أعباء كارل ماركس

23 ديسمبر 2016
الصورة
يوسف عبدلكي/ سورية
+ الخط -
يجب أن يكون "الماركسي" العربي الذي يهتف للقصف الروسي على مدينة حلب قد نزع عن نفسه كل المشاعر الإنسانية، وتخلّى عن أيّ قيمة أخلاقية، ليستطيع أن يغمض عينيه عن موت آلاف المدنيين تحت وابل من قنابل الروس وحلفائهم، بذريعة السعي للقضاء على بضع مئات من المتشدّدين الإسلاميين.

اللافت أنه في كل مرّة يسجّل هذا الهتاف، يضع اسم الروسي أمام السوري، متباهياً بوطنية ميتة، كان سلفه الراحل خالد بكداش، يعتبر الولاء لسلف روسيا الراحل الاتحاد السوفييتي مقياساً لكل وطنية.

وسوف تسمع من هذا الماركسي (وهناك من غير الماركسيين من يردد ذلك بالطبع) قولاً آخر ينتمي إلى الحسابات "المنطقية" المستندة إلى "المعرفة" التاريخية على هذه الشاكلة: من الطبيعي أن يذهب عدد من المدنيين ضحية الحروب؟ اقرؤوا التاريخ وعندئذ سوف ترون أن عشرات المدنيين راحوا ضحية الاشتباكات الحربية، فما يغضبكم في حلب؟ (يغضبنا). ممكن.

ولكن السؤال الذي نسأله اليوم هو: لماذا تؤيد قتلهم أنت؟ وما العدد المسموح به؟ لا توجد أرقام محددة لدى هؤلاء الذين يشرعنون موت المدنيين في الحروب؟ سوف يترك المدافع عن الموت الباب مفتوحا أمام خياراته وذرائعه كي لا تنغلق النظرية التاريخية.

أين المشكلة؟ هل هي في النظرية الأم، أم في تفسيراتها المتتالية؟ هل يتحمّل ماركس أعباء ستالين وجميع القتلة؟ وإذا ما استيقظ يوماً ورأى شيوعياً فلسطينياً، يهتف لبارجة روسية، تقصف بيتاً حلبياً، يقطنه سوريون، ماذا يمكن أن يقول؟ أين يمكن أن يجد الشيوعي السوري أو اللبناني أو الأردني نصاً ماركسياً، يسعفه في الاحتفال بموت حلب، أو حمص، أو القصير، أو أي بلدة سورية أخرى؟

المرجّح أنه لن يعثر لدى الرجل على أية معونات أيديولوجية. ولن يجد في كتبه مقوّيات يمكن تجرعها لمتابعة الطريق نحو المزيد من المواقف التي تؤيّد قتل النساء والأطفال، دع عنك الرجال، في حلب أو غيرها من المدن السورية. فأين هي الزوّادة المعرفية التي تمكّن الماركسي، من أن يؤيد القتل، ويزعم أنه يخلص لأفكار ماركس؟ يقول جاك أتالي، الذي لا يحب كارل ماركس، ولكنه يسعى إلى إنصافه في كتاب سماه " كارل ماركس: فكر العالم" إن الأتباع يشوّهون المعلّمين، والمفكّرين، والأنبياء أيضاً.

كان ماركس، بحسب أتالي "يختار طوال حياته تفضيل الحرية" و"كان يؤمن بطيبة الإنسان، ويدعو إلى تسليمه مفاتيح مجتمع حر". ومن المؤكد عندي أنه لم يكن يتخيّل ذات يوم أن يكون من بين أتباعه، ستالين، أو بول بوت. فلدى الأتباع دائماً تفسيرهم الخاص الذي جعل ستالين مثلاً يلخص الماركسية كلّها في كتيب تافه، أو جعل بول بوت يعتبر أن تطبيق الاشتراكية يتطلّب تلالاً من جماجم الكمبوديين، أو جعل الشيوعي العربي يحتفي بموت حلب.

ذات يوم قيل لمادلين أولبرايت: إنكم تقتلون الأطفال في العراق جراء الحصار، فردّت إن الأمر يستأهل ذلك. كانت الوزيرة الأميركية تدّعي أنهم يقدمون "حضارتهم" بديلاً. فما البديل الذي سيقدمه "الشيوعي" العربي لموت الأطفال السوريين؟