هاجس "لجم الفساد" يهيمن على منتدى اقتصادي في بيروت

09 ابريل 2019
الصورة
من جلسات المؤتمر اليوم في فندق "فينيسيا" (العربي الجديد)

بين حرج الوضع المالي الذي وصل إليه اقتصاد لبنان، وضغوط المانحين عليه لصرف قروض مؤتمر "سيدر"، سيطر هاجس الإصلاح على مُناخ "منتدى المال والأعمال" في بيروت اليوم الثلاثاء، برعاية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ومشاركة حاكم مصرف لبنان رياض سلامه.

لم يتمكّن الحريري من حضور المؤتمر المعنون "لبنان في عين المؤتمرات الدولية"، فنابَ عنه وزير الدولة لشؤون تكنولوجيا المعلومات، عادل أفيوني، الذي قال: "أخذنا قراراً بالإجماع للسير بالإصلاح والانتقال إلى بناء اقتصاد عصري، لأنه هو الطريق الحقيقي لإنقاذ لبنان، وقد أقررنا أمس (الإثنين في مجلس الوزراء) خطة الكهرباء في جو إيجابي وبناء، وهذا يدل على أننا نخطو أولى خطواتنا نحو الإصلاح".

واعتبر أن المؤتمر "يفتح نقاشاً واسعاً ومفيداً في هذه المرحلة الدقيقة التي يعيشها الاقتصاد اللبناني حول العلاقة الصحية التي يجب أن تربط لبنان بالمجتمع الدولي الذي غالباً ما شكل المظلة الراعية لانعقاد أكثر من مؤتمر دولي لدعم لبنان وآخره مؤتمر سيدر (في باريس)".

ولفت إلى أنه "في ظل التحديات التي تطالعنا، ليس خافياً على أحد أن الاقتصاد في لبنان يحتاج إلى عملية إصلاح جذرية لإعادة النهوض ولوضع البلاد مجدداً على سكة النمو الاقتصادي والازدهار وخلق فرص عمل، لأن هذه هي أولويتنا في حكومة (إلى العمل)، وهذا ما ينتظره منا كل لبناني، وهذه كانت غاية المؤتمرات السابقة، وهذا جوهر الاقتراحات التي تقدمت بها الحكومة إلى مؤتمر سيدر، أي التصميم على حمل المبضع لقص كل الشوائب التي تستنزف اقتصادنا".
وأوضح أن هذا الاستنزاف يتمثل بـ"تراجع البنى التحتية إلى عجز في المالية العامة وجمود في القطاعات المنتجة إلى قوانين وهيكليات وأسس لا تتماشى مع ما يتطلبه الاقتصاد الحديث ولا تلبي شروط زيادة النمو وجذب المستثمرين، وهذا ما تحرص الحكومة على القيام به، أي الانتقال إلى مرحلة تنفيذ إصلاحات سيدر والشروع في إزالة هذه العيوب التي تشوّه اقتصادنا، وأقرب دليل على هذا الانتقال هو تصديها لمعالجة خطة الكهرباء ولاحقا سيأتي دور إقرار الموازنة وغيرها من الملفات التي تعهدنا بمعالجتها".



وحذر من "أننا لا نملك الوقت للترف السياسي. وأي تلكؤ أو إهمال سيعرض اقتصادنا لمزيد من الضرر، وما يحصل اليوم وبالرغم من كل المصاعب التي نعيشها يدل على أننا نخطو أولى خطواتنا نحو الإصلاح، وأن هناك إجماعا سياسيا على محاربة الخلل في الاقتصاد واتفاقاً ناجزاً على أن الإصلاحات المطلوبة يجب ان تستبق الاستثمارات"، مذكراً بأن البيان الوزاري حدد كل الإصلاحات المطلوبة وكل الأحزاب المشاركة في الحكومة وافقت عليه.

وتابع أن المجتمع الدولي "تجاوب مع رؤيتنا وحصلنا على دعم عبر قروض ميسرة وهبات بحوالي 11.5 مليار دولار من البنك الدولي، ومن دول الاتحاد الاوروبي ومؤسساته التمويلية ومن الدول العربية. واليوم أصبحنا في مرحلة العمل والتنفيذ، وورشة العمل بدأت حكومياً ورسمياً من دون أن ننسى أن للقطاع الخاص دوراً كبيراً جداً في مسيرتنا هذه. ولذلك كان حرصنا على إقرار قانون الشراكة بين القطاعين الخاص والعام".

