أطباء مصر بين ضعف النقابة وطغيان النظام

02 يوليو 2020
الصورة

ألقت جائحة كوفيد 19 الضوء على مدى الظلم الذي يتعرّض له العاملون في الصحة في مصر منذ عقود طويلة، ومدى الاستهتار بأرواحهم، وعدم توفير وسائل الحماية لهم للحفاظ على حياتهم وصحتهم، فحتى كتابة هذه السطور استشهد مائة طبيب، بكى عليهم أهلهم ومرضاهم، بل ومصر كلها. ومع الأسف الشديد، يبدو العدد مرشحا للزيادة مع تجاهل السلطات. ويبدو أن المسؤولين لم يدركوا بعد حجم المصيبة، وأن مصر تفقد يوميا عنصرا من أغلى ما تملك، إنهم أبناؤها المخلصون الذين ضحوا بأنفسهم من أجل أهلهم ووطنهم.

مع الأسف، منذ عقود طويلة، كان عدم تقدير الأطباء، والغفلة عن حقوقهم، السمة الغالبة في مصر، حيث تدهور وضعهم، ومُنعوا من مساواتهم بباقي قطاعات الخدمات في الدولة، كالشرطة والجيش والقضاء. وأفشلت سلطات ما بعد "30 يونيو" في العام 2013 محاولة جعل كادر خاص لهم موضع التشريع والتنفيذ، من خلال برلمان ثورة 25 يناير، ووجد بعضهم أن الهجرة إلى الخارج هي الحل من أجل حياة أفضل.

 

آن الأوان لتصحيح وضع الأطباء والعاملين في مجال الصحة في مصر، وإلا ستكون القدرة على إقناعهم شبه مستحيلة

وباتت الحاجة شديدةً للأطباء والعاملين في الصحة، خصوصا مع "كوفيد – 19"، وقفز الاهتمام بهم إلى الواجهة من جديد، فأطباء مصر الذين يقدّر عددهم بـ240 ألف طبيب، منهم 82 ألفاً في وزارة الصحة، استقال منهم في عام 2019 فقط 3500 طبيب، لعدة أسباب، منها ضعف الحماية وعدم توفر الإمكانات ووسائل الحماية وقلة الرواتب وعدم وجود فرص للدراسات العليا والهجرة إلى الخارج، وغيرها من الأسباب. وحسب وزارة الصحة، 60% من أطباء مصر هاجروا إلى الخارج أو استقالوا أو في إجازة. ويبدو أن هذا الأمر لم يرق للمسؤولين الذين أطلقوا مصطلحات التسكين والترضية، مثل تحية تقدير وإعزاز للعاملين في الصحة، فقط كي تمر الأزمة، وتعود بعدها ريما إلى عادتها القديمة، ولن يفيدهم هذا على المدى البعيد، بعدما تجاهلوا إصدار تشريع وتنفيذه على أرض الواقع، يعيد إلى الأطباء وأعضاء المهن الطبية حقوقهم، وينصفهم ويحميهم، ويرد لهم بعض الاعتبار. والعجيب أن الدولة التي عجزت عن توفير الماسكات ووسائل الحماية للأطباء وأعضاء الفريق الصحي، نجدها تتبرع بها إلى إيطاليا، فلربما تخفي الماسكات والأقنعة وجه الحقيقة في قضية قتل الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، وكم ذا بمصر من المضحكات ولكنه ضحك كالبكا (المتنبي).

ضاع الأطباء في مصر بين الجهة الحكومية (وزارة الصحة والسكان) التي تحولت الوزيرة، هالة زايد، فيها إلى سكرتيرة أو مديرة مكتب، تنفذ التعليمات ولا تكترث بالاستغاثات والمناشدات التي صدرت من الأطباء، بل والاستقالات التي ملأت وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تتحرّك لتوفير سرير في قسم العناية الفائقة لطبيب أصيب بكورونا في أثناء أداء واجبه في علاج المرضى، وتشغل نفسها بضرورة توفير هذا السرير لإحدى الفنانات وبسرعة فائقة، ما يستوجب محاسبتها قانونيا وبرلمانيا. ولكن هيهات هذا في ظل نظام ما بعد 2013، وبين الجهة النقابية، نقابة أطباء مصر، النقابة العريقة ذات التاريخ الطويل في الدفاع عن الحقوق والنضال الوطني الشريف (وهو أمر معروف ولا يحتاج مزايده من أحد)، النقابة التي حفل تاريخها بعشرات المواقف المشرّفة ومئات من الشخصيات الوطنية من كل الاتجاهات الفكرية، وأفرزت قامات نقابية مناضلة، سطّرت أسماؤهم بحروفٍ من نور، والتي شهدت عصرها الذهبي في العمل النقابي، بحسب مراقبين، إبّان تولي مجلس النقابة أطباء من الإخوان المسلمين، إذا بنا نجدها الآن قد التزمت الصمت الرهيب، واكتفت ببيانات نعي الأطباء، وإعلان الحداد على موقعها على الشبكة العنكبوتية، ولا عزاء للحقوق المشروعة للأطباء.

