"الطيور تتساقط مطراً": أسئلة وجودية ونصّ آسر

12 اغسطس 2020
الصورة
لويز أرشامبو: اقتحامٌ قسريّ مشروط بوجود الإنسان (أندِرْ غيلّينِيا/Getty)

ربما يمكن للإنسان الهروب من الحضارة وتعقيداتها إلى الغابة. لكنْ، هل يُمكنه الهروب من الزمن؟ من زمنه الخاص؟

من هذا السؤال الفلسفي، تنطلق المخرجة الكندية لويز أرشامبو (1970)، لتتبع ما تبقّى من خطوات قليلة لوصول مجموعة من كبار السنّ إلى خاتمة حياتهم، التي قرّروا تمضيتها في غابة. هذا الإيجاز الوصفي ـ الذي تكتنفه حيوات وعوامل متغيّرة كثيرة، وحكايات متراكمة بفعل طول الزمن الشخصي ـ مُخادع، ومرّ بمرحلتين، وتكثّف كثيراً خلالهما: الأولى عند كتابة جوسلين سوسييه (1948)، رواية "إنّها تُمطر عصافير" (2011)، الترجمة الحرفية للعنوان الفرنسي Il Pleuvait Des Oiseaux؛ والثانية عند اقتباسها للسينما بالعنوان الغامض نفسه (2019).

النصّ السينمائيّ يسرّب فعل الزمن ببطء. لم يعد للرجال الثلاثة ما يدفعهم إلى استعجالٍ. كلّ ما تبقّى لهم لا يتعدّى رغبة في سَكينة، وخلاصاً من ذكريات لم يعد لها معنى كثيراً. حتى الموت لم يعد بالنسبة إليهم فعلاً دراماتيكياً. ذلك ما تتعجّل في إيصاله الدقائق الأولى من "والطيور تتساقط مطراً" (عنواناً أفضل)، الفائز بجائزة أفضل فيلم في المسابقة الدولية للدورة الـ43 (24 يناير/ كانون الثاني ـ 3 فبراير/ شياط 2020) لـ"مهرجان غوتنبرغ السينمائي"، بإعلان موت تَدْ (كينيث ويلش) بذبحة صدرية. الزمن كأنّه يُبيّت بديلاً منه. امرأة أمضت أكثر من 60 عاماً من حياتها في بيتٍ خاص بالذين يُعانون نفسياً، تقتحم بهدوء عالم العجوزين تشارلي (جيلبر سيكوت) وتوم (ريمي جيرار)، فيعيد وجودها بينهما إحياء مثلث بشري، على زواياه تُركِن لويز أرشامبو (كاتبة السيناريو أيضاً) قراءتها للفكرة الوجودية الخاصة بالزمن، ومرور الكائن البشري عبر دوّاماته.

التأثيث المكاني لوجودهم طبيعي: غابة وبحيرة وأكواخ صغيرة. هذا مُحاطٌ بأشياء أخرى تُفسد مشروع عزلتهم التامة: فندق قريب، ومُصوّرة فوتوغرافية تسأل عن رجل دارت قصص عن بطولاته في إنقاذ أرواح كثيرة من جحيم نيران الحريق الكبير، الذي أتى على جانب من غابات مقاطعة كيبيك (كندا) ذات يوم. عرفه الناس باسم بويتشوك. غموض غيابه عن المكان، بعد فقدانه أهله في ذلك الحريق، زاد من صعوبة الوصول إليه. دخول الغابة ينكأ جروحاً عميقة، ويُعيد عند الهاربين إليها مرارة إحساس باللاعدالة، وقسوة بشرٍ يمنحون أنفسهم حقّ إزاحة كبار السن من محيطهم، من دون شعورٍ بندمٍ.