مصرف لبنان: البلد بحاجة لضخ رساميل جديدة

بدوره، حاكم مصرف لبنان، رياض سلامه، أكد أن "الاقتصاد اللبناني بحاجة إلى ضخّ رساميل جديدة"، موضحاً أنه "في سنة 2018، كانت نسبة النمو تقارب 1% في لبنان، بينما قاربت في المنطقة 2%. والحصول على تمويل محلي من المصارف اللبنانية زاد صعوبةً، فالقروض المصرفية للقطاع الخاص تمثل 110% من إجمالي الناتج المحلي".
ولفت إلى أن مصرف لبنان "أطلق رزماً جديدة من القروض المدعومة موزعة كالآتي: 500 مليون دولار للقطاعات الإنتاجية وقروض سكنية بالليرة اللبنانية بقيمة 220 مليون دولار. وللسنة الثانية على التوالي، خصّص مصرف لبنان للبنانيين المقيمين في الخارج قروضاً بلغ مجموعها هذه السنة 100 مليون دولار".

وانطلاقاً من استخدامات القروض الممنوحة للبنانيين المغتربين، بالدولار وليس بالليرة اللبنانية، استنتج سلامه أن معظمها يُستخدم لتملّك مساكن، مشيراً إلى أنه بفضل مبادرة رئيس مجلس الوزراء، ومجلس الإنماء والإعمار، قدّم "الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي" لـ"مصرف الإسكان" قرضاً بالدينار الكويتي، قيمته 165 مليون دولار.

وبالتالي، قال سلامه: "أصبح مجموع الأموال المتاحة لتمويل القروض السكنية يتراوح بين 450 و500 مليون دولار لهذا العام، هذا بغضّ النظر عن العمليات المتعلقة بالإسكان والتي أطلقتها بعض المصارف. ومن المفترض في هذه الرزمة التي بلغت قيمتها مليار دولار، أن تساهم في نموّ الناتج المحلي الاجمالي بنسبة 1.5% عام 2019".

وحذر سلامه من أن "كلفة التمويل في لبنان ارتفعت، إنما نعتبر أن القروض المدعومة ستساعد في خفضها".

تشغيل منصة تداول إلكترونية بحلول يونيو 2019

أما بخصوص عملية إطلاق منصة تداول إلكترونية، فقد قال سلامه إن هيئة الأسواق المالية أحرزت تقدما ملحوظا، ويفترض أن يُمنح ترخيصٌ بتشغيل هذه المنصة بحلول يونيو/ حزيران المقبل، علماً أن الغرض من تشغيلها هو تأمين المزيد من السيولة للقطاع الخاص.
وبحسب سلامه، ستُدرَج في هذه المنصة الإلكترونية أسهم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم وسندات دين القطاع الخاص، ليتمّ التداول بها في سوق ثانوية تمتاز بسيولتها ويمكن الوصول إليها من لبنان ومن الخارج. ويمكن أيضاً التداول بأسهم الصناديق العقارية. وفي هذا السياق، أصدر مصرف لبنان تعميماً يشجع على إنشاء الصناديق العقارية. وأمل سلامه تأسيس المزيد من الصناديق العقارية بهدف تصفية مخزون الشقق غير المُباعة، ما يؤمن سيولة يتمّ استخدامها في أسواق التسليف. 

دعم "اقتصاد المعرفة".. وخفض التصنيف

وأردف سلامه أن مصرف لبنان "يواصل دعم اقتصاد المعرفة الرقمية، من خلال تقديم ضمانات للمصارف التي تموّل أصحاب المبادرات في هذا المجال"، مضيفاً: "حتى الآن، تمّ استثمار ما مجموعه 250 مليون دولار في اقتصاد المعرفة، وهناك مبلغ مماثل أي 250 مليون دولار ما زال متاحاً للاستثمار".

على صعيد آخر، قامت وكالة "موديز" بتخفيض تصنيف لبنان. وقامت أيضاً وكالتا التصنيف الرئيسيتان الأخريان "ستاندرد أند بورز" و"فيتش" بتعديل نظرتهما للبنان من مستقرة إلى سلبية، بحسب سلامه الذي قال إن المصرف المركزي "استبق الأمور وعزّز رسملة المصارف التجارية. فبفضل الهندسات المالية التي أجراها سنة 2016، بلغت نسبة الملاءة لدى المصارف 16% وتمكنت هذه الأخيرة من تطبيق المعيار الدولي للتقارير المالية IFRS 9. وهذا ما سمح للمصارف بتجنّب تداعيات تخفيض تصنيف لبنان، من دون أن تتأثر قدراتها التسليفية".

سلامه خلص إلى أن المصرف المركزي "يؤكد مجدداً متانة القطاع المصرفي في لبنان. وقد أصدرت وكالات التصنيف مؤخراً تقارير تفيد بأن النظرة للقطاع المصرفي في لبنان مستقرة".
وانتهى إلى القول: "تبقى الليرة اللبنانية ركيزة الثقة لاقتصادنا وقطاعنا المالي والاستقرار المالي. إن مصرف لبنان ملتزم بالإبقاء على سياسته الهادفة إلى استقرار سعر الصرف بين الليرة والدولار، ويؤكد أن لديه القدرة على تحقيق هذا الهدف الذي بات مطلباً وطنياً. وخير دليل على ذلك ما ورد في البيان الوزاري للحكومة لنيل ثقة مجلس النواب".

