إثيوبيا .. التآزر ومشكلات الاندماج القومي

10 اغسطس 2020
الصورة

متظاهر من الأورومو في لندن للعدالة في قضية مقتل مغن إثيوبي (30/7/2020/Getty)

على الرغم من تطلع رئيس الحكومة الإثيوبية، آبي أحمد، إلى الديمقراطية التعدّدية، فإنه قام للمرة الأولى بتأجيل الانتخابات، لتعقد في أغسطس/ آب 2021، ولتدخل البلاد في أزمة دستورية تساهم في زيادة الوعي القومي. ومن هنا، تبدو أهمية الاقتراب من تقييم السياسات الحكومية، ومدى قدرة أفكار رئيس الوزراء تجاه حل المسألة القومية بالتحول عن الديمقراطية الثورية للتعددية الليبرالية، ومدى انعكاسه على استقرار العلاقات الإثنية.
وفي مشروع التآزر (Medeme)، حاول آبي أحمد تقديم وصفة لعلاج المشكلات التاريخية وتحليل الميراث السياسي للكيان الإثيوبي، آملاً تقديم رؤية لبناء الأمة على أساس التوافق والاستقرار السياسي والحكم الرشيد والازدهار الاقتصادي. وتقوم فكرته على تصنيف الفيدرالية العرقية كمصدر، لمشاكل إثيوبيا، ومن ثم، يكون الحل في الاقتراب من تكوين هوية مشتركة كخطوة نحو الوحدة الوطنية، بحيث يمكن وضع خريطة طريق لتحسين نماذج التنمية السابقة لخدمة الانتقال السياسي والتقدم الاقتصادي، وأيضاً تحسين القدرة على التكيف ومواجهة الإرهاب والسلطوية.
ويحاول المشروع معالجة مشكلة عدم الاستقرار السياسي وكثرة اللجوء لحالة الطوارئ، وما يصاحبها من اهتزاز البلاد، بسبب العنف الإثني والمصحوب بتفسخ اجتماعي وهدر اقتصادي وأعمال تخريب بشكلٍ وضع الاقتصاد في طريق مسدود. ويذهب آبي أحمد إلى أن تباطؤ إصلاح النظام الحزبي شكّل مصدراً مستمراً للفساد وفوضى القيادة. وهنا، يشير إلى ظهور العيوب الداخلية للجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (EPRDF) في عام 2014، وخصوصاً عدم كفاءة البيروقراطية على المستويين الاتحادي والمحلي، ولم تبذل جهود لإصلاحها وتجديد القيادة، كما لم ينعكس النمو الاقتصادي، والديمقراطية، على السكان المحليين، ما أدى إلى تسلط القوميات وجعلها توحّد جهودها ضد الحكومة المركزية (التيغراي).
وبشكل عام، يقوم مفهوم التآزر على ثلاث ركائز مترابطة، يتسم الأول ببناء الديمقراطية التعدّدية، مع اتخاذ إجراءاتٍ سريعة لتعزيز ثقة المواطنين في الحكومة. ولذلك يعمل على مراجعة القوانين التقييدية المنظمة للعلاقات الإثنية. ويمكن الإشارة إلى أن الديمقراطية التعدّدية بديل لأيديولوجيا الجبهة الثورية؛ الديمقراطية الثورية بعد ضعف قدرتها على التكيف مع الرأسمالية، ما يمثل تحولاً عن الأفكار الماركسية، ويبدو لافتاً النظر إلى الديمقراطية الليبرالية ملائمة للتركيبة الإثنية الإثيوبية.

