إلى زمن فلسطيني جديد

10 مارس 2019
الصورة
+ الخط -
حين كتب غسان كنفاني رائعته، "رجال في الشمس"، في أوائل الستينيات من القرن الماضي، كان الفلسطينيون لا يزالون يلملمون جراح النكبة، ويكافحون من أجل البقاء. كان زمنا حالكا. لم يخسروا أرضهم وبيوتهم وأحلامهم الصغيرة فقط، بل خسروا كل أسباب الحياة. وكانت دول النفط حينذاك فرصتهم الأكبر للحصول على فرص عمل، مهما كانت شاقة ومضنية، سعيا إلى النهوض. اتجهوا، في ذلك الزمن الكئيب، وبشكل مواز، إلى تعليم أولادهم، سبيلا يتيح لهم تمكين أنفسهم والأجيال القادمة للخروج من الآثار المباشرة للنكبة. لكن ذلك لم يمر من دون عذابات، وتضحيات جمّة، عانى منها الفلسطينيون ولا يزالون. وانغمسوا عقدين في محاولاتٍ جاهدة للخروج من النكبة، من دون أن تبرز بارقة أمل جدّية لمشروع وطني فلسطيني، يناضلون من خلاله لتحرير أرضهم. 
وكانت صرخة كنفاني في روايته "رجال في الشمس" حينذاك: "لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟ لماذا؟" تعبيرا عن رفض الواقع والاستسلام للركود بحلول محض معيشية، بحثا عن بقاءٍ مذل. إذ جاءت صرخته على لسان شخصية المهرّب، أبو خيزران، في معرض رفض كنفاني هذه الحلول، إذ اتخذ أبو خيزران من تهريب الفلسطينيين المتجهين إلى الكويت عبر العراق مهنة له. خبأ في إحدى حملات التهريب داخل صهريج مخصص لنقل المياه ثلاثة رجال، لكي يهربهم عبر الحدود، فماتوا داخل الخزان من الحر والجوع والعطش، وهو يعبر بهم الصحراء
 تحت شمسٍ لاهبة. وبعد رحلةٍ طويلةٍ، تخلّلتها مساوماتٌ رخيصةٌ، وخداع ومجازفات مجانية أدت بهم إلى الموت داخل خزان.
هل كانت تلك الصرخة حينها "جرس إنذار" يقرعه كنفاني لحضّ الفلسطينيين على الصحوة الوطنية، عوض ترك أنفسهم يتخبّطون للخروج مما خلفته النكبة من مآسٍ على حيواتهم؟ أو ترك قضيتهم الوطنية بيد قياداتٍ فاشلة ومخادعة، وعاجزة عن أداء دورها في النضال من أجل استعادة الأرض؟ أم هو مجرّد توصيفٍ لواقعٍ لم يعد ممكنا أو مقبولا الاستمرار فيه؟ أم كلها جميعا؟ كما حال الفلسطينيين اليوم.
تزامن صدور الرواية مع تحولاتٍ عربيةٍ ودوليةٍ واعدة ومؤاتية، ساهمت في إشاعة مناخ مشجع لانطلاقة الثورة الفلسطينية بعد ذلك بسنوات قليلة. أهم تلك التحولات خوض عدة أقطار عربية حروب الاستقلال والتحرّر من الاستعمار المباشر، وصعود مشاعر القومية العربية، ودعوات الوحدة والتنمية في ما سميت المرحلة الناصرية خصوصا. جنبا إلى جنب، مع بروز حركة عدم الانحياز التي انخرطت فيها دول عديدة في العالم الثالث، ردا على الثنائية القطبية التي شكلتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في محاولاتهما اقتسام السيطرة على العالم بما سميت مرحلة الحرب الباردة، وفي زمن المد الشيوعي الذي صبغ حركات تحرّر عديدة في العالم، في معرض خوضها التحرر الطبقي داخل مجتمعاتها، أو من الاستعمار الجديد الذي تقوده أميركا، بعد تراجع قدرة الاستعمار القديم (الأوروبي عموما) في الحفاظ على مستعمراته، وخروج أوروبا، بعد الحرب العالمية الثانية، مدمرة وحزينة، فأحكمت الولايات المتحدة بدايةً قبضتها على أوروبا الغربية بمشروع مارشال تحت غطاء مساعدتها اقتصاديا وإعادة إعمارها، فيما ساهم المد الشيوعي في بلدان شرق أوروبا في بسط نفوذ الاتحاد السوفياتي عليها في ما سميت "الكتلة الاشتراكية"، وما حمله من تهديد لدول غرب أوروبا. على تخوم هذا الصراع، نشأت قوة ثالثة من دول العالم الثالث ترفض هذه الثنائية القطبية، وأعلن في مؤتمر باندونغ عام 1955 عن حركة دول عدم الانحياز لأي من القطبين، وعن حلف من 29 دولة نامية، تتبادل الدعم والتعاون للحفاظ على استقلالها وتحرّرها الوطني ومشاريع التنمية والنهوض الاقتصادي. وشكلت هذه الظروف والتحولات، على المستويين العربي والدولي، مع إرادة فلسطينية متلهفة، مناخا مؤاتيا لانطلاقة الثورة الفلسطينية العام 
1965، توّج بانتصارها في معركة الكرامة عام 1968، بعد عام على النكسة.
تغيرت اليوم تلك الموازين، وحدثت تحولات كثيرة، تراكمت عبر سنوات طويلة، حقق فيها الشعب الفلسطيني، بنضالاته وتضحياته، منجزات هائلة، تم تجريفها لاحقا ما بين مد العامل الذاتي الفلسطيني وجزره، وما شابه من ترهل سياسي واجتماعي وظواهر فساد مروعة، فضلاً عن حالة الانقسام التي أدخلت الوضع الفلسطيني في مرحلةٍ خطيرةٍ من الانحطاط السياسي واليأس والعجز، بموازاة تغيرٍ هائل في الموازين الدولية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، غير المؤاتي للفلسطينيين، وصعود قوى جديدة اقتصادية، وتراجع قوى أخرى وأزمة مالية عالمية في العام 2008، لم تتعاف منها دول عديدة بعد، أدت إلى أزمات اقتصادية واجتماعية عابرة للقارات. وفي ظل منطقةٍ عربيةٍ، تنشغل في حروب داخلية في أكثر من بلد عربي إثر ربيع عربي لم تتفتح أزهاره بل سفكت فيه دماء كثيرة، ولا تزال، وتكالبت عليه قوى إقليمية ودولية تحالفت مع أنظمة الاستبداد، ودعمت القوى المضادة للثورات العربية، وهمشت القضية الفلسطينية بشكلٍ أكثر خطورةً مما كانت عليه في أي وقت مضى. وعليه، يطرح السؤال: على جدران أي خزان يمكن للفلسطينيين أن يدقّوا الآن؟
تطرح هذه الصورة المعتمة تحديا هائلا على الشعب الفلسطيني الذي يفتقر الآن إلى رؤيةٍ نضاليةٍ جديدةٍ، تخرجه من المأزق، وتوحّده في مواجهة المشروع الصهيوني، وتؤهله لمواصلة النضال من أجل تحرير فلسطين. وهل في وسع الفلسطينيين وضع رؤية وطنية تحرّرية جديدة، عابرة للتحولات الدولية والإقليمية والعربية، لإعادة القضية الفلسطينية إلى خريطة الاهتمام والدعم، وللتعامل الدائم مع المتغيرات؟ الهدف بعيد المنال. وقد يستغرق زمنا طويلا تتغير فيه المناخات، وتنقلب فيه الموازين أكثر من مرة. يحتاجون فيه للصبر والعزيمة والحكمة وإعداد أجيال من المناضلين أكثر حرفيةً، وأشد منعةً، في مواجهة إغراءات المال الفاسد والسعي إلى السلطة، ومتمكنين من أدوات العصر، ويملكون تخصصات على كل الأصعدة المطلوبة للنضال، لتغيير المشهد الفلسطيني في تجمعات الشعب الفلسطيني، مستمدّين من عدالة قضيتهم القوة التي تمكّنهم من تحقيق أحلامهم في التحرير والعودة ورأب ما تصدّع من وحدة الصف الفلسطيني. ومن غير أن يغيب عن بالهم، أيضا، أن ثمّة عملا كثيرا ينتظرهم في معرض نضالاتهم القادمة، لشحذ الهمم التي تراخت كثيرا وطويلا، للقضاء على المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني وتفكيكه، بالتوازي مع سعي حثيث ودائم إلى إعلاء شأن القيم الأخلاقية والوطنية، للتخلص من المظاهر والسلوكيات الفردية والقيادية المشوهة للنضال. ليس على مستوى القيادات فقط، بل أيضا على مستوى القاعدة، لتجنب تكرار الأخطاء والخطايا، أو اجترار العقلية الأبوية الذكورية التي حكمت تجارب النضال الفلسطيني، قديمها وجديدها، فقد آن الأوان للتخلص من كل الأفكار والتقاليد التي تغلّب ثقافة التسلط وتهمّش المرأة وتتلاعب بأموال الشعب ولقمة 
عيشهم، لنبني مجتمعا فلسطينيا منفتحا على العصر، يأخذ بأسباب الحداثة، ويشيع العلاقات الديمقراطية بين مختلف القوى والحركات السياسية والفئات الاجتماعية، كي تبنى على أسس المساواة المواطنية لوطنٍ مسلوب ومحتل، وبما يليق بشعب فلسطين.
حينها، وغير ذلك كثير، لن ندقّ على جدران الخزان كي نتلافى موتنا، ولن ننتظر المدد يأتينا ممن كانوا سبب عجزنا. بل ندقّ كل الأبواب، ونختار من يمكنه أن يفتحها لنا، ليس حبا بنا، وبعدالة قضيتنا بالضرورة، على قاعدة المصالح المشتركة تؤسس لتحالفاتٍ أو تقاطعاتٍ (تخدم ثوابتنا) من غير أوهام أو خداع أو وعود لا يوفى بها! لا سيما بعدما رأينا ما رأيناه في مؤتمر وارسو للتطبيع العلني المخجل. ولكن، من غير أن ننسى أن الشعوب العربية مغلوبٌ على أمرها في هذا الزمن الموحش، والموغل في السواد، وهي أيضا ممدّدة على مائدة الذئاب، وتربطنا بهم وحدة الحال التي لن تتغيّر مهما كبت جيادهم. انتهى زمن البكاء أو التوسّل، وآن الأوان لا إلى أن ندق على جدران الخزان، بل أن نقرع الأجراس، ونؤذن بولادة زمن فلسطيني جديد، يستمد الصلابة من الهشاشة والإيمان من اليأس والرؤية من أشد لحظات العتمة سوادا. ماذا ينتظر الفلسطينيين بعد وارسو؟ هيا... لقد دقت ساعة العمل.