"موديز" تحافظ على توقعات "مستقرة" لمصارف لبنان وترصد مخاطر متنوّعة

22 مارس 2019
الصورة
مخاطر عديدة تحيط باقتصاد لبنان ومصارفه (فرانس برس)

حافظت وكالة التصنيف الدولية "موديز" على استقرار توقعاتها المستقبلية للقطاع المصرفي اللبناني، لفترة تمتد لعام ونصف العام، وعزت قرارها إلى توقعات بتحسنٍ "خجولٍ في النمو الاقتصادي"، خصوصاً بعد تشكيل الحكومة الجديدة الذي أنعش تفاؤل المودعين والمستثمرين بعد أشهرٍ من الضبابية.

وتعكس النظرة المستقبلية "المستقرة" للقطاع قدرة المصارف على استقطاب ودائع كافية لتلبية الحاجات التمويلية للقطاعين العام والخاص على حد سواء، بحسب قرار موديز الذي نقله التقرير الأسبوعي الصادر عصر اليوم، الجمعة، عن "بنك الاعتماد اللبناني".

لكن في المقابل، لفتت موديز إلى أهمية بدء الحكومة بتنفيذ الإصلاحات الضرورية لتأمين ماليةٍ عامةٍ مستدامة على الأمد الطويل وإعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني.

تحديات البيئة التشغيلية.. وتحسّن النمو

على صعيد البيئة التشغيلية للمصارف اللبنانية، وبالرغم من الاستقرار النسبي الذي تتسم به حالياً، علقت الوكالة أنها لا تزال عرضةً لتحدياتٍ عديدة، فقد توقعت موديز أن تتسارع وتيرة النمو الاقتصادي الحقيقي في لبنان من 1% في عام 2018 إلى 1.3% عام 2019 و1.5% عام 2020، لتبقى رغم ذلك متواضعة، إذ إن تداعيات الإصلاحات والمشاريع الاستثمارية تستغرق وقتاً أطول لتتجلى.
وأشارت الوكالة إلى أن هذه المشاريع، بخاصة تلك التي تنضوي تحت مظلة برنامج الاستثمار الرأسمالي، ترافقاً مع الإصلاحات المالية المتوجب إقرارها ستسمح للبنان بالاستفادة فعلياً من الأموال التي تم التعهد بها في مؤتمر سيدر الذي عقد في باريس في إبريل/ نيسان 2018.

إلا أن موديز تلفت إلى أن أي تدهورٍ في الأوضاع السياسية المحلية أو في البيئة الجيوسياسية بشكلٍ يعيق جدول تطبيق الإصلاحات المنشودة من شأنه أن يحد بدوره من مستويات الثقة، ويشوش على النشاط الاقتصادي، ويزيد من معاناة الشركات وأصحاب الأعمال من البنى التحتية المهترئة.

عجز الميزان التجاري.. وعجز الموازنة

بالتوازي، ارتقبت موديز أن يظل العجز في الميزان التجاري وفي الموازنة مرتفعاً خلال الفترة المعنية. كما توقع التقرير استقراراً في نمو التسليف المحلي (مقارنةً بانكماشٍ نسبته 3% خلال عام 2018) قبل أن يزيد بشكلٍ خجولٍ في نهاية الفترة المذكورة، وذلك بفعل معدلات الفوائد المرتفعة والركود الاقتصادي.

غير أن الوكالة ارتقبت زيادةً في الطلب على الاقتراض على ضوء الرزمة التحفيزية التي خصصها مصرف لبنان للعام 2019، والبالغة قيمتها 1.1 مليار دولار أميركي.

أيضاً ضمن هذا السياق، سلطت موديز الضوء على الأداء الجيد للقطاع السياحي بحيث ارتفع عدد السياح القادمين إلى لبنان بنسبة 6% خلال عام 2018 إلى نحو مليوني زائر، مع معدل إشغالٍ للفنادق بحدود 65%.
ومن المتوقع أن يستمر الانتعاش في الحركة السياحية خلال الفترة القادمة، خصوصاً بعدما رفعت المملكة العربية السعودية حظر سفر رعاياها إلى لبنان.

