"النهضة" وما بعد الإسلام السياسي

29 مايو 2016
الصورة
+ الخط -
أنهت حركة "النهضة" في تونس مؤتمرها العام، الأسبوع الماضي، غير أن الجدل الذي أثاره لن ينتهي قريباً، متغذياً من أزمات الثقة والصور النمطية التي تلاحقها، وكثير من الحسابات المعقدة. وقد يكون هذا المؤتمر قد خلّف من الأسئلة أكثر مما أجاب عليها، ولم يستطع أيضاً أن يبدّد جل التخوفات التي سبقته. وبقطع النظر عن الرهانات التي عقدت عليه، وهي كثيرة، فإن أهم ما انتهى إليه، كما جاء في لوائحه أو تصريحات قيادات الحركة، في لغةٍ لا تخلو من بيداغوجية حذرة، هو مسألة "التخصص" كما عبّروا عنها حيناً، وأردفوها، أحيانا أخرى، بعبارة "فصل السياسي عن الدعوي". وربما تكون "النهضة" قد تجنبت، أو هكذا يُخيل إليها، استعمال بعض التعابير الأكثر وقعا و إثارة، من قبيل فصل الديني عن السياسي، أو فصل الشأن العام عن الدين إلخ. على خلاف تلك الفخاخ التي تنثر أمام خطواتها، المرتبكة أصلاً، اختارت "النهضة" لقول ما يحيل إلى ذلك مقاربةً مستوحاةً من قاموس المهن والوظائف، أي ما يفيد بضرورة التفرغ، والاشتغال على ما تعد مهام رئيسية، وإحالة ما دون ذلك إلى الغير، تجنباً لتداخل المهام، واتقاء تهمة الدخيل، وربما كان أهم تصريح دال على هذا المنحى ذلك الذي، إذ يرسم حدوده ينجُ من تهم شتى، لعل أخطرها، توظيف الدين وحشر المقدس في الشأن الدنيوي، هو ما أدلى به زعيمها الشيخ، راشد الغنوشي، لجريدة "لوموند" الفرنسية، حينما أكد أنهم، في حركة "النهضة"، لا يرون أنفسهم قادمين، أي بعد مؤتمرهم ذاك، ضمن فصائل الإسلام السياسي، بل هم خارجون منه، وهم حزب مدني يطمح إلى صياغة ديموقراطية مسلمة. ربما كان الشيخ يستحضر تجارب الديموقراطية المسيحية في أوروبا خصوصا.
يثير مصطلح الإسلام السياسي، على المستوى المفهومي، التباسات عديدة، ولعله أيضا لا يحل المشكل بقدر ما يزيد من تعقيده، فالالتباس يبدأ، أولاً، بهذا التمييز بين إسلامات عديدة، على غرار الإسلام الاجتماعي والإسلام الاقتصادي والإسلام الثقافي. ومع ذلك، جرى استعماله، حتى من المختصين الأكثر صرامةً، حتى غدا يفيد، ولو إجرائياً، طيفاً واسعاً من الفرق والتنظيمات والأحزاب التي تشتغل في حقل السياسي، عبر مختلف أشكال الفعل السياسي، على غرار الدعاية الحزبية العلنية والسرية، والعمل المدني، وغيرها من أشكال التدخل والتأثير في الشأن العام وصناعة القرار، وهو طيف غير متجانس، بل هو، في أحيانٍ كثيرة، هلامي يبدأ من الحركات الراديكالية والاحتجاجية، وينتهي بحركاتٍ مدنية سلمية، تقترب من أشكال التصوف الشعبي على غرار بعض تجارب الإسلام الآسيوي، أو حتى الأفريقي.
أرادت "النهضة"، بمؤتمرها ذاك، أن تتباين عن تلك الكتلة الهلامية، والتي غدت، مند عقدين
تقريباً، تثير، حقيقةً أو افتعالاً، شكوكاً وحتى مخاوف، كثيرة، حيث تنامى الفزع والفوبيا منها أمام صعود الحركات الدينية العنيفة التي لا تتورّع عن احتراف الإرهاب وارتكاب أبشع الجرائم السياسية، للوصول إلى أهدافها. صنفت مئات من تلك الحركات إرهابيةً، طاولتها إجراءات عديدة، في ظل جهود دوليةٍ، تتعولم أكثر من أي وقت مضى، لمواجهة المخاطر.