جمعية المصارف: ثمن ضياع الوقت

رئيس "جمعية مصارف لبنان"، جوزف طربيه، قال: "لا أجد فائدة مرجوة في عرض وقائع ومحطات عايشناها معا طوال عام مضى. إنما أردت التوقف أمام المشهد العام وتأثير التأخير في عكس وجهة النتائج المتوخاة. إنه التأخير، إنه الوقت الثمين الذي نستهين بوزنه في تغيير المعادلات".

واعتبر أن "المطلوب جدول أولويّات يتقدمه بند إجراء الإصلاحات الجذرية والبنيوية المنتظرة منذ مدة في المجالات المالية والإدارية والاقتصادية وتنفيذ المقرّرات المتّخذة في المحافل والمؤتمرات الدولية التي سبقت الانتخابات النيابية الأخيرة (باريس، وروما وبروكسل) لما فيها من مبادرات ومشاريع والتزامات محفّزة للنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي في لبنان".



ولفت إلى أن "البداية هي في ملف الكهرباء، وإقرار الموازنة العامة للعام الحالي، مع إعادة هيكلة النفقات والواردات، بما يُفضي إلى إعادة خفض معدل العجز من 11% إلى 8% من الناتج في المرحلة الأولى، ومن ثم إعادة الاعتبار لالتزام خفض العجز إلى 5% من الناتج خلال 5 سنوات، مضى منها واحدة، وفقاً لما التزمته الحكومة أمام المجتمع الدولي".

وشدّد على أن "لبنان اليوم يجب أن يواجه الحقيقة بشجاعة، ويُجري التحسينات الهامة المطلوبة في المجالات السياسية والاقتصادية والمالية، والالتزام بالانضباط المالي والتقشف مراعاة للإمكانات الحقيقية للدولة وبمنأى عن المكرمات الشعبوية".

كما أكد أن "المطلوب إصلاحات هيكلية لتحسين الميزان التجاري وليس الكلام النظري عن تخفيض الفوائد، فيما يزيد تفاقم العجز من الأسباب التي تؤدي لرفعها"، مضيفاً أن "هذا الموضوع حريّ بالمعالجة لأنه أحد أسباب العلل البنيوية للعجز، أما الأسباب الأخرى، فنحن نرصد على هذا الصعيد، ومنذ فترة مقاربة جديدة في إعداد مشروع قانون الموازنة العامة وفي التوجهات المالية للدولة عموماً".
وتصب في هذا السياق، بحسب طربيه، المحاولات الجادة لضرب مناخ الفساد، ووقف التوظيف العشوائي وإعادة هيكلة وتنسيق أعمال الجمارك والمديريات العقارية والتدقيق في طلبات سلف الخزينة ومشروع قانون إلغاء الإعفاءات الجمركية غير المبررة، ويأتي في مقدمة كل ذلك الخطوات المنتظرة في مجال الكهرباء وكذلك تسريع ملف النفط والغاز".

وختم كلمته قائلاً: "نحن في مرحلة دقيقة وحساسة. جل ما هو مطلوب هو: شد الأحزمة وشحذ الهمم للخروج منها. بعدها من حق اللبنانيين أن يتطلعوا الى نجاح الخطة الطموحة للاستثمار في البنى التحتية وتحديثها، وأن يشاركوا في ورشة وطنية جامعة تتوخى اعادة الاعتبار لمقومات أساسية في مجالات مكافحة الفساد وإحقاق مرجعية القضاء واستقلاله وتحديث الادارة، تزامناً مع تسريع التوجه الى الحوكمة والحكومة الإلكترونية".

تلويح بإحجام القطاع الخاص عن المشاركة في المشاريع

موقف لافت عبّر عنه وزير الاتصالات، محمد شقير، وهو الآتي من رئاسة الهيئات الاقتصادية، عندما قال إن "عجز الخزينة وتفاقمه هو في صلب المشكلة، ولا نرى حتى الآن قرارات تُنفذ على الأرض للحد من المصاريف غير المجدية والتوظيف المستمر في القطاع العام"، معتبراً أن القطاع الخاص يراقب وينظر بشك كبير للجدية في تنفيذ الخطوات الإصلاحية، وأي انحراف عن الهدف الأساس وهو خفض العجز، سيقابله إحجام عن المشاركة في المشاريع".
وقال: "فلتكن مصلحة البلد فوق أي مصلحة واعتبار. والأيام المقبلة ستكون فاصلة، ونأمل من الجميع تحمّل مسوؤلياتهم الوطنية، لاتخاذ قرارات شجاعة وجذرية، خصوصاً في ما يتعلق بموازنة عام 2019، وإصلاح قطاع الكهرباء، والبدء سريعاً بتنفيذ مشاريع مؤتمر سيدر".
تعليق: