يوميات الحرب في غزة (7)

يوميات الحرب في غزة (7)

13 نوفمبر 2023
الدخان يتصاعد في موقع في قطاع غزّة جراء قصف إسرائيلي (فرانس برس)
+ الخط -

يدوّن الكاتب والقاصّ والروائي، وزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف، أيامه وسط جحيم القتل والحصار في قطاع غزّة، وهو الذي فقد عديدين من أقاربه شهداء، في أثناء المذبحة الراهنة التي يرتكبها مجرمو الحرب في دولة الاحتلال الإسرائيلي. يكتب أبو سيف في يوميّاته توثيقاً إنسانياً وشخصياً ومجتمعياً، رهيفاً وبالغ السخونة والحرارة. يكتب الألم الفردي، متوازياً مع الألم الجماعي الفلسطيني الذي يُكابده أهل غزّة المتروكون لآلة الحرب العمياء. تنشر "العربي الجديد" بعضاً من هذه اليوميات التي يحرص الروائي، المعروف، على كتابتها، لتكون مقطعاً في مدوّنة الموت والحياة الفلسطينية المديدة.

9 نوفمبر

سيكون يوم أمس آخر يوم ربما أذهب فيه إلى بيت الصحافة خلال الحرب، إذ بعد اشتداد القصف في محيط المنطقة، واقتراب الدبّابات من حسبة السمك، وتهجير النازحين في المدارس المحيطة لمربع أنصار وسقوط القذائف في شارع الشهداء، حيث يقع بيت الصحافة، فإن المكوث في المنطقة برمّتها بات خطراً وتهديداً للحياة. خرجتُ، قرابة الساعة الواحدة ظهراً، مسرعاً من هناك. كان مشهد الناس وهي تركض وتبكي وتصرُخ وتستحثّ بعضها بعضاً على السرعة يثير رعباً آخر، إلى جانب ما يحمله صوت القذائف والصواريخ وهدير المجنزرات من رعب يشلع القلب ويقطع النفس ويُرهق الجسد. حملتُ كل أغراضي، حتى التي كنت أتركها أياما هناك بغية الاستخدام، حتى جزمتي الرياضية (البوط) التي كانت تجد لها مكاناً في زاوية قصيةٍ في حديقة البيت الخلفية ولم ألبسها منذ شهر، فبعد أيام من الحرب، لم أعد أستخدم إلا حذائي الجلدي لسهولة لبسه، وكان الحذاء نفسه الذي طفت به حول الكعبة خلال أداء مناسك العُمرة بعيد اجتماع وزراء الثقافة العرب في الرياض قبل عامين. منذ شهر، لا ألبس غيره طوال النهار. في الحرب، ثمّة ضرورات واجبة، فأنت بحاجةٍ للحركة بسرعة، وقد تأتي أوقات لا تستطيع فيها ربط حذائك جيداً، كما أنك بحاجةٍ لاستخدام أماكن متعدّدة قد يكون استخدام حذاء رسمي (كندرة) أو حتى البوت الرياضي صعباً ومعيقاً للسرعة. وجدتُ في الحذاء الجلدي الملوّن، الذي وجدتُه ضمن ما أعطي لنا من ملابس الإحرام، عوْناً على قضاء هذه الأيام الصعبة. مع هذا، لم أجد حزامي الجلدي الذي لم أعد ألفّه حول بنطالي منذ ثلاثة أسابيع تقريباً أيضاً، لأنني أنام لابساً بنطال الجينز نفسه الذي أصحو به وأقضي نهاري وليلي به. ولراحتي في النوم وفي الجلوس غير المريح في أماكن غير مريحة، عدم استخدام الحزام أفضل، حتى لا يضغط على الخصر والأطراف. ومع هذا، يبدو لبس الحزام ضرورياً الآن مع ما فقدتُه من وزن بشكل كبير يتطلّب شد بنطال الجينز جيداً. 

تناولتُ حاجياتي. كان الجيران، عائلة الوادية، الذين اعتادوا في الأسابيع الثلاثة الأخيرة المبيت في بيت الصحافة في الليل، والعودة إلى بنايتهم في الشارع الموازي (شارع الناصرة)، قد أخذوا أيضاً كل حاجياتهم من فرشاتٍ ووسائد وبعض أدوات المطبخ وبعض الأشياء في الثلاجة، وقرّروا الرحيل عن المنطقة. كل شيءٍ يدعو إلى الرحيل وكل من في الشارع بدأ في الرحيل. تناولتُ حاجياتي، خصوصا اللابتوب وأوراقي والأقلام وحقيبة كتفي. تناول محمّد بعض زجاجات الماء المثلجة من داخل الثلاجة، وخرجنا نحو السيارة. كل شيء في الشارع يقول إنها لحظة فارقة في هذا الشارع الذي ظلّ عامراً صامداً طوال الحرب، وظلّ مركزاً صغيراً للحياة، ننعم نحن، روّاده ومستخدموه، بمُتعٍ كثيرةٍ فيه خلال أوقات عصيبة.