من جهةٍ أخرى، ذكرت الوكالة معاناة قطاع البناء والقطاع العقاري، اللذين تأثرا بشكلٍ كبيرٍ بالتوترات السياسية وتعليق القروض الإسكانية المدعومة من قبل مصرف لبنان.

مخاطر مالية.. والتصنيف السيادي

أما في ما يتعلق بالمخاطر المالية، فقد ذكرت موديز أن تعرض المصارف الكبير والمتزايد للديون السيادية يعتبر أحد المخاطر الرئيسية للمصارف، والتي يرتبط تصنيفها الائتماني ارتباطاً وثيقاً بالتصنيف السيادي للبنان.

يُشار في هذا السياق إلى أن التوظيفات في الأدوات السيادية تشكل 55% من موجودات المصارف و7 أضعاف أموالها الخاصة الرئيسية Tier 1 capital مع نهاية عام 2018. كما أن نسبة الدين العام من الناتج المحلي الإجمالي بلغت 141% في نهاية العام 2018.

وتوقعت موديز أن يبقى العجز في الموازنة كنسبةٍ من الناتج المحلي الإجمالي مرتفعاً على الرغم من تراجعٍ تدريجي من 10.5% في العام 2018 إلى 9.5% في العام 2019 ومن ثم إلى 9% في العام 2020.

وبالنسبة لودائع الزبائن لدى المصارف، رأت موديز استمراراً في قدرة المصارف اللبنانية على جذب الودائع (وخاصةً من قبل المغتربين)، والتي من المتوقع أن تزيد بـ6.5 مليارات دولار عام 2019، مقابل ارتفاع بلغ 5.6 مليارات دولار في العام السابق، لتساهم بذلك في سد عجز الموازنة والميزان الجاري وفي المحافظة على الاستقرار الاقتصادي والمالي في البلاد.
بالتوازي، من المرتقب أن يستمر جذب الودائع في ظل معدلات الفائدة المرتفعة التي تقدمها المصارف على ضوء العائدات الجيدة التي باتت تتقاضاها على توظيفاتها مع البنك المركزي، دائماً بحسب الوكالة.

وقد أشادت موديز بقدرة المصارف على المحافظة على نمو الودائع حتى في أحلك الظروف بحيث اقتصرت ردة فعل المودعين بتحويل أموالهم إلى الدولار الأميركي.

مخاطر تباطؤ تدفق الودائع مستقبلاً

في الإطار عينه، أوضحت الوكالة أن مخاطر أي تباطؤٍ مستقبلي في تدفق الودائع تعوض عنها الاحتياطات الكبيرة لدى مصرف لبنان (بلغت الموجودات بالعملة الأجنبية 32.5 مليار دولار مع نهاية العام 2018)، والتي تشكل أيضاً حصناً متيناً لحماية استقرار سعر صرف العملة الوطنية.

على صعيد الملاءة، اعتبرت موديز أن نسب كفاية رأس المال لدى المصارف اللبنانية "متواضعة" في ظل تعرض المصارف الكبير للديون السيادية والبيئة المعقدة التي تعمل فيها.

في المقابل، إن امتثال المصارف اللبنانية بمتطلبات بازل 3 يساهم في النظرة المستقبلية "المستقرة" لنسب كفاية رأس المال خلال فترة 12 إلى 18 شهراً القادمة.
أما لجهة الربحية، فقد ذكرت موديز أن المصارف اللبنانية ستكون تحت ضغط عوامل كثيرة مثل: ارتفاع كلفة الودائع، ومحدودية فرص الأعمال الجديدة، وتزايد عبء تكوين المؤونات.

إلا أن الهندسات المالية التي أطلقها مصرف لبنان ساهمت في دعم إيرادات المصارف، والتي من المتوقع أن ترتفع مع نهاية الفترة المدروسة إذا ما تم إنجاز الإصلاحات والاستثمارات المطلوبة. كذلك من المرتقب أن تؤدي عودة الاستقرار السياسي في البلاد إلى تخفيض معدلات الفائدة على الودائع.