أزمة الاقتصاد سارقة الفرح من المصريين

06 يونيو 2017
الصورة
المصريون الأكثر احتفاء بالمواسم والأعياد(Getty)
+ الخط -
لا عجب أن يصبح المصريون الأكثر احتفاء بالمواسم والأعياد، ربما لأن الاحتفاء يمثل محاولة للهرب من الحزن، أو أنه يخفف من وقع الأزمات المتتالية، وفي القلب منها الأزمة الاقتصادية، مع الحس المحب للحياة لدى المصريين يتجاور مظهر الخروج الجماعي للشارع، هذا الخروج الذي نشهده في الأعياد والمواسم والاحتفالات على تنوعها: الأقباط يشترون فوانيس رمضان لأبنائهم، والمسلمون يذهبون إلى الأديرة ومولد السيدة العذراء بدرنكة، إحدى قرى محافظة أسيوط.

الشعب المصري اعتاد الخروج للشوارع والاحتفاء بكل المناسبات، وتجلت فكرة الخروج إلى الميادين في ثورة يناير والتي كانت وبحق مشهدا من الحشد البشري الهادر الذي استطاع أن يصمد ويقاوم الاستبداد والقهر بملمح وحس ساخر استطاع جذب الأنظار واهتمام المتابعين وتعلمت منه الشعوب المجاورة وقلدته في ميادين الاحتجاج.

وإذ كنا نتحدث عن الاحتفاء بشهر رمضان، فإنه لا يشبه أي دولة أخرى، تصطف الزينات في الشوارع وتنتشر مشاهد الاحتفاء بتنوع يعكس ملامح وخصائص مصر المتنوعة، لكن وسط هذه التعميمات التي نعرفها تسكن تفاصيل المعاناة الاقتصادية والاجتماعية، وتؤثر الأزمة على مظاهر الاحتفاء بل وأحيانا على حس الفكاهة والجنوح إلى الاجتماع البشري.

يمكن من خلال الإعلانات التلفزيونية التي تستجدى المواطنين للتبرع للفقراء والمرضى تلمس عمق الأزمة، فهناك ملايين من المرضى بينهم مرضى السرطان الذين يحتاجون للعلاج في ظل تراجع الصرف على خدمات الصحة، بل إن هناك ملايين من الفقراء قد لا تتوفر لديهم وجبة الإفطار وتسعى الجمعيات الأهلية لسد جوعهم، ومع أهمية الدور الخيري الذي تقوم به المؤسسات الأهلية، إلا إن جهودها لن تسد حجم الاحتياجات الضخمة التي هي بالأساس دور اجتماعي للدولة.

لكن السلطة ترحب بهذا الدور الخيري بوصفه النموذج المفترض للجمعيات الأهلية، وتطالب باقي منظمات المجتمع المدني بترك الملفات الحقوقية والعمل في مجال تقديم المساعدات وهذا التوجه وضح على لسان الرئيس عبدالفتاح السيسى الذي أشاد اكثر من مرة بتلك المؤسسات.

وعلى جانب آخر، واتساقا مع المنحى السلطوي، فرضت السلطة قيوداً واسعة على الجمعيات بإقرار قانون يحاصر عملها التنموي والحقوقي، خاصة تلك الجمعيات الساعية الى تعبئة فئات المجتمع للمطالبة بحقوقها الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يتعارض من جانب مع توجهات الدولة الاقتصادية التي تتهرب من مسؤوليتها تجاه المجتمع وتوجهاتها السياسية من جانب اخر والتي لا تريد سماع أي صوت خارجها.

لذا يتم الترويج لفكرة ان الجمعيات الأهلية والتبرعات تستطيع توفير جانب من الخدمات بدلا من الدولة، وهي فكرة ساذجة لا تضع في الاعتبار دور وإمكانيات الدولة قياسا بدور المجتمع المدني إضافة إلى قصور في فهم احتياجات المجتمع وآليات تلبيتها، وهكذا يستخدم الدور الخيري للمجتمع المدني كأداة لتخلي الدولة عن دورها في توفير الخدمات.