انكفاء المجموعة الصغيرة، احتجاجاً على آلية مجتمعية، تبطِّن قسوة ووحشية تتوافقان مع شريعة غاب كريهة. هذا مُرتّب للتوافق على عيشه بخطوات: تغيير أسمائهم الحقيقية بأخرى مستعارة، هرباً من وسطٍ نابذٍ لوجودهم، وتسهيل موت من يريد منهم وضع حدّ لحياته. مشكلتهم العصيّة على الحلّ كامنة في الزمن المُعانِد لهم، لا لشيء إلّا لأنّه يريد فرض قوانينه على الجميع، فهو لا يرضى باستثناء، وحاله كحال مجتمع محكوم بقوانين اقتصادية لا تقبل بمناكفٍ أو رافضٍ لها.

 

 

الاقتحام الخارجي عاتٍ، كحُبّ العجوز غيرترود لتشارلي. الاسم الجديد للعجوز في الغابة هو ماري دونَاج (أداء باهر لأندريه لاشابَلّ). علاقة عاطفية لثنائيّ في الثمانينيات من عمريهما، تكسر شرط الانعزال، وتسمح بانبثاق قصص من ماضٍ قرّرا الامتناع عن سماعه، لشدّة ما تُثير ذكرياته آلاماً في روحيهما الراغبتين في تفلّت سريع من جسدين كبّلا حريتهما طويلاً. ماضيهما وقسوة معاناتهما حرماناً عاطفياً يفسّران شدّة الانجذاب إلى علاقة متأخّرة. استجابة تشارلي لها تفتح مجازاً لعبور واقتحام.

تسمح تلك الثغرة/ المجاز بدخول السرد البصري إلى فنونٍ أخرى: التشكيل والموسيقى والفوتوغرافيا. هذه الميزة الأهم في اشتغال أرشامبو، المحصّنة بخبرة سينمائية تجمع بين القصير والوثائقي والروائي الطويل. في مُنجزها الروائي الثالث، تتجلّى تلك الخبرة في نقل تفاصيل المكان، والإحاطة بمفرداته. تجنّبها الإفراط في استخدام الـ"درون" (طائرات من دون طيار) لتصوير مساحات كبيرة من الغابات الرائعة في كيبيك، من علوٍّ، مؤشّر إلى انتباهها لأهمية إبقاء ذلك العالم بحدوده الواقعية، وعدم الإيغال في كسر عزلة المجموعة الصغيرة التي يكفي اختراق آخرين لها عنوة.

عناد المُصوّرة الفوتوغرافية رافاييل (إيف لاندري)، ومواصلة اقتحامها المكان رفقة مدير الفندق ستيف (إريك روبيدو)، يغدوان مدخلاً إلى تسلّل السرد البصري إلى التشكيلي. اكتشافها حقيقة العجوز تِدْ الرسّام، "البطل الهارب" من ذكريات الحريق المروّع، يمنح النصّ فسحة لتأمّل عالم تشكيلي باهر، وصور اللحظات التي سقطت فيها الطيور المحترقة من السماء إلى الأرض، تمنح أغاني العجوز توم روحاً شاعرية لنصّ لم تنقصه الشاعرية أصلاً، فغدا مُشبعاً بها. معرض المُصوّرة الفوتوغرافية للمجموعة يوثّق تجربةً تُحيل إلى التفكير بما يفعله الزمن بالإنسان، وكيف يقسو عليه حين يفرض قوانينه الخاصة من دون إرادته. اقتحامٌ قسريّ مشروط بوجود الإنسان، وبمباركة قوانين أخرى يضعها الناس في عزّ قوتهم، مُتناسين كلّياً ماذا يُخبّئ لهم الزمن الخبيث من فواجع ونهايات موجعة، تشبه تلك التي يواجهها الهاربون منه الآن في أعماق الغابة.

يُمكن وصف هذا النصّ السينمائي بالآسر، إذْ يطرح على المتفرّج أسئلة وجودية تُلحّ عليه للتفكير بها، حتّى بعد مرور وقت طويل على مُغادرته صالة العرض.