"مهرجان غوتنبرغ السينمائي الـ 43": مساواة جنسانية واهتمام بالسياسة والعرب

22 يناير 2020
الصورة
وعد الخطيب: توثيق الألم السوري (لويك فينانس/فرانس برس)
+ الخط -
أخيراً، حقّق "مهرجان غوتنبرغ السينمائي" ما كان يُعدّ له منذ أعوام، فنظّم دورة "مساواة" بين العاملات والعاملين في صناعة الأفلام، في تجربة ربما تكون الأولى من نوعها على مستوى مهرجان سينمائي كبير. ولأنّ المهرجان يُدار بعقلية "إسكندنافية" تثويرية هادئة الطابع، أطّرَت دورته الـ43، التي تُقام بين 24 يناير/ كانون الثاني و3 فبراير/ شباط 2020، ما كانت تعتبره توجّهاً متساوقاً مع أفكار طليعية، تنشد المساواة والعدالة الاجتماعية، خاصة في المعرفة والثقافة، عبر "رؤية" مستقبلية بعنوان "2020 ـ 2050".

الرؤية متريّثة، تُعطي لمن يتحمّس لتحقيقها وقتاً للنضج والتجريب. هذا نابع من فهم حاملي راياتها جدّية التحدّي المُنتَظَر، وقوّة مُحاججة الآخر الذي يجد في الدعوة إلى منح العاملات في حقل السينما، وحتّى الـ"ثيمات" الفيلمية، فرصاً متساوية مع العاملين في الحقل نفسه. يُدرك حاملو تلك الراية ما يكتنف خطوتهم من صعاب عملية، بعد طول هيمنة "ذكورية" تاريخية، تجد تزعّمها "عادياً" و"سوياً"، ولا تفهم أيّ فكرة تتعارض معها. أما منظّمو المهرجان، فيجدون ـ وفقاً لرؤيتهم ـ أنّ "السائد" أعور، ينظر إلى العالم بعين واحدة هي عين الرجل، وأنّه آن الأوان لأنْ ينظر بعينين اثنتين، ليرى المشهد كما هو في الحياة حقاً: امرأة ورجل. فتهميش أحدهما يُحدِث خللاً هيكلياً، وعندها لا بُدّ من التدخّل لتصحيحه، في السينما على الأقل، وهذا اشتغلَتْ عليه الدورة "النسوية" تلك.

لتحقيق ما شرعوا العمل به، اتَّبع منظّمو الدورة الـ43 ومبرمجو أفلامها "استراتيجية" تُبرِز "الأنثوي" سينمائياً، عبر المناصفة بين عدد المخرجات والمخرجين، وتخصيص "ثيمات" نسوية، يُجاورها عرض للمشهد النسوي العام، بأفلام من القارات كلّها، بطولاتها للنساء، وقصصها تدور حول المرأة. يُلاحظ ذلك عبر الاهتمام بالسينما العربية وبمخرجاتها أيضاً، إذْ اعتنوا اعلامياً بفيلمي "إلى سما" للسورية وعد الخطيب و"المرشّحة المثالية" للسعودية هيفاء المنصور، بالإضافة إلى "آدم" للمغربيّة مريم توزاني، و"بابيشا" للجزائرية مونية مدوّر، و"حلم نورا" للتونسية هند بوجمعة.

الأفلام الإسكندنافية من أكثر الأفلام هجساً بموضوع المرأة. لذا، من الطبيعيّ أنْ تأخذ تلك المنطقة الحصّة الأكبر في برمجة العروض، وعددها أكثر من 400 فيلم، موزّعة على أقسامها ومسابقاتها، كما على "ثيماتها" المستحدثة.