لن تكون مهمة "النهضة" يسيرةً، وهي تحت جملة من المواريث المربكة، كالتباس العلاقة، منذ اللحظة التأسيسية للإسلام المبكر، بين الدعوي والسياسي، إذ ما زال السؤال الذي يشج الثقافة العربية مربكاً: هل كان الرسول داعيةً أم باني دولة؟ فالاشتباك النظري ما زال حاصلاً، بل يضغط أكثر من أي وقت، وربما تناسلت من هذا السؤال أسئلة أكثر إلحاحاً حالياً على غرار حرية الضمير ومساواة الناس، باعتبارهم مواطنين، ناهيك عن إشكال اختيار الحاكم وغيرها.
لا يمكن لحركة النهضة أن تجيب عن تلك الأسئلة، وهي ماضية للتخصص في العمل السياسي. ولكن، سيكون من المهم استئناف الجميع محاولة الإجابة الفكرية خارج ضغوط الحسابات السياسية وربح المواقع. وبقطع النظر عن النيات التي يفترض حسنها، والأصل في الأشياء الإباحة، فان المهمة ستكون عسيرة بكل المقاييس، ذلك أن قواعد "النهضة"، وحتى قطاعاً واسعاً من الرأي العام الذي صوّت لها، لا ينظران إليها إلا ناطقاً رسمياً لذلك الإسلام السياسي بالذات. ولهذا السبب، انتموا إليها أو ناصروها. إنهم غير قابلين لإعادة رسم جغرافيا للإسلام، تحدد له تدخلاته، وتحصرها بعيداً عن الشأن العام، فذلك انقلابٌ لا يرون له مبرراً. غير أن الصعوبة لا تكمن في تلك القواعد فحسب، بل إن جزءاً آخر من النخب لن تسعد بدورها بهذا التحول إنْ تم، وستعمل على دفع "النهضة" إلى النكوص، وهي التي كانت تبني مشروعية معارضتها الحركة على ذلك الترابط القائم في خطابها وممارساتها بين السياسي والدعوي . كانت "النهضة" متهمة بذلك الخلط، وقد ذهب بعضهم، في فترات الأزمات السياسية الحادة التي مرّت بها البلاد في السنوات الأخيرة، إلى حد المطالبة بحلّ الحركة، على اعتبار أن ما تأتيه مخالف للدستور والقانون. يجد هؤلاء حالياً، وهم كثيرون، أن فصل "النهضة" بين الدعوي والسياسي التزاماً بمبدأ التخصص، سيسحب منهم حجةً مثمرةً في التخويف منها، ومن مصلحة هؤلاء شد الحركة و"مسمرتها" في زاوية شبهة التشابك بين الدعوي والسياسي.
على المستوى الإقليمي، تبدو التجربة مهمةً، إذ تمنح "النهضة" فرصة فريدة في بناء ديموقراطية مسلمة، على غرار الديمقراطية المسيحية، على الرغم من صعوبة المقارنة وخصوصيات السياق، فإذا كانت تجارب مهمة في العالم الآسيوي، كما ذكرنا سابقاً، قد بدأت تتيح تجريب الإسلام الديمقراطي، فإن حركة "النهضة"، في سياق عربي سني، قد تقدّم عملياً حالة نموذجية لاحتضان الإسلام القيم الديمقراطية.
هل تجد "النهضة" السياق الملائم الداخلي والوطني والإقليمي للتجريب والمغامرة، حتى تنفتح تجربتها على كل الاحتمالات الممكنة؟ نعتقد أن المهمة لن تكون مهمة "النهضة" وحدها، بل مهمة تلك الأطراف أيضاً، إذا ما أرادت تجنب الحريق.