يقدر عدد أطباء مصر بـ240 ألف طبيب، منهم 82 ألفاً في وزارة الصحة، استقال منهم في 2019 فقط 3500 طبيب

وربما يتساءل بعضهم: أين الأشاوس من صقور مجلس النقابة الذين دخلوها بعد العام 2013، أصحاب التصريحات القوية أيام الحرية وفي أثناء ثورة يناير المجيدة، مطالبين بالكادر المالي وباقي الحقوق؟ هل تحوّلوا إلى حمائم وديعة، وصاروا كالذي يقول للنظام: تسمح لي أعارض سيادتك يا باشا لو تكرّمت؟ أليس هذا الأداء النقابي ضعيفا وهزيلا، بل ومتخاذلا؟ ويرى آخرون أن مجلس النقابة الحالي قد بذل أقصى ما يستطيع، في ظل الهامش المسموح به من سلطات الاستبداد، وفي ظل تأميم الأجهزة الأمنية في مصر العمل النقابي، بل ومؤسسات المجتمع المدني كلها. وبين هذا وذاك، ضاعت حقوق أطباء مصر ومطالبهم. في حين أن حقوق الأطباء، من الناحية القانونية، منصوص عليها بوضوح، فقوانين النقابة ولوائحها تفرض عليها حمايتهم. وقانون رقم 45 لسنة 1969 بشأن نقابة الأطباء التي تحميهم، وتصون حقوقهم، وترفع من قيمة المهنة الإنسانية، والذي ينص في مادته رقم 2 بفقراتها المتعدّدة على: تجنيد طاقات الأطباء ليؤدوا مهنتهم من أجل حل المشكلات الصحية للشعب، والمشاركة مع جميع فئات العاملين في الخدمات الصحية لتنسيق الجهود من أجل كفايتهم، وزيادة الإنتاج في الخدمات الصحية، والعمل على رفع مستوى مهنة الطب، وقائياً وعلاجياً، وتطويرها بما يحقق للشعب أكبر قدر من الرعاية، والمشاركة في رسم التعليم الطبي وتطوير المناهج والتـدريب الفني للأطبـاء على المستوى المركزي في القاهرة، والإقليمي في المحافظات، عن طريق النقابات الفرعية والارتفاع بالمستوى العلمي للأطباء. والمشاركة في رسم سياسة توفير الأدوية والمستلزمات الطبية وتشـجيع صـناعة الأدوية الوطنية، والمساعدة في تهيئة فرص العمل لكل طبيب، وتنظيم العلاقة بين الأطباء، وتنمية روح التعاون وتقوية الروابط بينهم، وتيسير الخدمات العلاجية والاجتماعية للأطباء وأسرهم، والعمل على تهيئة الظروف المادية والمعنوية التي تصون مصالحهم، وترفع مستواهم.

وينص الدستور المصري في مادته 18 على: لكل مواطن الحق في الصحة، وفي الرعاية الصحية المتكاملة، وتلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة، لا تقل عن 3% من الناتج القومي ...... وتلتزم الدولة بتحسين أوضاع الأطباء وهيئات التمريض والعاملين في القطاع الصحي. وتؤكد وزارة الصحة على كل هذه الحقوق في عشرات القرارات الوزارية المتتالية. ولكن يبدو أنه لا توجد إرادة سياسية حقيقية لإصلاح الأوضاع المقلوبة، وإعادة الاعتبار للمهن الطبية، بل تطور الوضع أخيرا إلى تهديد الأطباء بالاعتقال والتعذيب والسجن والتشريد، فمن فرض الدستور لا يلتزم به أبدا، ومن تصدّى للعمل النقابي لا يؤدي واجبه كما ينبغي. لقد ضاع الأطباء بين طغيان من قال "اقعد انت مش عارف بتقول إيه"، وضعف من قال "تسمح لي يا باشا بالاعتراض".

أمام النظام فرصة ليتحلّى ببعض الحكمة، ويقوم بتحسين صورته خارجيا وداخليا، ويستجيب لمطالب الأطباء العادلة، من أجل تحقيق مصلحة المواطنين

آن الأوان لتصحيح وضع الأطباء والعاملين في مجال الصحة في مصر، وإلا ستكون القدرة على إقناعهم شبه مستحيلة، ويصير التفاني في العمل وبذل نفوسهم ضربا من الخيال. وعلى الأطباء أن يضغطوا على نقابتهم من أجل: توفير بيئة عمل مناسبة ووسائل حماية كافية للحفاظ علي حياتهم والارتقاء بمستواهم العلمي والفني، والعمل على برامج علمية لتدريبهم وإعدادهم لمواجهة هذه الجائحة، وتبادل الخبرات مع الدول التي حققت نجاحا، وتوفير علاج مناسب لهم ولأسرهم، وحمايتهم من التهديد والوعيد من السلطات الحالية، مع ضرورة تبنّي مشروع كادر مالي للأطباء والمهن الطبية، واعتبار كل من فقد حياته خلال معركة كوفيد - 19 شهيدا للوطن، تكون له ولأسرته كل الحقوق المادية والمعنوية، وإطلاق أسماء الشهداء على المستشفيات والمنشآت الطبية والشوارع والميادين، وعمل يوم وطني لتكريم شهداء الأطباء والعاملين في الصحة. وعلى من في دار الحكمة (مقر نقابة أطباء مصر) أن يستجيبوا فورا لذلك، ويؤدوا واجبهم النقابي والوطني بشجاعة، وألا يكتفوا بإعلان الحداد والمؤتمرات الصحافية، وأحرى بهم أن يستقيلوا أو يقالوا.

وأمام النظام فرصة ليتحلّى ببعض الحكمة، ويقوم بتحسين صورته خارجيا وداخليا، ويستجيب لهذه المطالب العادلة، من أجل تحقيق مصلحة المواطنين، وتوفير حق الخدمات الصحية للشعب وفقا للدستور الذي أقسم عليه، وإلا سيلعن المصريون من فيه، ومستقرّهم هو مزبلة التاريخ. .. إذًا أمام الجميع فرصة ذهبية لإصدار تشريع وتنفيذه، لإنصاف العاملين في مجال الصحة، فهل سيقتنصون الفرصة أم ما زلنا في زمن الفرص الضائعة.

السيد رأفت العابد
السيد رأفت العابد