"مهرجان غوتنبرغ السينمائي" مؤهّل لتأدية هذا الدور، لأنّه ـ منذ انطلاقه ـ قدّم نفسه منصّةَ عرض للسينما الشمالية وتطويرها. مع مرور الوقت، أخذ مكانته كأحد أهم المهرجانات الأوروبية والعالمية، مُكرّساً مسابقاته الرئيسية لتلك السينما، ومانحاً جائزة أفضل فيلم من دول الشمال (مسابقة نورديك)، التي تُعتبر قيمتها المالية الأكبر (نحو 120 ألف دولار أميركي، يتقاسمها المخرج مع المنتج)، وجائزة العمل الأول (مسابقة إنغمار برغمان). أما المسابقة الدولية، فيمنح الجمهور جائزتها لفيلمٍ يرونه الأحسن، وإنْ تكن قيمتها "اعتبارية"، ومقابلها المالي رمزيا (نحو 5 آلاف دولار أميركي).
للجمهور أيضاً فضلٌ في نجاح "مهرجان غوتنبرغ السينمائي" واستمراره، لشدّة حماسته له. فالمهرجان من بين الأكثر شعبية في العالم، ونسبة متابعي فعالياته مثالية، قياساً إلى عدد السكّان (180 ألف بطاقة مباعة، مقابل 600 ألف عدد السكّان). المفارقة أن "غوتنبريين" كثيرين يأخذون إجازاتهم السنوية في فترة انعقاده، وهي الأشدّ برداً في السنة.

بعد "الشمالية"، تحظى أفلام قسم "قارات خمس" باهتمام الجمهور، لما فيه من تنوّع يوفّر اطّلاعاً معقولاً على المشهد السينمائي العالمي، ويُنبّه إلى تجارب ومواهب واعدة، علماً أنّ معظم الأفلام العربية معروضة فيه، كـ"شارع حيفا" للعراقي مهند حيال و"الكهف" للسوري فراس فياض. من فعالياته المحبّبة مُقابلة الجمهور للمحتفى بهم سنويا "وجهاً لوجه". في هذه الدورة، يُمنح الممثل السويدي المعروف ستيلان سكارسغورد "جائزة التنين الشرفية"، عن مجمل مُنجزه السينمائيّ، الذي تجاوز محليّته إلى العالمية، بفضل جودة ما قدّمه من تمثيل في السينما والتلفزيون. في هذه المناسبة، سيُعرض له "انكسار الأمواج" (1996)، وآخر مشاركاته، وهو فيلم تشيكي لفاسلاف مارهول بعنوان "الطائر المصبوغ" (2019).

إلى ذلك، تُكرّم الدورة الـ43 أيضاً المخرج والكاتب والناقد السينمائي السويدي ستيغ بيوركمان، المعروف بمؤلّفاته الحوارية، وأشهرها "تريّه عن فون تريّه" (1999)، حوار طويل مع المخرج الدنماركي لارس فون تريّه. والتكريم مختلف ومثير للاهتمام، إذْ يتعدّى الكلمات والمجاملات إلى سؤاله عن أهمّ الأفلام التي أثّرت فيه، وشكّلت خياله السينمائي، وشجّعته على احتراف المهنة، كتابة وإخراجاً. والأفلام التي ذكرها جلبتها له الدورة هذه، مقترحة عليه مشاهدته إياها مع الجمهور. 

لـ"الاحتفاء بالسينما البرازيلية" هذا العام بُعدٌ سياسي وتضامني مع صنّاعها، وابتهاج بحضورها اللافت للنظر في المشهد السينمائي العالمي، خاصة في العقد الأخير، الموصوف بـ"العصر الذهبي الجديد". مَردّ العناية بها متأتٍ من قلقٍ تُثيره السياسة الثقافية للرئيس اليميني الشعبوي غاير بولسونارو، المتّجهة إلى تحجيم السينما الجادّة، واستبدالها بأخرى تجارية منخفضة المستوى. وبولسونارو قلّص المساعدات المقدّمة لإنتاجها عبر معهد "أنسيني" التابع للدولة، مقابل زيادة الدعم المادي للمسلسلات التلفزيونية، ما يهدّد بتراجعٍ يُشبه ذاك الذي حدث مع وصول الطغمة العسكرية للحكم أواسط ستينيات القرن المنصرم. الدورة الـ43 تريد، عبر الاحتفاء، إعلان تضامن المهرجان مع السينمائيّ البرازيليّ، والإبقاء على جذوة حركة "سينما نوفو" متّقدة.