حاول آبي أحمد تقديم وصفة لعلاج المشكلات التاريخية وتحليل الميراث السياسي للكيان الإثيوبي

ويقوم المرتكز الثاني للتآزر على إدراك المشكلة الاقتصادية، كانخفاض الدخل القومي وعدم القدرة على التكيف القطاعي، وتأخر الانتقال إلى التصنيع. وهنا يشير إلى هيمنة قطاع الزراعة على النشاط الاقتصادي، فعلى الرغم من مساهمته بـ 40% من الناتج المحلي الإجمالي، فإنه يستحوذ على 70% من العمالة، ما يجعل الاقتصاد أكثر تأثراً بالتغيرات المناخية. ولذلك يتجه مشروع آبي أحمد إلى تنشيط خطة التنمية لتعزيز الصناعات التحويلية وتحسين القدرة على التكيف مع تغير المناخ بحلول عام 2025، وهي محاولة لتطوير الخطط الخمسية؛ الأولى (2010 – 2015) والثانية (2015 – 2020)، لتكون التنمية في مسارات متوازية للزراعة والتصنيع وخدمات النقل والطاقة الكهرومائية، وذلك بالإضافة إلى معالجة مشكلات التمويل عبر توفير البيئة الملائمة للاستثمار والتوسع في القطاع الخاص. وقد بدت الإصلاحات الاقتصادية أولوية لرئيس الوزراء، بحيث تقوم على زيادة الاستثمار لتخفيف حدّة ديون خارجية تقدر بـ 30 مليار دولار وتمثل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي.
فيما يقوم المرتكز الثالث على التكامل القومي، باعتباره البيئة الآمنة للمصالح الإثيوبية، ما يتطلب إجماعاً وطنياً والاعتماد المتبادل وامتصاص الصراع بين النخبة الحاكمة ومعالجة السخط الاجتماعي في أثناء إعادة هيكلة النظام الحزبي في مرحلة الانتقال إلى حزب الازدهار. وتقوم أفكار التكامل على امتصاص التوترات داخل الائتلاف الحاكم، وعدم تفضيل مجموعة عرقية على الأخرى، والنظر بشكل متساوٍ إلى البيروقراطية والجيش وإصلاح الأمن. ووفق هذا المنظور، يشكّل هذا المحور تحدّياً أساسياً، حيث يرتبط بالنزاعات والانقسامات الإثنية وإعادة بناء السلطة.

لا يختلف مضمون حزب الازدهار عن الجبهة الثورية، فكلاهما يتبنيان الفيدرالية واللامركزية

في هذا السياق، ظهر حزب الازدهار في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 أداة للتغيير السياسي وحزباً جامعاً للقوميات، فمن حيث التكوين، يعتمد على المجموعات الإثنية نفسها المتوارثة من الجبهة الثورية، كالحزب الديمقراطي الأمهري (ADP)، وحزب الأورومو الديمقراطي (ODP) والحركة الشعبية الجنوبية (SEPDM)، بالإضافة إلى خمسة أحزاب إقليمية، كانت حليفة لجهة تيغراي، لكي يبدو حزباً واحداً لجميع الإثنيات، وليس تحالفاً بين مجموعاتٍ عرقية، غير أنه، حتى الوقت الراهن، لا تبدو فروق جوهرية عن الجبهة الثورية، فالأحزاب هي ذاتها التي شكّلت مضمار السياسة على مدى حقبة الفيدرالية.
وبينما يرى الازدهار الفيدرالية الإثنية سبب ضعف تماسك الدولة والاضطرابات السياسية، فإنه يقدّم مجموعة أسباب لتجاوز الجبهة الثورية، في مقدمتها التغير في تركيبة النظام الدولي بعد الحرب الباردة، بالإضافة إلى تبني خليط غير متجانس من الأفكار السياسية، يقوم على الجمع ما بين الماركسية والمبادئ الثورية والسياسات الطبقية بجانب الرأسمالية والليبرالية الديمقراطية، فيما يتجه العالم نحو الرأسمالية. ولذا تفقد مبرّرات استمرارها تحالفاً حاكماً قليل القدرة على التكيف مع التغيرات العالمية.

