أميركا: مئة يوم قبل الاستحقاق الكبير

26 يوليو 2020
الصورة
تلميحات ترامب تنذر بأزمة كبيرة في حال خسارته (Getty)

بعد مئة يوم يختار الأميركيون بين دونالد ترامب وجو بايدن. انتخابات الرئاسة استحقاق اميركي كبير، لكنه يمر عادة بصورة سلسة. قبل منتصف الليل تكون النتائج معروفة، وإذا وقع إشكال في الفرز، وهو أمر نادر، يحله القضاء. لكن هذه الانتخابات قد لا تنتهي كذلك.

الشكوك والمخاوف كثيرة من أن تكون الولادة عسيرة. وربما خطيرة. فمنذ فترة وهذا الحديث يتردد في الأروقة الفكرية والإعلامية والسياسية، مع الإعراب عن التخوف من أزمة كبيرة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني القادم. والآن مع بدء العد العكسي المئوي، انتعشت هذه النغمة، مع التشديد على ضرورة الاستدراك والتحوط المبكر، في ضوء ما يتوالى من تلميحات وخطوات يرون بأنها ليست سوى مقدمات "لافتعال مشكلة" دستورية – سياسية غداة الاقتراع لو فاز بايدن.

مرجعيات أكاديمية وقانونية وفكرية تتحدث بلغة التحذير من زحف " الاستبداد والفاشية"، وبما يؤدي في النهاية إلى "تآكل الديمقراطية " الأميركية

ومن المتوقع أن ترتفع نبرة هذا الحديث مع الاقتراب من الموعد. وما يستوقف فيها أنها لا تقتصر على خصوم الرئيس الحزبيين فقط، بل تشمل أيضاً مرجعيات أكاديمية وقانونية وفكرية تتحدث بلغة التحذير من زحف " الاستبداد والفاشية"، وبما يؤدي في النهاية إلى "تآكل الديمقراطية " الأميركية بسبب ممارسات الرئيس، مع كل ما يترتب على ذلك من عواقب وانعكاسات مكلفة داخلية وخارجية.

هذه المخاوف قد يكون مبالغا فيها من جانب البعض لتوظيفها سياسياً وانتخابياً. لكنها كالدخان ليست بدون نار، وإن كانت هذه الأخيرة تحت الرماد. فهذا الخطاب له خلفيات، فضلاً عن المؤشرات التي توالت مؤخراً. في حملته الانتخابية عام 2016، قال الرئيس ترامب إنه يقبل بنتائج الانتخابات "فقط إذا كان الفائز". يوم الأحد الماضي ردد نفس المعزوفة، في جوابه على سؤال، ومن جهة موالية له (فوكس نيوز )، عما إذا كان على استعداد للتسليم بنتيجة التصويت كيفما انتهت إليه، حين قال "لا أستطيع الالتزام من الآن... إلا بعد أن أرى ".

في حملته الانتخابية عام 2016، قال الرئيس ترامب إنه يقبل بنتائج الانتخابات "فقط إذا كان الفائز"

ذلك الرفض لقبول القاعدة المتوارثة أعطى ذخيرة لأصحاب المخاوف، خاصة في ضوء تصريحاته الأخيرة بأن الانتخابات ستكون "مزورة " لو جرى تصويت قسم كبير، وربما الأكبر من الأميركيين، عبر البريد بحكم مانع كورونا. والمعروف أن العديد من الأميركيين يصوت بهذه الوسيلة كغائب، أو إذا اختار التصويت قبل الآوان، وهي طريقة قانونية ومعهودة تقليدياً.

ومن العلامات الأخرى التي أثارت الريبة، استعانة البيت الأبيض بقوات فيدرالية متنوعة (من حرس الحدود والجمارك...) لمواجهة التظاهرات المستمرة في بعض المدن منذ مقتل الأميركي ذي البشرة السوداء جورج فلويد قبل حوالي شهرين، بعد ان رفض البنتاغون تكليف الجيش بمهام أمنية داخلية. خطوة أثارت القلق من باب أنها "تشكل نوعاً من التجريب الاستراتيجي على طريق الفاشية"، حسب البروفسور مايكل ستاينبرغ، أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، الذي قال إن " الكارثة تبدو أسوأ فأسوأ يومياً".

وقد حرك موضوع القوات الفيدرالية شكاوى أمام المحاكم، على أساس أن استخدام هذه القوات لا يتم إلا بموافقة وطلب حاكم الولاية، والذي لم يحصل. التهمة أن الرئيس يعمل من الآن على تسخين المواجهات للتأثير في الانتخابات عبر  "استنفار مناصريه" في الشارع المقابل، وبما قد يؤدي إلى تنفير الناخبين من التصويت، وقد لا تكون خطوات الرئيس أكثر من تهويل.

لكن السوابق تعزز الشكوك التي ذهبت إلى حدّ التنبيه من " تسلل الفاشية" إلى أميركا، بتعبير وزيرة الخارجية السابقة مادلين أولبرايت، التي ألّفت كتابين حول هذا الموضوع. حقل الوضع الأميركي عشية هذه الانتخابات مفخخ ومزروع بالألغام. كورونا تزيد من تفخيخه لو بقي الفيروس على قوته الحالية، التي بلغت أمس 73 ألف إصابة يومية، وأكثر من ألف وفاة في الأيام الأخيرة، والتوقعات إلى أسوأ، خاصة في الخريف موعد التصويت، الأمر الذي قد يعزز من الإشكالات في يوم الانتخاب، ويحوله إلى نفق طويل، وبما يبرر القلق الحقيقي حول أزمة كبيرة قادمة.