إلياس فركوح يحرث البحر

26 يوليو 2020
الصورة

أغلب الظن أنها حقول قطنٍ تلك الغيوم التي بسطت بياضها في عيني إلياس فركوح، عصر الخامس عشر من يوليو/ تموز الجاري، وجعلته يتعجّل الصعود إلى السماء لحراثتها، بعد أن فرغ من مهمته الأرضية التي كان بدأها بسؤال قصصيّ: "من يحرث البحر؟".

كان هذا السؤال، في الواقع، يمثّل أزمة صديقنا الراحل مع حياة المستنقعات، هو الذي انسلّ من بيننا بغتة كعادته، ليس إلى بيته هذه المرّة، بل ليخوض تجربة فريدة أخرى، خارج نطاق القصّ والسرد والترجمة والنشر، بوصفها حقولًا لم تعد مغريةً لمبدع شموليّ مثله، مغرم بالتقليب والتجريب، وحراثة أرض العجائب السبع.

غير أن تلك الشمولية لم تخدش عقارب ساعة إلياس الزمنية، خصوصًا وأنه لا يحترم الوقت وحسب، بل هو من أشدّ المحتفين به، عندما جعله عنوانًا لإحدى مجموعاته القصصية "أسرار ساعة الرمل". فضلًا عن أنه أحد المبدعين القلة الذين أخذوا الأدب والحياة على محمل الجدّ، حدّ الاندغام الشامل، ففي وقتٍ تظن فيه أن إلياس كان يبتاع كيلو طماطم من السوق، أو يسدّد فاتورة كهرباء، يفاجئك عند عودته مبتهجًا، وهو يحمل كيسًا متخمًا بقصص جديدة. 

يمارس أعمال الزواج والأبوة والأخوّة والقربى بإتقان تام، بملاعق الدواء، وبمقادير ووصفات تماثل وصفات الأطباء والصيادلة. وبالبراعة ذاتها، يستيقظ قبل حلول الفجر، ليستأنف فصلًا جديدًا من روايته المقبلة، بتقديسٍ يصل إلى حدّ خلع نعليه قبل ولوج ساحة الورقة، وكأنه مقبل على صلاةٍ لا تحتمل العبث واللهو. على النقيض من كتّاب آخرين، انغمسوا في ملذّات العبثية، وحاولوا محاكاة تجارب نظراء غربيين، ظنوا أنهم يمثلون الأنموذج الذي ينبغي الاقتداء به، فخسروا الإبداع والحياة معًا. لم يكن إلياس على هذه الشاكلة، بل كان أقرب إلى شخصية ت. س. إليوت، المبدع الجادّ الذي لا يتنازل عن برنامجه اليوميّ، وعن أناقته ومواعيد وجباته، ويقيس حياته بـ"ملاعق القهوة". أما الاختلاف ففي بساطة إلياس وتواضعه الجمّ، وبُعده عن الأرستقراطية والاستعلاء، على الرغم من نشأته الرغدة التي كفته مكابدات المعيشة، وأتاحت له قدرًا كبيرًا من التفرّغ الأدبي، فقد كان ودودًا دمثًا، خافت الصوت، من دون أن يحول ذلك بين حنجرته والحماسة واحمرار الملامح، دفاعًا عن أفكاره ومعتقداته.

أما على ضفة الكتابة، كانت غرفة سرية لا تتسع إلا لإلياس فركوح، عندما ينسحب تمامًا، ويضع لافتة "رجاء عدم الإزعاج". تلك هي غرفة "الحراثة". لا تستوعب غير أزمة الكاتب الوجودية مع بحرٍ يتعيّن عليه أن يحرثه؛ لأنه وضع السؤال بنفسه لنفسه، وليس لأحد آخر كما يعتقد القارئ، وكأنه يضع السؤال حافزًا له، مدركًا أن الدروب التي اختطّها لحياته لا تنأى كثيرًا عن "حراثة البحر"، فقد كان يدرك حجم المهمة الشاقّة التي سيخوضها ضدّ التيار الأدبي السائد، وضدّ القارئ السائد أيضًا لجذبه إلى فضاء إبداعيّ جديد، ليس يسيرًا تقبّله وفهمه بسهولة، وفاته أنه من تلك الفئة التي تكتب لزمن آخر، ولقارئٍ لم يتدرّب بعد على هذه الأساليب الأدبية المغايرة، التي لم تهشّم شاشة الأبيض والأسود، والأحاديّة البصريّة بعد.

لم يكن يعلم أن الماء المالح الذي يثلمه ويزيحه بفأسه سيعاود الاحتشاد مجدّدًا خلفه، وأنه سيخرج، في نهاية المطاف، صفر اليدين؛ لأن هذا الضرب من المعارك مع المستنقعات الراكدة يحتاج زمنًا أطول من عمره القصير مهما استطال. هو لم يعرف أن معركته كانت مع المستنقع، لا مع البحر، إلا حين تورّط بالكتابة، وصار التراجع مستحيلًا. والغريب أن الخيبات المتوالية، عوض أن تكون حوائط صدّ تدعوه إلى التراجع، رآها مشاعل لهب تحفّزه للمضي، بل واختراع حقول مغامرات جديدة، كان آخرها مغامرة النشر والتوزيع، فأسهم في تأسيس دارٍ لها، أرادها أن تتبنّى الأدب الجاد غير المستهلك، أو الذي يلبي متطلبات "المطابخ"، وهي تجربةٌ دفع ثمنها فادحًا؛ لأن متطلبات المستنقع غلبت فضاء الحلم.

ما تبقّى، هو انتظارنا ما ستفسر عنه جولة مغامرة إلياس فركوح الجديدة مع حراثة الغيم.