أزمة الحوار وانحدار في المعارضة المصرية

20 فبراير 2018
الصورة

عبد المنعم أبو الفتوح..لغة بلا ذوق عنه (25/5/2011/فرانس برس)

+ الخط -
أثارت مواقف جانب من المعارضة المصرية تجاه الحوارات التلفزيونية أخيرا لرئيس حزب مصر القوية، عبد المنعم أبو الفتوح، انتقاداتٍ واسعة، تضمنت سقطات أخلاقية بعيدة عن حسن السياسة، وهو ما صار يشكل واحدةً من سمات النقاش السياسي المصري، ما يلفت الانتباه إلى التساؤل عن الثقة في المعارضة على طرح بدائل وسياسات تليق بالمجتمع المصري، وترسخ قيم العفاف سواء بسواء بالحرية وقبول الاختلاف. وقد صاحبت هذه الأحداث جملة من المصطلحات، تكشف عن انحدار الذوق السياسي والاجتماعي الذي وصل إليه مستوى التفكير، في ظل ادعاء بالسعي إلى حل مشكلاتٍ تواجه الدولة عبر برامج وسياسات تنقل المجتمع إلى وضع أفضل، غير أن محتوى بعض الكلمات ودلالاتها يظهر وكأن الحالة هي خصومة سياسية تقطع الطريق على التفكير والاجتهاد .
تضمن القاموس السياسي الجديد مصطلحات كثيرة تعبر عن طبيعة التفكير والتناول، لا تبدو أهمية هنا لحصرها، ولكن يمكن الإشارة إلى بعضها، كالتدليس وحظ النفس وجهول ومزبلة التاريخ، وغيرها متاح للتداول العلني بين معارضين يسعون إلى الإصلاح. ولعل أي تقييم سريع وإجرائي يخلص إلى أنها كاشفةٌ عن مستوى الانحطاط في التصدّي لقضايا تتعلق بحقوق الإنسان والعدالة، كما أنها تنتج سياقاتٍ ثقافيةً تمجد الترهيب، ولا تجيز الاختلاف والنقد. وفي ذلك، تفوقت على التقييمات التقليدية التي كان أقصى أمانيها وصف النخبة بالانحطاط أو التحنط. ومن ثم، فإن شيوع هذه الاصطلاحات من دون تصحيح يناقض فكرة الإصلاح، أو حتى الثورة.

