اقتصاد الجزائر الهشّ مهدَّد بالشلل بسبب "كورونا"

04 مارس 2020
الصورة
فيروس كورونا يضرب أسواق الجزائر (Getty)
+ الخط -
تتسع دائرة تأثير فيروس كورونا، مهددة اقتصاد الجزائر الهشّ بالمزيد من الأزمات، إذ باتت العشرات من الشركات قاب قوسين أو أدنى من الشلل التام بعد نفاد المواد الأولية المستوردة من الصين، فيما يعرف الدينار الجزائري ارتفاعاً أمام العملات الأجنبية في السوق السوداء، ليس بسبب ارتفاع مؤشرات الاقتصاد، بل نتيجة تراجع الطلب على الدولار واليورو من قبل المستوردين والمواطنين. 

في سوق "السكوار" السوداء للعملة الصعبة وسط العاصمة الجزائر، يواصل الدينار الجزائري تقدمه أمام العملة الصعبة، فسعر العملة الأوروبیة الموحدة "اليورو"، تراجع إلى 190 ديناراً اليوم بعدما كان قبل 10 أيام عند 200 دينار. أما الدولار، فانخفض إلى 179 ديناراً بعدما كان عند 184 ديناراً مطلع فبراير/شباط.

وحسب باعة العملة الصعبة، يعيش السوق حالة غير مسبوقة من الركود، بسبب انعدام الطلب وارتفاع العرض، ومردّ الركود، بحسبهم، شبح "فيروس كورونا" الذي يهدد العالم.


وحسب البائع عادل، فإن "كورونا قتل السوق في فترة حساسة، فترة تتميز بموسم العمرة ورحلات السياحة إلى تركيا وجنوب أوروبا. ففي العادة، يستغل الجزائريون هذه الفترة من شهر مارس/آذار للسفر إلى جنوب أوروبا بحثاً عن دفء الربيع بعد موسم الشتاء، من دون أن ننسى موسم العمرة، الذي يعتبر محركاً لطلب الدولار".

وكانت السلطات السعودية قد علقت دخول المعتمرين إلى إشعار آخر، خوفاً من انتشار "فيروس كورونا"، ما دفع الخطوط الجوية الجزائرية إلى إلغاء 15 رحلة كانت مبرمجة إلى غاية 5 مارس. وتتجه شركة الطيران إلى إلغاء الرحلات المسجلة ما بعد هذا التاريخ.  

وليست العمرة والرحلات السياحية وحدهما وراء ضرب سوق العملة السوداء، فالتراجع الكبير على طلب العملات الأجنبية، وخاصة الدولار، مرده عزوف المستوردين عن دخول السوق، وذلك بعد شلل نشاطهم جراء الإجراءات التي اتخذتها الصين والجزائر، المتعلقة بتجميد الرحلات الجوية والبحرية بين البلدين.

وعلم "العربي الجديد" من مصدر داخل شركة تسيير مطارات الجزائر، أن "حركة تدفق المسافرين في المطارات الجزائرية تراجعت بـ35%، و بـ40% في مطار الجزائر الدولي، وذلك بعد تجميد الرحلات مع الصين وتقليص الرحلات إلى دبي وإسطنبول، باريس وروما".

وحسب توفيق، أحد باعة العملة الصعبة في السوق الموازية، فإن "الباعة سجلوا منذ فبراير/شباط غياب المستوردين الذين في العادة يتصلون عبر الهاتف لحجز مبالغ معتبرة من العملة الأميركية خاصة، وبحسب ما علمنا به من بعضهم، فإن عمليات الاستيراد مجمدة إلى إشعار آخر بسبب تجميد الرحلات ما بين الصين والجزائر".