يرى حزب الازدهار أن الفيدرالية الإثنية سبب ضعف تماسك الدولة والاضطرابات السياسية

لا يختلف مضمون حزب الازدهار عن الجبهة الثورية، فكلاهما يتبنيان الفيدرالية واللامركزية، لكنه لم يقدّم إجابات واضحة عن المساواة الثقافية واللغوية، كما يبدو الحزب الجديد محفوفاً بالتحدّيات الهيكلية والمؤسسية المرتبطة بالتحول الديمقراطي، فإن الضعف الهيكلي لحزب الازدهار يجعل القوى المؤيدة للفيدرالية بديلاً محتملاً، وهي صيغة تنطوي على تباينات جذرية. وفي هذا السياق، يمكن فهم ظهور "الازدهار" نتيجة تأخر إصلاح الجبهة الثورية، لكن مضيه في خيارات جذرية، كعلاج لأزمة الشرعية، يضع الكيان الإثيوبي أمام بدائل الوحدة أو الانفصال، فوفق هذه التركيبة، يبدو "الازدهار" في حقيقته تعبيراً عن أحزاب قومية/ إثنية، بما لا يمثل تغيراً حقيقياً بقدر ما يشكل إعادة إنتاج للفيدرالية الإثنية، تقوم فقط على استبعاد هيمنة التيغراي. ولذلك، من المحتمل أن يضع التنافس بين الإثنية والوطنية إثيوبيا أمام معضلة انخفاض الإجماع السياسي على تحالف حزبي ظلت مكوناته مصدر استمرار النزعات القومية في السياسات المحلية والمركزية، عبر هيمنتها على المقاعد التشريعية.
ويمكن القول إن ظهور حزب الازدهار (PP) واحدة من نتائج التفكك الداخلي لجبهة تيغراي (TPLF)، كما تبدو نشأته كرد فعل على هيمنة التيغراي ورفضهم محاولات إصلاح التحالف الحاكم، ويمكن قراءة المظاهرات المشتعلة منذ 2015 بوصفها احتجاجاً ضد "التيغراي" وتعبيراً عن اختلال توازن العلاقات الإثنية. وهذا ما يعني أن توجه القوميات ليس في صالح إعادتهم إلى السلطة، بعد خروج منصب رئاسة الوزراء لجماعة الأورومو واصطفاف الأحزاب الإثنية ضدهم.

ظهور حزب الازدهار (PP) واحدة من نتائج التفكك الداخلي لجبهة تيغراي (TPLF)، كما تبدو نشأته كرد فعل على هيمنة التيغراي ورفضهم محاولات إصلاح التحالف الحاكم

وعلى الرغم من أهمية تصورات الانتقال إلى الأمة الإثيوبية، حيث ساهم تزايد الوعي القومي في جعل فكرة الوحدة وتعريف "الجامعة الإثيوبية يشكل مصدراً لأزمة الشرعية على مدى قرن قبل ظهور الجبهة الثورية، ولعل مشروع "الازدهار" لا يختلف كثيراً عن الأطروحات السابقة، فهو يقوم على تقسيمات سياسية واجتماعية مماثلة. وبهذا المعنى، لا يبدو أن ثمة اقتراباً متكاملاً من أزمة التكامل القومي، وخصوصاً مع محاولات تسييس الإثنية في قوالب مختلفة.

