.. إلى كوليرا مصر 1947

20 مارس 2020
الصورة

(عمران يونس)

+ الخط -
حدث في 1947 أن صحافيا مصريا كان عمره أربعةً وعشرين عاما، اسمُه محمد حسنين هيكل، تمكّن من الدخول إلى قريةٍ اسمُها القرين، كان ناسُها محاصرين، لمّا منعت السلطة في مصر الدخول إليها والخروج منها، بعد أن انتشر فيها وباء الكوليرا. سمّاها هيكل "قرية الموت"، في تقرير صحافي نشره عنها، ونال عنه جائزة الملك فاروق للصحافة، وكتب فيه أن معركة الموت والحياة كانت على أشدّها هناك، وأن المستشفى في القرية كان مليئا بشخصياتٍ تستحق الخلود، وأن الناس حين تمرّ أمامهم مواكب المرضى، أو مواكب الموت، تلمحُ في عيونهم، للحظة خاطفة، نظرة خوف، ثم يستعيد الإيمان مكانه وتنتصر الحياة. وكتب أيضا أنه حين يظهر الوباء في منزلٍ يُنقل أفرادُه إلى المعزل، ويُقفل البيت وتُرسم على بابه دائرة. ولأن الكوليرا انتشرت، أولا، بين عمّال الجيش الغرباء عن القرية، كان الفلاحون من أصحاب البيوت يخشون التبليغ عن الإصابات، خوفا من أن يُعزلوا هم الآخرون. وحسب الصحافي الشاب، كانت مصر كلها تلحّ في طلب اللقاح، والقرين، ميدان الخطر ومصدر الوباء، لم يلقّح إلا ثلثها.
أوحت تلك الجائحة في مصر للشاعرة العراقية، نازك الملائكة، بكتابة قصيدتها "الكوليرا" التي تنازعت مع قصيدةٍ لبدر شاكر السياب على الأسبقية في ريادة الشعر الحر عربيا. نشرتها في ذلك العام، وفيها: في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظلماتْ/ في كل مكانٍ يبكي صوتْ/ هذا ما قد مزّقه الموتْ/ الموتُ الموتُ الموتْ/ يا حزنَ النيل الصارخ مما فعلَ الموتْ. وفي مقطع آخر: تشكو البشريةُ ما يرتكبُ الموتْ/ الكوليرا/ في كهف الرعب مع الأشلاءْ/ في صمت الأبد القاسي حيث الموت دواءْ/ استيقظ داءُ الكوليرا/ حقد يتدفق موتورا. وتختتم نازك قصيدتَها: يا مصرُ شعوري مزّقه ما فعل الموتْ.
وفي باريس، حيث إقامتها منذ 1946، كتبت القاهرية المولد من أب لبناني وأم سورية، الفرنسية اللغة، أندريه شديد، استيحاءً من كوليرا مصر، روايتها "اليوم السادس"، ونشرتها في 1960 (نقلها إلى العربية حمادة إبراهيم، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2002). روايةٌ رهيفةٌ مشغولةٌ بغلالة الحياة في فضاء الموت والرحيل والفقد، يتناوب فيها البهيجُ مع المُؤسي. تقول صديقة، الشخصية الرئيسية في الرواية، في أولى الصفحات، إن أحد عشر شخصا من أسرتها ماتوا بالكوليرا، أما عدد الموتى في القرية فلا تدريه، "فقد كانت سيارة الإسعاف تصل، ويدخل الممرّضون بالقوة، فيُخرجون أمتعتنا ويحرقونها، ويحملون مرضانا ويذهبون". قال لها المعلم الذي مَرِض فأخذوه إلى العزل في الصحراء، ولا يعود من هناك أحد، إن بعثا حقيقيا للمصاب يحدُث في اليوم السادس، فأقنعت نفسَها بأن حفيدها الطفل سيشفى في اليوم السادس. تقول: "كان هناك حسن في ناحية، والكوليرا في ناحية أخرى. أما الآن فإن حسن والكوليرا أصبحا شيئا واحدا، فلا بد من قبولهما معا". تُخفيه، فثمّة من يبلغون الحكومة عن المرضى في مقابل جنيهات (قال أحدهم إن الكوليرا منجم ذهب). ترتحل صديقة مع حفيدها إلى الشمس، إلى البحر في الإسكندرية عبر النيل. وفي الأثناء، كان الطفل "فريسة موجةٍ من التشجنات العنيفة، كانت ذراعاه وساقاه تتدافع في كل اتجاه"، لكنها لاحقا تقول إن حسن سيُبعث إلى الحياة في اليوم السادس، وقد مرّ يومان. "لن يتقيأ، .. وسيدقّ نبضه قويا"، ولكن مشهد الختام في الرواية، في المركب في النيل، جاء غير ذلك.
ليست الروايةُ، أي روايةٍ عالية المبنى والمعنى، حدّوتة، وكذلك فيلم السينما الثقيل المتقن. ولمّا صنع يوسف شاهين في 1986 فيلمه "اليوم السادس" عن رواية أندريه شديد، بكثيرٍ من الأمانة لها، أقلّه في مسارها القصصي، أنجز تعبيرا آخر عن ضجيج الحياة في غضون الموت الكثير، وذلك بالصورة الموحية غالبا، وبانتقالاتٍ بين البطء والسرعة، وكذا بالموسيقى الجنائزية لمّا تنطق المشاهد والمشاعر بالحزين الشفيف، وبالموسيقى الفرحة أيضا، عندما تنطق المشاهد والمشاعر بمقاومة الفجيعة والكابوسي. كان فيلما شاهينيا، لمّا اشتبك فيه التذكّر والحلم، ولمّا تناوب الإحساس الحاد بالفقد والخسران مع الشعور بالحاجة إلى الحب والأمان..
هي جائحة كورونا سوّغت هنا الإطلالة هذه على ما أجاد بشأن كوليرا مصر 1947 صحافي شابٌّ كان قد بدأ يتألق ويتأنق، وكذا شاعرةٌ كانت تجرّب، ثم روائيةٌ كانت تعمّر نصا حارّا، وتاليا سينمائيٌ حاذقٌ أراد اختبار نفسه.. ماذا سنقرأ ونشاهد عن مرضٍ تراه منظمة الصحة العالمية عدوا للبشرية، اسمه كورونا؟