إيران: هاجس المشاركة في الانتخابات التشريعية يؤرق السلطات

20 فبراير 2020
الصورة
تمثل المدن الكبرى تحدياً للسلطات (عطا كيناري/فرانس برس)
+ الخط -
دخلت إيران، فجر اليوم الخميس، فترة الصمت الانتخابي، إلى حين موعد فتح صناديق الاقتراع عند الساعة الثامنة من صباح غدٍ الجمعة، بالتوقيت المحلي، لتصويت الإيرانيين في انتخابات مجلس الشورى (البرلمان) الحادية عشرة. وإلى أن تنتهي عملية التصويت، ومن بعدها فرز الأصوات، تحبس السلطات الإيرانية أنفاسها، بانتظار معرفة حجم المشاركة الشعبية في هذا الاستحقاق، الذي يكتسب أهميةً تفوق تبيان النتائج، بعدما أصبحت هذه الأخيرة شبه واضحة، حيث توحي مؤشرات عدة برجحان كفّة المحافظين، لا سيما بعد إقصاء مجلس صيانة الدستور، الذي يتولى مهمة التحقق من طلبات المرشحين للانتخابات في إيران، آلاف الأسماء الإصلاحية.

وأمس، الأربعاء، دافع مجلس صيانة الدستور عن قراره في الإقصاء، مشيراً إلى أنه يتوافق مع القانون، متوقعاً أن تبلغ نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية غداً نحو 50 في المائة من الناخبين المسجلين، فيما كانت قد بلغت في دورتها السابقة قبل أربعة أعوام 61.83 في المائة. وقال المتحدّث باسم المجلس عباس علي كدخدائي، إن الجهاز يلتزم "الحياد" إزاء الأطراف السياسية، وهو "لم يتبنَ قط موقفاً سياسياً، ويتعامل مع كل التيارات السياسية بعيون مغلقة". 

وركزت التصريحات الإيرانية الصادرة من المستويين السياسي والعسكري خلال الأسابيع والأيام الماضية على حثّ المواطنين على المشاركة بكثافة في هذه الانتخابات، سواء بدوافع ثورية أو وطنية أو دينية، وذلك لأهميتها الزمانية، كونها تجري في لحظة عصيبة تواجه فيها طهران جملة تحديات وأزمات مركبة داخلياً وخارجياً. ويعود القسط الأكبر من هذه الأزمات إلى تداعيات الانسحاب الأميركي في العام 2018 من الاتفاق النووي الموقع بين إيران والدول الكبرى في يوليو/ تموز 2015. وبذلك تمثل الانتخابات التشريعية غداً اختباراً مهماً لشعبية "الثورة الإسلامية" في مطلع عقدها الخامس.

وتقف السلطات الإيرانية، اليوم، أمام تحدٍ كبير يتعلق بانتخابات مجلس الشورى، ألا وهو تحقيق المشاركة الواسعة فيها، في ظلّ الظروف الصعبة التي خلقتها تلك التحديات والأزمات للإيرانيين. في مقدمة هذه التحديات، الأزمة الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الأميركية "الشاملة" و"القاسية" على مدى العامين الأخيرين، والتي فجرت احتجاجات شعبية مرتين في البلاد، اتخذت طابعاً سياسياً أحياناً، وكانت آخر موجة منها تلك التي خرجت في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، الأكثر شمولاً والأوسع نطاقاً.

من جهتها، أعلنت الإدارة الأميركية مراراً دعمها للاحتجاجات الشعبية في إيران، معتبرة إياها ثمرة استراتيجية الضغوط القصوى التي تمارسها على النظام في طهران، ما شجّعها كذلك على المضي بها ومواصلتها. وبعدما وسّط الرئيس الأميركي دونالد ترامب أطرافاً إقليمية ودولية عدة لإقناع طهران بالعودة إلى طاولة التفاوض خلال الأشهر التي سبقت الاحتجاجات، قيل إنه أرسل إثر اشتعالها رسالةً إلى طهران عبر طوكيو، أبدى فيها تراجعه عن الدعوة للتفاوض. وبدا هذا التراجع واضحاً، خصوصاً حين كتب ترامب في تغريدة على "تويتر" في 13 يناير/ كانون الثاني الماضي، أي بعد أسابيع من اندلاع احتجاجات إيران، "لا تهمني المفاوضات".