أزمة الانتخابات والشرعية
بشكل عام، يشكّل انتظام الانتخابات عنوان استمرار الفيدرالية الإثنية 25 عاماً، فقد حافظ على أفكار التقارب حول شكل الوحدة الإثيوبية. ومن هذه الوجهة، يفتح تأجيل الانتخابات النقاش حول مستقبل العلاقة بين القوميات. ويتوقف نجاح التحول عن الجبهة الثورية، التآزر، على نزاهة الانتخابات، وهذا ما هو التحدي الحقيقي لحزب الازدهار. وبالنظر إلى الميراث السياسي للانتخابات، يمكن ملاحظة أمرين مهمين: أولهما أن اعتماد مكونات "الازدهار" فترة طويلة على تزوير الانتخابات ومكافحة الأحزاب الوطنية يشكل قيداً على نزاهة الانتخابات، حيث لم يرتبط انضواء أحزاب إقليمية ضمن حزب واحد بحدوث تحول في الثقافة السياسية أو التنظيمية. أما ثانيهما؛ فمع زيادة الوعي العرقي، ظل الطابع الإثني يهيمن على سلوك الناخب والفاعلين السياسيين، ما يشكل قيداً على السير مع "الازدهار" في مشروع التكامل القومي، وخصوصاً، مع ظهور توجه لدى "التيغراي" بطرح بدائل التباعد مع الاندماج القومي، وذلك إلى جانب تيارات قومية مناهضة لـ"الازدهار".
في ظل البيئة القلقة، وبغض النظر عن الخلافات الدستورية، يمكن مناقشة تأجيل الانتخابات مرتين لقلق "الازدهار" من نتائجها، فهو من ناحية حديث النشأة ووريث للجبهة الثورية، ومن ثم، فإن خسارته الانتخابات تقضي على المستقبل السياسي لرئيس الوزراء، آبي أحمد، وعودة التيغراي أو تصاعد المد الإثني، ما يضع البلاد أمام آفاقٍ مجهولةٍ لحزبٍ متماسكٍ بسبب تصاعد الوعي القومي بشكل يمنع سهولة الانصهار في الكيان الحزبي.

خسارة الانتخابات ستقضي على المستقبل السياسي لرئيس الوزراء، آبي أحمد، وعودة التيغراي أو تصاعد المد الإثني

وتشير تداعيات تأجيل الانتخابات إلى التشكك في تماسك الازدهار خلال الانتقال من الحزب الواحد للتعددية الحزبية، حيث تبدو سياسات الانتقال محفزةً على إظهار النزعات العرقية بضرورة تميز الانتماء المحلي في مقابل الانتماء الوطني. وهنا، يمثل استفتاء قومية سيداما في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 علامة على تنامي النزعة الإثنية، فهو لا يعدّ مطالبة بالانفصال، بقدر ما يعبر عن مشكلات التعايش، ومن ثم، فتسميتها ولاية إضافية، رقم 10، يعكس القابلية لزيادة النزعات الإثنية. وفي السياق نفسه، يشكل غياب تصور حول علاقات الأورومو بالفيدرالية عقبة أمام استقرار الدولة، ويعد ظهور التحالف القومي الأورومي علامة على غموض وضعهم ضمن الفيدرالية.
وفي هذا السياق، تقوم المقاربة الإثيوبية على أن تماسك الوضع الداخلي يمثل ضمانة لحسن إدارة السياسات حول النيل الأزرق. ويمكن قراءة الأداء السياسي في سد النهضة انعكاساً للانقسامات الإثنية وتعثر مشروع التآزر، ما يرجّح أن يكون التشدد في تشغيل سد النهضة من السياقات الرمزية لاستكمال الروح الوطنية، قد تكفي هذه السياسات لمنع الانهيار، لكن هيكلة النظام السياسي تظلّ تحدّياً أساسياً.

التيغراي بين التمرّد والاندماج المحدود
وبينما تبدو أفكار التآزر تحسيناً لمحاولات سابقة عن الوحدة والاندماج القومي، يذهب "التيغراي" إلى أنها تضع الكيان الإثيوبي أمام منعطفاتٍ حادّة، ويتقارب معهم القوميون من الجماعات الإثنية المختلفة، فبعد وصول آبي أحمد إلى السلطة، اتجهت جبهة التيغراي إلى اتخاذ مواقف دفاعية للاحتفاظ بمكاسبها. ومع نشأة حزب الازدهار، بدت تخطو لأجل إعادة تقييم وضعها السياسي، حيث تعمل على تكوين تحالف سياسي، يقوم على الأحزاب القومية الإقليمية. وكان من اللافت تطلعها للتواصل مع إريتريا لبحث إمكانية التعاون مع التيغراي والمصالح المشتركة، وقد زار سي أبرهة، عضو المكتب السياسي، إريتريا في فبراير/ شباط الماضي، لأجل السلام مع التيغراي ومعالجة فقدانهم السلطة بعد وفاة رئيس الوزراء الإثيوبي السابق، ميلس زيناوي. وفي هذا السياق، أشار إلى أن اندلاع الحرب بين التيغراي والأمهرا أو إريتريا ليس مناسباً. وهنا، يكون دور الجبهة يقتصر على الدفاع الذاتي، والعمل مع الأمهرا على منع الصراعات الإثنية.

