اخشوا بنس لا ترامب

اخشوا بنس لا ترامب

21 يناير 2017
الصورة

لم يكن مايكل بنس مؤيدا لترامب (19/1/2017/Getty)

+ الخط -
يحقّ للعالم التوجّس من الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي تسلّم منصبه أمس الجمعة، في ظلّ أكبر حالة انقسامٍ يشهدها المجتمع الأميركي، والتي، وللمفارقة، تلي أكبر حالة إجماع على رئيس منذ زمن طويل: باراك أوباما. يحقّ لأميركا والعالم التعبير عن مخاوفهم، بناءً على ما رفعه ترامب من شعاراتٍ في أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية وبعدها. لكن المسألة لا تتعلق بترامب حصراً، فهناك رجل مرشّح لأن يؤدي دوراً أكبر بكثير من مجرد نائب رئيس: مايك بنس.
لم تكن أدوار نواب الرئيس كبيرةً في التاريخ الأميركي، تحديداً بعد الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945)، بل وجد معظمهم، في تلك المرحلة، في نيابة الرئيس جواز عبور إلى الرئاسة، كريتشارد نيكسون وجيرالد فورد وجورج بوش الأب، أما ليندون جونسون، فقد كان نائباً للرئيس المُغتال جون كينيدي (1961 ـ 1963)، مكمّلاً ولايته (1963 ـ 1965)، قبل أن يفوز بولاية أخرى (1965 ـ 1969). وبرز أيضاً نواب رؤساء بشكل لافت، من دون أن يتمتعوا بلقب "السيد الرئيس"، كآل غور وديك تشيني ووالتر مونديل ونيلسون روكفلر. مع ذلك، لم يتمكّن أي نائب للرئيس، منذ جورج بوش الأب (1989 ـ 1993)، من الوصول إلى البيت الأبيض رئيساً.
يبدو بنس، قياساً إلى أسلافه، أقلّ ضجيجاً وأكثر دهاءً. تختلف شخصيته عن شخصية جو بايدن، نائب أوباما. كان بايدن بمثابة "مرافق" الرئيس، ومخصّص لملفات "ثانوية" أميركياً، كأوكرانيا مثلاً، في وقتٍ كان فيه كل من هيلاري كلينتون وجون كيري، وزيري خارجية أوباما، أساس العمليات الدبلوماسية في إيران وسورية وليبيا والشرق الأوسط وغيرها. بايدن "المرح" و"العاطفي"، والذي عانى من مآسٍ عائلية عدة، لم يكن الشخص المؤثر على قرارات أوباما، على عكس ما سيكون عليه بنس بالنسبة لترامب.
الفوارق بين بنس وبايدن كثيرة، تبدأ من أن بنس كان حاكماً لولاية إنديانا، الولاية الـ16 من حيث المساحة أميركياً، بينما يأتي بايدن من أصغر الولايات الأميركية: ديلاوير (الولاية رقم 49 في حجم المساحة أميركياً). يصنّف بنس نفسه محافظاً متشدّداً، أما بايدن فأقرب إلى "الواقعية البراغماتية". قد تجد بنس يولي الاهتمام لوضع خطط يعتبرها "مهمة"، انطلاقاً من قناعاته الدينية التي تجلّت في قوانين متعلقة بالإجهاض في إنديانا، أما بايدن فقد تجده يمنح الأولوية للتنزّه في حديقة سنترال بارك في نيويورك مثلاً، على حساب أي أمر آخر.
باتت شخصية ترامب شبه معروفة: الرجل الذي في وسعه الضغط على الزرّ النووي ساعة يشاء، والرجل الذي سيبني سوراً مع المكسيك، والشخص الذي يريد ترحيل 11 مليون مهاجر، والفرد الذي يريد "جعل أميركا أمةً عظيمةً مجدّداً". بات سهلاً توقّع خطوات ترامب، كونه واضحاً في ما يريد، ولو أن ما يريده يُمكن إدراجه في خانة الجنون والتطرّف، لكنه واضح. أما بنس فهو "كل شيء". إنه "الرجل الثاني" الذي يبحث عنه كل من يشبه ترامب، أي كل من لا يفكّر مرتين. إنه "المستشار" بلغة رجال المافيا. أي من تجب الخشية منه أكثر من أي شخص آخر.
لم يكن بنس من مؤيدي ترامب في أثناء الحملة الانتخابية، بل كان من أنصار تيد كروز، لكنه، وبعد أن اختاره الرئيس الجديد، قال إن "دونالد ترامب يدرك آمال الشعب الأميركي ومستقبله، كما لم يدركهما أي زعيم منذ رونالد ريغان". وباختياره ريغان مثالاً، يظهر بنس وكأنه ناقم على العقود الثلاثة الماضية في البلاد. وهو الأمر الأكثر رعباً، فلا سياسات بيل كلينتون الاقتصادية تعجبه، ولا خطوات جورج بوش الأب وجورج بوش الابن العسكرية تلهمه. ربما يريد الإتيان بجديد، قد يؤدي إما إلى ترسيخ صورةٍ أكثر انقساماً لأميركا أو إلى التمهيد لخلافة ترامب في لحظةٍ حاسمة. بنس هو من تجب الخشية منه، لا ترامب.