ورداً على ذلك، تسعى السلطات الإيرانية من خلال تحقيق المشاركة الواسعة أو "القصوى" في انتخابات يوم غدٍ الجمعة، إلى إرسال رسالة شعبية "قوية" للإدارة الأميركية، تختلف عن تلك التي تلقتها واشنطن من الاحتجاجات. ويريد النظام الإيراني، من خلال إثبات كثافة المشاركة، إظهار أن الضغوط الأميركية القصوى لم تثمر إبعاد الإيرانيين عنه، وهو الأمر الذي اعتبر المرشد الإيراني علي خامنئي، أول من أمس الثلاثاء، أنه غاية واشنطن، مؤكداً أن الانتخابات "تُحبط مؤامرات الأعداء". وبحسب خامنئي، فإن الانتخابات التشريعية الإيرانية من وجهة النظر الأميركية، تمثل اختباراً لمدى نجاح حملة الضغوط التي تتعرض لها طهران. ورأى أن "الأعداء يريدون أن يعرفوا اليوم نتائج كل ضغوطهم، ومحاولاتهم، ودعاياتهم، والمشكلات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، ونتائج انتهاكات الغربيين والأوروبيين لتعهداتهم، والضغوط التي يُمارسها الأميركيون".
وفي قراءة استشرافية لحجم المشاركة المتوقع، وما إذا كان سيحقق ما تصبو إليه السلطات، تشي مؤشرات ومعطيات بأنه قد لا يرتقي إلى المستوى المطلوب، لسوء الوضع المعيشي الذي يعاني منه الإيرانيون، ولأهمية العامل الاقتصادي في رسم توجهات الناخبين. ووفق هذا المعطى، ستكون نسبة المشاركة على الأرجح أقل من تلك التي بلغتها الانتخابات التشريعية في دورتها العاشرة عام 2016، حينما كان الوضع الاقتصادي أفضل بكثير. وبلغت النسبة في ذلك العام 61.83 في المائة. أما النسب في الدورات التاسعة والثامنة والسابعة والسادسة والخامسة والرابعة والثانية والأولى، فهي 64.2 و55.40 و51.21 و67.35 و71.10 و57.81 و59.72 و64.64 و52.14 في المائة على التوالي.

وفي السياق، أظهرت نتائج استطلاع للرأي، أجراه معهد الدراسات والتحقيقات في جامعة طهران نهاية شهر يناير/ كانون الثاني الماضي، وشمل سكان طهران، حول المشاركة في الانتخابات، أن 24.4 في المائة من المواطنين في العاصمة المستطلعة آراؤهم، سيتوجهون للتصويت غداً. كما أعلن 93 في المائة منهم أنهم "غير راضين عن أوضاع البلاد وطريقة إدارتها"، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية "فارس"، التي نشرت بعض نتائج هذا الاستطلاع يوم الجمعة الماضي.

وتأكيداً على هذا التوجه، أظهر استطلاع رأي آخر أجراه مركز قياس الأفكار الطلابي "إيسبا"، ونشرت نتائجه في الثاني من يناير/ كانون الثاني الماضي، أن 21 في المائة من المستطلعة آراؤهم في مدينة طهران وحدها أعربوا عن رغبتهم في الإدلاء بأصواتهم، وأن النسبة تصل إلى 27 في المائة في محافظة طهران. كما أن 81 في المائة منهم أعربوا عن عدم رضاهم على الأوضاع المعيشية السائدة في البلاد.

وتخلص نتائج هذه الاستطلاعات إلى أن نسبة المشاركة في المدن الإيرانية الكبرى ستشكل التحدي الأكبر، علماً أن المشاركة في مدن أصغر ستكون أكثر كثافة، كون هذه المدن تخضع لمحددات مختلفة، مثل المناطقية والقومية بحسب انتماءات المرشحين. مع ذلك، يبقى للوضع العام مفعوله وتأثيره الأكيد في رسم توجهات الناخبين.

وبات معلوماً كذلك أن من المعطيات والمؤشرات الأخرى التي ترجح انخفاض المشاركة، استبعاد أعداد كبيرة من مرشحي التيار الإصلاحي، أحد شريكي العمليات الانتخابية في إيران منذ عقود، من خوض السباق التشريعي، بحسب زعماء التيار. هذا الأمر من شأنه أن يُفقد الانتخابات زخمها، وسط توقعات بعزوفٍ محتمل لقواعد إصلاحية عن المشاركة، بالتزامن مع حملاتٍ مكثفة من المعارضة الإيرانية في الخارج تدعو عبر مختلف شبكات التواصل إلى مقاطعة الانتخابات.




المساهمون