تبدو سياسات الانتقال من الحزب الواحد إلى التعددية محفزةً على إظهار النزعات العرقية بضرورة تميز الانتماء المحلي في مقابل الانتماء الوطني

وقد استمر موقف جبهة تيغراي، 4 مايو/ أيار 2020، بأن "الازدهار" لا يتمتع بشرعية إجراء الانتخابات. ويمكن حل الخلاف حول الخلاف الدستوري بتشكيل كيان سياسي، يتألف من أعضاء من أحزاب سياسية مختلفة، عبر حوار وطني، واعتبرت أن تأجيل الانتخابات يمثل الخطوة الأخيرة في تقويض النظام الدستوري، وأن التصرّفات اللاحقة هي بمثابة استيلاء على السلطة. ومع تصاعد الأزمة، شكلت جبهة تيغراي لجنة انتخابية، مهمتها الإشراف على الانتخابات المحلية في أغسطس/ آب 2020، لكنه مع تزايد الأزمة السياسية وعدم الوصول إلى حل دستوري لوضع الحكومة، يمكن تحويل مهمتها إلى الإشراف على استفتاء الحكم الذاتي أو الانفصال، وهو ما يشار إليه بالتدخلات الجراحية، وخصوصاً مع تزايد استبعاد التيغراي من مؤسسات الدولة واعتقال شخصيات مهمة في الجبهة.
وإزاء هذه التطورات، رفضت جبهة تيغراي، 27 يونيو/ حزيران 2020، الانضمام إلى حزب الازدهار، وهدّدت بمقاطعة الحكومة المركزية وعدم الاعتراف بها، إذا لم تجر الانتخابات حتى سبتمبر/ أيلول 2020، وبدأت في مقاطعة الحكومة المركزية، لتكتفي بحكم إقليم التيغراي حتى إجراء الانتخابات، إلى جانب المضي في تشكيل تحالفٍ من الأحزاب الإثنية، لتطرح تنافس القوميين جنباً إلى جنب مع الاتحاديين.
ويتلاقى القوميون الأورومو مع بقاء الفيدرالية الإثنية نظاماً ملائماً، لمنع الدولة من الانهيار، حيث تمثل سيطرة الجبهة الثورية على الجيش والشرطة والبيروقراطية صمّام أمان ضد الانفلات، فيما تفتقر التنظيمات السياسية البديلة للخبرة التنظيمية والإدارية اللازمة لممارسة السلطة خلال الفترة الانتقالية. ولذلك يرون أهمية تشكيل حكومة وحدة وطنية، وليس إيجاد بدائل للجبهة الثورية.

ردّة سياسات الحكومة
وحتى الوقت الراهن، يؤسس رئيس الوزراء، آبي أحمد، شرعيته على تفكيك ميراث التيغراي. وتشير سياسات العامين الماضيين إلى وجود شكوك في تفاؤل الحكومة، فما يحدث هو تدابير رمزية غير متساندة، فعلى خلاف دعوات السلام، ينشغل مكتب رئيس الوزراء باتهام حركة أزيحت من السلطة، جبهة التيغراي، بمشاركة جبهة الأورومو (OLF) في أحداث قتل وعنف، على الرغم من السماح بترخيصها حزباً سياسياً، ما يعكس انخفاض قدرة مراكمة الحوار السلمي اللازم للاندماج القومي.