وهنا وحسب توجه السلطة للاقتصاد الحر واستمرارها في ممارسة السلطوية عبر تكميم الأفواه يجب أن تقتصر أنشطه المجتمع المدني على جمع التبرعات، وتصبح مطالبته بالكرامة والعدالة الاجتماعية والمساواة نشاطا مجرما وكذلك يصبح كل حراك يحاول التصدي للسياسات الاقتصادية الفاسدة كالخصخصة وبيع الأراضي في سياق التجريم، وتصبح الجمعيات المدافعة عن الحق في الصحة والعلاج والسكن والتعليم غير مرغوب فيها.

ما نراه فى إعلانات التلفزيون الساعية لجمع التبرعات مشهد متكرر، يحاول دون جدوى ملاحقة آثار فساد السياسات الاقتصادية التي تجعل المصريين فريسة للمرض والجوع والتهميش، وفي هذا السياق هناك نماذج عديدة للبؤس والعوز بداية من نقص الخدمات إلى المرض وصولا إلى عدم توافر الغذاء لفئات تعيش دون خط الفقر، ليس هناك أقسى من الإعلان التليفزيوني الذي حكى قصة أسرة تعيش في إحدى ضواحي بني سويف وتعتمد على مياه النيل لأن فقرها أعجزها عن مد شبكة مياه إلى منزلها وتوضح تلك الحالة جانبا من نقص الخدمات، الذي يجعل العطش في بلد النيل مشهدا متكررا ويعكس فقر الأسرة الذي دفعها للسكن في أحد مناطق الأطراف وكذلك يترابط مع البطالة وعدم امتلاك تلك الأسرة أي دخل يسمح لها بالحصول على مياه صالحة للشرب، مؤخرا تم وقف بث الإعلان لأنه اتسم بقسوة شديدة من جانب وأوضح فشل الدولة إلى حد اعتماد أسرة على مياه النيل دون معالجة.

على جانب آخر، أفسد تصاعد التضخم الذي تجاوز 32% فرحة المصريين وتركهم يضربون كفا بكف كلما ذهبوا إلى الأسواق، هذا التضخم الذي لم تشهده مصر من الستينيات وضرب فئات من الطبقة الوسطى حد من مظاهر الاحتفاء الرمضاني، فكل الأسعار ترتفع بلا استثناء نتاج السياسات الاقتصادية التي طبقتها السلطة وفي مقدمتها تعويم الجنية الذي قلل القدرة الشرائية، وكذلك فرض الضرائب غير المباشرة على السلع والخدمات.

كما شهدت أسعار الخضروات واللحوم ارتفاعا حادا بحسب تقارير الغرفة التجارية، وساهمت الزيادات في الجمارك على السلع الغذائية في ارتفاع الأسعار في ظل اعتماد مصر على نسب كبيرة من تغطية احتياجاتها من الاستيراد، كما ترك السوق بلا ضوابط في ظل سياسة التحرير الاقتصادي وتحكم قوى الاحتكار في السلع لكي تربح أكثر على حساب المستهلكين.

وأمام الغلاء المتصاعد وقفت السلطة تبث أكاذيبها حول توفير السلع وأعلن أنه تم ضخ مليار جنية لتوفير السلع، كما أعلنت عن سلسلة معارض" أهلا رمضان" التي لا تختلف أسعارها عن غيرها من المتاجر، بينما وقفت الأجهزة الأمنية تنافس بعضها البعض لتعلن أنها توفر للشعب الأمن والسلع، بينما السلطة بسياساتها الاقتصادية هي أصل الأزمة ومنبعها، لكن الخطة الدعائية المنظمة للدولة وأجهزتها الإعلامية تريد تثبيت صورة ذهنية يتداخل فيها الاقتصاد مع السياسة، ويتم تقديم أجهزة الأمن بوصفها المنقذ والحل دائما، وأنها تمد يد المساعدة للمصريين وخاصة الفقراء منهم.

وبهذه الكيفية التي ترسم هذه الصورة الوردية بدلا من صورة القمع أو صورة السلطة الجبائية، تنافست الأجهزة في دعايتها. لكن في الحقيقة وحسب الأرقام الرسمية، الشعب ينكوي بالأسعار التي لا تتناسب مع الأجور، وبدلا من البحث عن حلول وطنية لحل الأزمة الاقتصادية العميقة والتي يعد التضخم أحد مظاهرها، تتاجر السلطة بالأزمة التي تخلقها هي وحلفاؤها من كبار الرأسماليين والمحتكرين، إننا أمام سلطة تكسر الأنفس وتنزع الفرحة من المصريين.

المساهمون