وتحولت بكين في ظرف وجيز إلى المصدِّر الأول للجزائر، بالإضافة إلى كونها المستثمر الأجنبي الثالث في البلاد، ونجحت عام 2014 في إزاحة فرنسا، شريك الجزائر التاريخي والتقليدي، عن رأس قائمة مموِّني الجزائر بالسلع والخدمات، بمعدل تصدير بلغ 8.2 مليارات دولار العام الماضي، حسب أرقام الجمارك الجزائرية، أي 19.5% من واردات الجزائر، في وقت قُدِّرت فيه صادرات الجزائر نحو الصين بـ1.7 مليار دولار، كلها في المجال النفطي.

وخلط فيروس "كورونا" حسابات المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين، شركات كانوا أو مستوردين، وذلك بعد تجميد تعاملاتهم مع المصدِّرين من الصين، ما عطّل الإمدادات التجارية.

محمد عيسات، صاحب شركة استيراد للأقمشة وملابس أطفال من الصين، يعيش منذ قرابة 3 أسابيع على وقع أخبار "فيروس كورونا". عيناه مصوبتان معظم الأوقات نحو شاشة هاتفه أو حاسوبه، عله يقرأ خبراً مفرحاً، بعدما ألغى رحلته نحو مدينة "تشنجن" جنوب الصين، من أجل استيراد سلع جديدة، مخصصة لفصلي الربيع والصيف، إلا أن "كورونا" جمّد تجارة محمد عيسات الذي كشف في حديث مع "العربي الجديد" عن خوفه من دخوله في سنة بيضاء (دون عمل) منذ الآن.

وقال: "كل تجارتي وأموالي مرتبطة بالصين، ألغيت رحلة كانت مبرمجة في 5 فبراير/شباط المنصرم، كنت أستعد لاستيراد قماش وملابس، إلا أن تطور الأحداث في الصين أجهض كل شيء".

وأضاف المستورد الجزائري أنه "يستورد سنوياً ما يعادل مليوناً إلى مليون ونصف مليون دولار من الصين، ولا يعرف بلداً آخر يؤمن له المواد التي يحتاجها بأسعار مناسبة".

وتتكرر الأزمة مع عشرات الآلاف من المستوردين الجزائريين، الذين نجحت الصين في إغرائهم واستمالتهم بفضل سلعها وأسعارها التنافسية.

واللافت أن الأزمة لم تمسّ المستوردين للسلع فقط، بل امتدت إلى بعض الشركات الجزائرية العمومية والخاصة، التي باتت تعيش ذات سيناريو المستوردين، وذلك مع تزايد المخاوف من نفاد المواد الأولية المستوردة من الصين، على غرار مصانع تجميع الأجهزة الإلكترونية وتجميع السيارات، وصناعة مواد البناء، وحتى الخدمات.

في السياق، كشف حمزة جليجل، صاحب مصنع لإنتاج الدهن وغراء البلاط، أن "مصنعه سيدخل في مرحلة استنفاد مخزون الأمان، مطلع شهر إبريل/نيسان، وذلك بعد تعذر السفر إلى الصين للتوقيع على الطلبيات الجديدة، وحتى عبر الإنترنت الأمر غير ممكن، لأن الجزائر جمدت كل الرحلات الجوية والبحرية مع الصين".


وأضاف لـ"العربي الجديد" أن "ثلث الشركات الجزائرية، إن لم نقل أكثر، استمراريتها مرهونة بالمواد الأولية الصينية، وإذا طال انتشار الفيروس والإجراءات الموازية للوقاية منه، فقد تتطور الأزمة في المصانع إلى حد صرف العمال لخفض فاتورة الإنتاج".

ويقوم السفير الصيني في الجزائر لي لييانهي، بسلسلة من اللقاءات مع الحكومة الجزائرية، حيث التقى رئيس الحكومة الجزائري عبد العزيز جراد، ووزير المالية عبد الرحمن راوية، وذلك لبحث "تداعيات كورونا" على العلاقات التجارية بين البلدين، وتقديم ضمانات للحكومة الجزائرية. ومن المنتظر أن يلتقي السفير الصيني مع وزير التجارة كمال رزيق، وبعض رجال الأعمال خلال هذا الأسبوع.

المساهمون