تبدو سياسات الانتقال محفزةً على إظهار النزعات العرقية بضرورة تميز الانتماء المحلي في مقابل الانتماء الوطني

وقد انصبّ اهتمام رئيس الوزراء على الإفراج عن المحبوسين، والسماح بعودة المغتربين وبعض الإصلاحات الاقتصادية، وفتح مجال الاستثمار والسلام مع إريتريا، لكنه لم يتمكّن من المضي في هذا المسار عندما لم تستطع الحكومة الوفاء بتطلعات القوميات أو معالجة الظلامات التاريخية لجماعة الأورومو. ولذلك ظلت المظاهرات والاعتقالات مادة إخبارية يومية، كان جديدها قمع احتجاج الأورومو في يوليو/ تموز 2020. وبهذا المعنى، يمكن ملاحظة أن سياسات آبي أحمد لا تنطوي على قدر ملائم من التجديد السياسي، إذ يبدو خطاب الحكومة الفيدرالية متأثراً بالاقترابات السلطوية، واستبعاد المنافسين المحتملين، فكثيراً ما تشير الأحداث إلى استبعاد ممثلين سياسيين من التيغراي، واعتقال قادة معارضين، ما يشكّل امتداداً لعمليات الجبهة الثورية.
عودة إلى الميراث التاريخي
تفرض هذه التطورات تحدياتٍ أمام التحول من هيمنة التيغراي إلى حزب آخر، بعد ما يقرب من 30 عاماً طغت فيها العلاقات التنظيمة والشبكية على الثقافة الإثنية، ما يشكّل تحدّياً أمام حزب الازدهار في الحصول على الأغلبية المناسبة للحكم واللازمة للحراك الحزبي، ولعل أهم المعضلات يكمن في غياب فروق واضحة للنظام الجديد عن الوضع السابق، وخصوصاً ما يرتبط بمدى اختلاف تصوّره للعلاقات الإثنية، فبينما كانت أفكار زيناوي صلبة وواضحة في تعريف الفيدرالية الإثنية، تبدو محاولات آبي أحمد قاصرةً على تحويل السلطة بعيداً عن التيغراي والأمهرا من دون بدائل نظرية واضحة، فتركيبة "الازدهار" من أحزاب إقليمية تستحوذ على النفوذ المحلي تتعارض مع السعي إلى تكوين حزب عضوي على المستوى الوطني. ولذلك تبدو محاولات طرح "الازدهار" كإعادة إنتاج الإثنية بإضافات هامشية.

تركيبة "الازدهار" من أحزاب إقليمية تستحوذ على النفوذ المحلي تتعارض مع السعي إلى تكوين حزب عضوي على المستوى الوطني

ولذلك، لا تبدو الأطروحات الحالية قادرةً على الحد من تطلعات الأمهرا للعودة إلى السلطة. ولعل افتقاد آبي أحمد القاعدة الإثنية يساعد على تأكيد الدورات التاريخية للتداول على السلطة، كما لا يعطي استجابات لتطلعات الأورومو في الحقوق السياسية والمشاركة في السلطة والثروة، فمنذ انتهاء انتخابات 2015، وفيما يتزايد نفوذ الأمهرا، وقع الأورومو ضحية عنف الحكومة الفيدرالية، أو تطبيق الدستور في ما يخص حقوقهم في أديس أبابا، حيث ظلت حالة القمع في تزايد، كما تحاول الحكومة الفيدرالية تطويقهم عبر عزلهم عن القوميات المجاورة؛ كالعفر والصوماليين والقوميات الجنوبية. وبهذ المعنى، ساء وضعهم مع تولي آبي أحمد السلطة، وصارت مسألة الاحتواء أولوية السياسات الحكومية، وليس إصلاح أوضاعهم وإدماجهم العادل في النظام الفيدرالي.
هذه بعض ملامح صعوبة انتشار السلطة المتساوية داخل الحزب الجديد، وأيضاً قيود تماثل نظرة الإصلاحات الحكومية لمكونات الكيان الإثيوبي. وبهذا المعنى، تبدو عوامل الصراع بين القوميات الكبرى على السلطة والثروة محبطة للتغيير السياسي، وداعمة بقاء نفوذ الفاعلين في الكيان الإثيوبي أو هيمنتهم عليه، واستمرار القوميات الأخرى موضوعاً للتجاذب بين التيغراي والأمهرا.