا الرهان أن "الإخوان" كانوا قبل الثورة قد أجروا مراجعةً لتجربة الثمانينات المأساوية، وقدّموا أنفسهم حركة تنبذ العنف وتحتكم إلى الديموقراطية، وتؤمن بالتعدّدية والانتقال السياسي السلمي.
ربما حاول "الإخوان" الوقوف أمام مهمة احتواء موجات التطرّف والشرذمة الإسلامية، ولكن معاينة دقيقة لمجريات الموقف في ذروة التشكيلات الإسلامية العسكرية في عام 2013، والتي تجاوزت مائة، لا توحي بذلك، بل هناك من يعتبر أن مواقف "الإخوان" الضبابية شكلت مولدا لفلتان الساحة السورية، وولادة الدكاكين تحت مسمياتٍ إسلامية، وبداية ظاهرة أمراء الحرب في مطلع عام 2013 تحت راية الإسلام.
على العموم، كان على الإخوان المسلمين المبادرة للوقوف في وجه الطفح الأصولي، ليس من أجل المصلحة الوطنية فقط، بل من أجل تمييز أنفسهم عن الموجة الأصولية العارمة، لا سيما وأن هناك من حسب الكتائب والرايات السوداء على الإسلام، وأن أصحابها تأثروا بالأطروحات الفكرية لـ "الإخوان"، ولديهم المرجعيات نفسها.
تتمثل المحطة الثانية في الدور الذي لعبه الإخوان المسلمون على صعيد حرف بوصلة الثورة، فهم وضعوا ثقلهم، منذ الأسابيع الأولى، من أجل صبغ الثورة بصبغةٍ إسلامية، وتجلى ذلك من خلال إطلاق أسماء الجمع، فبعد أن كان الحراك يركّز على الحرية والسلمية والمدنية، جاءت مسميات "الإخوان" إسلامية الطابع، وقد لعبت بعض وسائل الإعلام، مثل قناة الجزيرة، دورا في ترويج هذه المسألة. وأدى هذا التوجه إلى تهميش الألوان الأخرى في الثورة، حتى اختفت التعدّدية بالتدريج. وقد ترافق ذلك مع تصدر "الإخوان" المشهد السياسي، ولعبوا الدور الأساسي في تشكيل أول مجلس وطني سوري، وتمكّنوا من حيازة نسبةٍ عاليةٍ من مقاعد المجلس لا تتناسب مع حجم الحركة السياسية على الأرض داخل سورية، وظهر في صورةٍ واضحةٍ أن لعبتهم الرئيسية تدور من حول السلطة. ولذا، دخلوا لعبة التحالفات والكواليس، بما فيها من تسوياتٍ ومساوماتٍ، أدت إلى نتائج عكسية وضارة على الثورة.
المحطة الثالثة هي القيام بوقفة ومراجعة لمسيرة أعوام الثورة، من أجل المساهمة في وقف قاطرة التدهور التي تزداد سرعتها كل يوم. وتكتسي المراجعة أهميةً من عدة اعتبارات. الأول ذاتي في ما يخص تصليب موقفهم باعتبارهم حركة سياسية، بما يفيد العملية الديموقراطية، وإعادة بناء صف وطني في وجه النظام والاحتلالين الإيراني والروسي. والثاني على صعيد وضع الفصائل الإسلامية التي بدأت تأكل بعضها وزاد ضررها، وتحولت إلى وبالٍ على السوريين، كما هو حاصل اليوم في إدلب التي تؤكد المؤشرات أن مصيرا أسود ينتظرها، بسبب أن جبهة النصرة تختطفها.
ليس قيام الإخوان المسلمين بالمراجعة تمرينا سياسيا يتطلبه التكتيك المرحلي، في فترة التراجع الكبير، وإنما هو حق للسوريين عليهم، يتعدّى السياسة إلى الأخلاق، ولا يسقط بالتقادم.
1260BCD6-2D38-492A-AE27-67D63C5FC081
بشير البكر
شاعر وكاتب سوري من أسرة العربي الجديد