ويمكن ملاحظة أن موضوع الخلاف انصب أساسا على مواقف سياسية، تحتمل الاختلاف والتنوع والآراء البديلة، وهي بالطبع تقع في مستوى الاجتهاد، لكن نقلها إلى سياقاتٍ أخرى تحبذ الاستبعاد والتخوين وإساءة الذوق، يوضح أن المجتمع السياسي يقف أمام معضلةٍ أخلاقيةٍ تتطلب البحث والاقتراب من مصادرها، والعوامل التي شكلتها، ولعل استخدام بعض المنضوين في حركة الإخوان المسلمين والمعارضة كلمات مبتذلة المعنى والمقصد، يثير الجدل بشأن طبيعة الثقافة السياسية المكتسبة في العقود الماضية، حيث إن دلالتها لم تقتصر فقط على الطعن السلبي، لكنها استبطنت الإقصاء، وعدم القبول بأفكار أو مواقف مغايرة. وبالتالي، ليست المشكلة في توفر المحتوى السياسي للشخصيات العامة والحركات المشاركة في ثورة يناير، لكنها تكمن في طريقة قراءتها وتفسيرها، باعتبارها ممارسة سياسية تخضع للتقيييم النزيه، فالملاحظ أن التفاعلات المصاحبة للحوارات عكست أمرين: الأول، أنها صاحبة المسؤولية السياسية عن ثورة يناير، على الرغم من أن التصويت لها لم يكن شعبوياً جماهيرياً، واقتصر على نحو 51%، وهو ما يعكس توجهاتٍ وتطلعاتٍ احتكارية، تعبر عن الديكتاتورية الثورية، وهي حالةٌ أقرب إلى الوصاية على المجتمع، ما يثير القلق بسبب تراكم حالات الاستقطاب. والثاني، حيث إن قسماً كبيراً من التفاعلات أجرى مراجعة سلبية وانتقائية لتاريخ عبد المنعم أبو الفتوح و"الإخوان المسلمين"، وهو تناول يتجاوز الأحداث السياسية الراهنة لسياقات تاريخية أخرى، لا ترتبط بالثورة أو التحول السياسي، بقدر ما ترتبط بخلافاتٍ فكريةٍ أو أيديولوجية.
وعلى الرغم من انتشار هذه الثقافة في شرائح عمرية مختلفة، لكنها لا تمثل التيار السائد في الرأي العام، لكنها، على أية حال، تبقى ظاهرةً مهمةً للتعرف على أسباب التحيز الأيديولوجي وانقطاع الحوار، حيث تتسم بخصائص استقطابية وانعزالية، وهي ما يشكل العامل الأساسي وراء القراءة الأحادية للتصرّفات السياسية، واعتبارها مركزاً معيارياً لتفسير مواقف الآخرين، وهي قناعةٌ تميل إلى الاستبداد، ويصعب قبولها إطارا ضمن الحلول الديمقراطية.
وصف "الإخوان" اعتقال أبو الفتوح بأنه تعسفي، في موقفٍ جاء متأخراً ومرتبطاً بالدفاع عن الزج بهم في تداعيات الاعتقال، واستخدام كيان "المكتب العام" لاسم الجماعة وشعارها. ويمكن القول إن الهدف الأساسي لبيان الجماعة (18 فبراير/ شباط 2018) يكمن في الرغبة في تحديد الأطر التنظيمية للجماعة، وتكرار التأكيد على توجهاتها الفكرية، لكنه لم يوضح موقفها من تدني مستوى الخطاب، ليس موقفا سياسيا، ولكنه توجيه أخلاقي، وهو ما يشير إلى وجود فجوة بين الخطابين؛ الرسمي والشعبي، توضح تراجع قيمة التسامح والالتزام باحترام حصوصية المنافسين والمختلفين في الرأي والمواقف السياسية، وليس السعي إلى جدلية إحداث الأزمات من دون حلها.

ويمكن النظر إلى الانتقادات الموجهة إلى حوارات أبو الفتوح التلفزيونية أخيرا باعتبارها الوجه الآخر المعبر عن ضعف قدرة المعارضة على تحقيق إنجاز سياسي، وتفاقم أزماتها الداخلية، وخصوصا ما يتعلق بأزمة السياسات البديلة والممكنة، حيث إن ظهور تعليقاتٍ غير لائقة، على الرغم من انخفاض مساحة تناول "الإخوان المسلمين" والمعارضة في الحوارات، يثير أسئلة، كثيرة متعلقة بافتراض تماثل التزامات كل السياسيين، على الرغم من عدم مشاركتهم في السياسات التي اتخذت خلال تلك الفترة.
ويمكن القول إن مرور خمس سنوات، وعدم قدرة المعارضة و"الإخوان" على إحداث تقدم في ملف استعادة الشرعية يلقي أعباء المسؤولية على كل من قيادة جماعة الإخوان المسلمين وفرق دعم الشرعية التي أعيد إنتاجها من دون تقييم أسباب فشلها، سواء في الملف السياسي العام، أو التخفيف عن المعتقلين، وهو ما يعكس سوء تقديرهم الموقف السياسي على مدى هذه الفترة، بحيث صار وضع محمد مرسي رئيسا للدولة مسألة تاريخية، وكان من الأوْلى للمعارضة التقارب للتفكير في المستقبل، من خلال سياسات مشتركة، غير أن أسباب ما يحدث تبدو غير مفهومة وغامضة.