"حساب الألسن": ما لم يفكّر دريدا في نشره

"حساب الألسن": ما لم يفكّر دريدا في نشره

06 سبتمبر 2020
دريدا في تصميم لمجلة "فلسفة" الفرنسية
+ الخط -

"نص ملغز، لم يُنشر من قبل"، هكذا يقدّم الناشر (دار سوي) عملاً جديداً للمفكر الفرنسي جاك دريدا الذي رحل عن عالمنا منذ 16 عاماً، ليبدو مع هذا الإصدار وكأنه لا يزال حاضراً بيننا بمقولاته ومفاهيمه، وخصوصاً بجرأته على الخروج عن المألوف وهو ما نجده بقوة في هذا الكتاب الذي يحمل عنوان "حساب الألسن".

قبل اقتحام القارئ المتاهات المضمونية، سيقف أمام مسألة شكلانية فريدة حيث أن "حساب الألسن" مكتوب بنظام العمودين في صفحة واحدة، إذ أننا نقرأ في الحقيقة نصّين متوازيين، وعلى هذا الأساس فإن هذا الكتاب هو ثاني اثنين في مؤلفات دريدا فقد جرّب الأمر ذاته في عمل بعنوان "Glas" صدر في 1974، وقدّم فيه المفكر الفرنسي محاورة بين تحليلين أحدهما عن الفيلسوف الألماني فريديريك هيغل والثاني عن الكاتب الفرنسي جان جينيه.

في "حساب الألسن"، تبدو لعبة دريدا مع العمودين أكثر إثارة وتعقيداً، حيث أننا لا نفرّق بين موضوعين مختلفين، بما أن محور النصيّن المقترحين على عمودين مختلفين هو مفكر عصر الأنوار كوندياك. 

ما يستدعي لعبة المناظرة بين نصّين عند دريدا حول كاتب واحد هو محاولته التفكير في الكتابة، أي هناك الكتابة في حدّ ذاتها وهناك - بمعزل عنها - التفكير فيها، في النص الأول (على يسار الصفحة) نجد قراءة يمكن تسميتها بالمنهجية لكتاب "فن الكتابة" لكوندياك. أما النص المقابل، فهو أقرب إلى تعليقات وتداعيات تنتقل من كوندياك إلى مفكرين معاصرين دون أي ترتيب، حيث يترك دريدا لنفسه مساحة حرية واسعة في تغيير المرجعيات والأسلوب والمناهج، ولكن كل ذلك يصبّ في مقاربته الأشهر وهي التفكيكية باعتبارها محاولة لالتقاط العلاقات العميقة بين الأفكار ضمن ما يُخفيه النص - ومن ورائه لغته - لا ما يقوله.

الصورة
كتاب دريدا

يُشير كل من جيوفري بينيغتون وكاتي شينيفيت اللذين أشرفا على إصدار الكتاب، إلى أنه من الجدير الانتباه إلى كون العمل غير مكتمل. لكن الإشكالية الأكثر تتعلّق بأن العمل من المرجّح أن يكون غير مكتمل بقرار من مؤلّفه، حيث أن مشروع كتابة "حساب الألسن" قد بدأ حوالي 1973، بما أن هذه السنة شهدت صدور كتاب "أركيولوجيا الطائش"، والذي ظهر فيه إعلان دريدا في الغلاف الخلفي، أن كتاباً بعنوان "حساب الألسن" سيصدر له قريباً وهو ما لم يتحقّق إلا منذ أيام.

 

المساهمون