إسرائيل في مواجهة هجرة معاكسة بسبب الاقتصاد والقيود الدينية

25 مايو 2016
الصورة
لا يستطيع الشباب الاندماج مع المجتمع الإسرائيلي(مناحيم كاهانا/فرانس برس)
تقرّ تل أبيب بأنّها تواجه نزيفاً ديمغرافياً بفعل تراجع تأثير المغريات التي تدفع الكثير من المهاجرين اليهود للبقاء فيها. فإلى جانب الأوضاع الاقتصادية، تبيّن أن ممارسات المؤسسات الدينية الرسمية تجاه المهاجرين تقلّص من قدرتهم على تحمُّل البقاء في دولة الاحتلال. فقد غادر عشرات الآلاف من الشباب الذين ينتمون لعائلات هاجرت أواخر الثمانينات من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي إسرائيل في الأعوام الخمسة الماضية إلى روسيا وبقية الدول التي جاءت منها عائلاتهم.

يقول أحد قادة المهاجرين الروس في إسرائيل، النائب السابق رومان برونفمان، إن 200 ألف شاب غادروا بالفعل إسرائيل عائدين للدول التي هاجر منها آباؤهم في روسيا والدول الأخرى التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي. ونقلت قناة التلفزة الإسرائيلية الأولى، الخميس الماضي، عن برونفمان قوله، إن "الأوضاع الاقتصادية تعد السبب الرئيسي وراء قرار هؤلاء الشباب ترك إسرائيل والعودة إلى المناطق التي قدمت منها عائلاتهم".

في السياق ذاته، أجرت لجنة "الاستيعاب" التابعة للكنيست، الخميس الماضي، جلسة خاصة لمناقشة ظاهرة نزوح الشباب الذين ولدوا لعائلات هاجرت من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي ومحاولة التوصل لحلول لوقفها أو تقليص مظاهرها. وأجمع أعضاء اللجنة وممثلو الهيئات الرسمية والمجتمعية التي تُعنى بالهجرة على أن هذه الظاهرة باتت بالغة الخطورة، على اعتبار أن الأغلبية الساحقة من الذين يغادرون إسرائيل أو يفكرون بمغادرتها هم من الشباب الذين يمكن أن يسهموا في الجهد الأمني والنشاطات الاقتصادية.

واستمعت اللجنة، التي عرضت القناة العاشرة الخميس الماضي لبعض مناقشاتها، إلى عدد من الشباب الذين يفكرون بالمغادرة، إذ تحدث هؤلاء عن إحباطهم من تدني مستوى الفرص المتاحة أمامهم على الصعيد الاقتصادي في إسرائيل. وحذّر بعض أعضاء اللجنة البرلمانية من تكرار ما حدث مع المهاجرين اليهود الذين وصلوا في التسعينيات من الأرجنتين بفعل الضائقة الاقتصادية التي كانت تسود هناك. وأشار هؤلاء إلى أن نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين عادوا للأرجنتين بمجرد أن تحسّنت الأوضاع الاقتصادية هناك.





لكن لا يعد الواقع الاقتصادي هو الدافع الوحيد الذي يدفع الشباب الذين ينتمون لعائلات هاجرت من تلك البلدان للمغادرة، إذ تبيّن أن القيود التي تفرضها المؤسسة الدينية الرسمية تحول دون اندماج نسبة كبيرة من هؤلاء الشباب في المجتمع الإسرائيلي. وعرضت قناة التلفزة العاشرة، أخيراً، تقريراً حول فتاة هاجرت مع عائلتها من أوكرانيا قبل عقدين من الزمن، وخدمت في الجيش الإسرائيلي والتحقت بكلية الطب في جامعة تل أبيب، ليئورا بيتنوف. وتتحدّث القناة عن أنّه عندما خططت بيتنوف للزواج من صديقها، رفضت المحاكم الحاخامية تزويجها، باعتبار أنّه لا يوجد ما يدلّ على "جذورها اليهودية". وطالبتها هيئة المحكمة بجلب إثباتات تدل على أن أمّها يهودية. وقامت إحدى الجمعيات التي تأثرت بقصة ليئورا بتمويل رحلتها وصديقها إلى أوكرانيا للبحث عن جدتها التي تقطن في إحدى البلدات التي تقع غرب أوكرانيا، إذ إن الجدة تملك وثائق تثبت يهوديتها ويهودية بنتها (أم ليئورا).

وسلّطت العديد من الأفلام التي عُرضت في مهرجان "دوكابيف" للأفلام الوثائقية، في تل أبيب، الأضواء على الأوضاع البائسة التي يعيشها أبناء العائلات المهاجرة من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفييتي. ولعل أهم الأفلام التي عالجت هذه الظاهرة هو فيلم "الحالمون من بابل" للمخرج رومان شومونوف، والذي تضمن مقابلات مع أعضاء فرقة رقص جميع أفرادها شباب ينتمون لعائلات مهاجرة، إذ تحدث هؤلاء عن المصاعب الجمة التي تحول دون تمكّن أبناء المهاجرين من تحقيق ذاتهم. وعدّد أعضاء الفرقة أنماطاً من التمييز تُمارس ضد أبناء المهاجرين الجدد، لا سيما من دول الاتحاد السوفييتي سابقاً.

وإلى جانب ذلك، تبيّن أن المغالاة في التطرف الديني والقومي تدفع بعض المثقفين الأكثر تماهياً مع الخطاب الصهيوني للمجاهرة برغبتهم بألا يواصل أبناؤهم العيش في إسرائيل. فقد فاجأ المعلّق العسكري في قناة التلفزة الإسرائيلية الثانية، روني دانئيل، يوم الجمعة الماضي، زملاءه الذين كانوا يشاركونه في تقديم برنامج "استوديو الجمعة" عندما قال: "بت أرغب في ألا يعيش أبنائي في هذه البلاد التي وقعت بين فكَّي إلكين (الوزير الليكودي المتطرف زئيف إلكين)، وريغف (الوزيرة الليكودية المتطرفة ميري ريغف)". ويحمل كلام دانئيل دلالات خاصة، إذ إنه عقيد متقاعد، فضلاً عن أنّه كان دائماً يتفانى في تبني الرواية الرسمية ويدافع بشكل مباشر عن سلوك المؤسسة الأمنية، لدرجة أنّه كان دائماً عرضة لانتقادات الدوريات المتخصصة في مجال الإعلام.