أمجد ناصر.. طريق الشعر والسفر

27 مايو 2019
الصورة
(أمجد ناصر)
+ الخط -

في أواسط التسعينيات ونحن على مقاعد الدرس، لم يكن يُذكر اسم أمجد ناصر (1955) الذي بدأت تجربته تتكرّس ضمن موجة حداثة شعرية أردنية وعربية جديدة برزت في العقد السابق، إلا ويُقرن بغيابه عن الجغرافيا التي تركها مبكراً لكنها لم تغادر نصوصه إلى اليوم.

ظهرت قصائده لعدد من أبناء جيلي مثل نشيد ثوري ارتبط بتلك اللحظة التي تعاظمت فيه التضييقات والملاحقات الأمنية بحكم انتمائه إلى اليسار الفلسطيني، فقرّر في نهاية عام 1977 الالتحاق بكوادر أحد فصائله في بيروت، وتصادف الأمر مع ثيمة الرفض لكلّ بنى المجتمع والثقافة والسلطة التقليدية التي طبعت شعره.

لم نفكّر حينها بأسباب أخرى ربما ترتبط بفقدان حبيبة أو بنزق شخصي أو بحادثة عابرة دفعته إلى أن يخلع اسمه الأول "يحيى النعيمي" ومعها ثوب العشيرة وحياة الفتى القادم من الأطراف في عمّان، التي اختبر فيها أول التمرد والنقد والسخرية من شخصيات وخطابات وأفكار ماضوية كانت تجد آنذاك منابرها في الوسط الثقافي، كما سيحدّثنا أقرانه لاحقاً.

نقرأ ذلك منذ "مديح لمقهى آخر" (1979)؛ مجموعته الأولى والوحيدة التي تنتمي إلى التفعيلة، ونعثر فيها على احتفاء واشتهاء كبيرين بالحياة ولها ورغبة في الخروج على أشياء كثيرة، سيكون في طليعتها شكل القصيدة حيث كتَب النثر مع مجموعته الثانية "منذ جلعاد كان يصعد الجبل" (1981)، التي يدوّن في أحد مقاطع قصائدها "مطالب":
وزﱢعوا علينا:
بلاداً جديدةً
ملوكاً،
ورؤساءَ جمهورياتٍ،
محاكمَ
وقضاةً
شرطَةً
ومساجدَ
شيوخَ عشائرَ
وأحزاباً مُساوِمَةً
رسلاً وشعوباً،
وزﱢعوا عصيّاً أغلظَ من تلك التي
تتهشم على أجسادنا فوراً.
وزﱢعوا علينا قبوراً لائقةً
وأكفاناً أكثرَ بياضاً
من تلك التي تُرسِلونها عادةً.

بريشة يوسف عبدلكيبعد مجموعتين نالتا حظهما من التقدير، يترك أمجد ناصر لبنان التي لم يأتها فقط بحكم انتمائه الحزبي زمن الثورة الفلسطينية، بل إنها أقرب مكان لاحتمال آرائه في تغيير هذا العالم أو هكذا بدا له حينها، لكن دخوله في التجربة ستنتهي بالحصار والاحتلال والخروج القسري مع المقاتلين، وبـ "بيروت صغيرة بحجم راحة اليد" (2013).

لن يكون عام 1982 كما قبله. البدوي الذي حفظ أسماء القرى والبلدات الأردنية وتاريخ أهلها وأساطيرهم عن ظهر قلب، وصاغ لهم أناشيد لحيرتهم الراهنة هاتفاً ومبشّراً "أيها الإقليمُ أعلِن العصيان" (منذ جلعاد كان يصعد الجبل)، ويمضي بها إلى حيث يلقى الهزيمة؛ هزيمة لن تعيده إلى مكانه الأول وسترسله إلى منافٍ جديدة يقلّب ذاكرته والشعر ومآلات التيه العربي.

إلى نيقوسيا وعدن ثم لندن، سيكون المسير لكن بصبر وطول تأمّل يحكمه بوح مديد لكن عبارة واحدة ستفلت منه مراراً، يقول فيها إنه "لم نتغيّر كثيراً" والتي سيفتتح بها مجموعته "رعاة العزلة" (1986) ويعيدها في مقابلات صحافية ونصوص بصيغ مختلفة تشير إلى معانٍ متعدّدة؛ العود الأبدي إلى طفولته بوصفها الفردوس المفقود، وترحاله الذي ابتدأه مذ كان في موطنه ولمّا ينته بعد، وتأهبّه للطيران من جديد كلما نظر المسافة بين كلّ أرض يقف عليها وذاكرته.

يجيبني عن سؤالي: "أين يقف اليوم؟" في حوار أجريته معه عام 2010، "يحلو لي أن أتصور أنني أبحث، كل هذا الوقت، عن قصيدتي المثالية، عن كتابتي المثالية، عن أرض استقر عليها. وأنا تقلبّت في بلدان ومدن عديدة ولم أعرف الاستقرار النهائي رغم أنني أقيم في لندن منذ عشرين سنة. لكني بقيت أشعر، في داخلي، إنها إقامة مؤقتة. وأنني بانتظار عودة ما، أو الوصول إلى أرض ما".

لن تكون تلك الوقائع التي نسجت سيرته المختلفة مسرح كتابة الوحيد، رغم ارتباطه الوثيق بجميع الأمكنة التي أقام بها وأصدقائه ومن عرفهم على الطريق والذي يحضرون على الدوام في نصوصه وبعضهم لأكثر من مرّة، سنشهد بعد ذلك تمعنّاً وتفكّراً وتأمّلاً أعمق بالحاضر أيضاً "بوجوهه المتجهمة، بصعوبة فهمه، بمحاولة ربطه بصيرورة ما"، على حد قوله.

في التسعينيات، سيكتب صاحب "وصول الغرباء" (1990) مقالات منتظمة في الصحافة لن يمّر واحد منها دون تسجيل انحياز أو موقف ما يعبّر عنه متخلّصاً من عبء الأيديولوجيا وقيودها، حيث يطرح فيها تساؤلاته الحرجة حول تاريخ عاشه أو حدث لا يزال أثره حاضراً، مستعيناً بما يملك من تجربة ومعرفة واطلاع ودون تنازل عن أسلوبية كتابية تغرف من الشعر والأدب.

بالحساسية ذاتها، يخوض أمجد ناصر في الفترة ذاتها تجارب سردية بين السيرة الذاتية وشهادات عن الواقع والشعر والناس، ومثّلت أيضاً نزوعاً نحو السجال الذي يفرضه استعادة أحداث أو معايشات مضت، وإن لم يحّفز غالباً روحاً سجالية لدى من يهمّه الأمر، كما في كتابيه "خبط الأجنحة" (1994)، و"طريق الشعر والسفر" (2008).

لن يتوقّف صاحب "سرّ من رآكِ" (1994) عن إعادة تشكيل ما أسماه في إحدى قصائده "حطام الوصف" لكن خارج الشعر، فلم يكتف بإصدار عدّة مؤلفات في أدب الرحلات إذ نشر روايتيْن: "حيث لا تسقط الأمطار" (2010) و"هنا الوردة" (2016) يذهب في كليهما نحو فانتازيا غير متوقعة في محاولة لاستيعاب واقع غير مفهوم.

اليوم، نتتبع تطواف أمجد ناصر منذ خروجه من عمّان قبل اثنين وأربعين عاماً إلى محطّات عديدة محتفظاً برائحة المكان الأول، الذي عاد إليه مؤخراً، وأثره ومقلّباً هزائم عربية متتالية في قدرية لا تخصّ أحداً سواه.

دلالات

المساهمون