يبدو كل شيء أنه ذهب وانتهى بفعل تلك الحروب من زمن قديم، زمن آخر لم يعد موجوداً

يمتدّ شارع الشهداء بموازاة شارع عمر المختار جنوباً من البحر إلى منطقة السرايا. قديماً كانت ثمّة بوابة كبرى لمقرّ السرايا تكون بداية شارع الشهداء. وعليه، يمتدّ الشارع من البحر إلى البوّابة الغربية للسرايا. خلال الانتفاضة، كان مدخل المحكمة العسكرية، التي وضعونا في قفصها ننتظر الحكم خلال فترة اعتقالي، من تلك البوّابة. والسرايا من أماكن غزّة الشهيرة التي لم نعرف غزّة بدونها يوماً، وحتى اليوم، بعد أن هدَمتها الحروب البشعة على المدينة وتحوّلت السرايا إلى كراجات سيارات وساحات، ظلّت في قاموس الناس السرايا. لم تكن مجرّد مقرّ للحكم، سواء للاحتلال البريطاني وقبله، أو الحكم المصري، وبعد ذلك الاحتلال الإسرائيلي، وبعده أول مقرّ عسكري للسلطة الوطنية الفلسطينية في أرض فلسطين. ولكن أيضاً لما شكّلته من مركز وسطي في المسافة بين حدود مدينة غزة الشرقية وأحيائها على البحر. وكلمة قديماً في غزّة لا تعني مئات السنوات، فالمدينة ضحية الحروب تحت تغيّر دائم، وبالتالي، يبدو كل شيء أنه ذهب وانتهى بفعل تلك الحروب من زمن قديم، زمن آخر لم يعد موجوداً. كان هذا الشارع حيوياً ومنطقة نشاط، خصوصا أنه يقع في منتصف واحد من أبرز تقاطعات الشوارع في مدينة غزّة، أي تقاطع الجوازات، حين يتقاطع مع شارع النصر قرب نهايته صعوداً إلى مفترق الأزهر.

الصورة
مدرسة
طفلة تنظر إلى حفرة تشكلت بعد قصف إسرائيلي في مدرسة تابعة لـ"أونروا" تضمّ نازحين (12/11/2023/الأناضول)

كان في منتصف الشارع مكتب حركة الشبيبة، وكان فيه مقرّ الشرطة ومكتب إصدار جوازات السفر، وتمتدّ على جانبيه البنايات الأنيقة، حيث مكاتب الشركات والمؤسّسات، ثم الدوار الذي يحمل اسم حيدر عبد الشافي الذي كان بيته على الزاوية الغربية الشمالية للدوّار. ومع هذا، تكفي اسم شارع الشهداء فخامته. في وسط الشارع، كان يقع بيت الصحافة. وخلال الحرب بقينا مجموعة من السكّان ومستخدمي الشارع مثلنا نشكّل حارة صغيرة متكاتفة. بقي سكّان بضع عمارات ولم يغادروا، سواء في الشارع أو في الشوارع الخلفية المتفرّعة منه، مثل شارع فيكتور هوغو وشارع ماليزيا وشارع الناصرة وشارع الكونت برنادوت. وكان في الشارع سوبرماركتان ضخمتان من أشهر سوبرماركتات الرمال، "مول باندا" و"مول مترو" اللتان ظلتا تعملان حتى اللحظات الأخيرة، حين اضطُررنا إلى مغادرة الشارع.

كان الناس يركضون شرقاً باتجاه ملعب اليرموك، بعد أن امتلأت المدارس ومراكز الإيواء المحيطة بمستشفى الشفاء. وكان تحرّك السيارة بحد ذاته خطراً في شارع الشهداء، إذ أطلقت الدبابات قبل ساعات النار على سيارةٍ على مفترق حيدر عبد الشافي، وقيل إنها قتلت من فيها. لا أحد يعرف، لأن لا أحد يستطيع أن يقترب من المنطقة. كان الجيران على جانبي الشارع الذي كان جميلاً، قبل أن تقضي عليه الطائرات، منشغلين بحمل أمتعتهم والتحضير لمرحلة جديدة من البحث الدؤوب والمضني عن النجاة. فتحتُ نافذة السيارة، وأخذت أتبادل معهم الأماني بالسلامة التامة والوعود باللقاء بعد زوال الغمّة، ولا أحد منا متأكّد أن مثل هذه الأماني قد تتحقّق، لأن لا أحد منا يعرف من سينجو أم من ستأخُذه الحرب معها إلى متاهة الفقدان الدائم.

باتت بعض المناطق خاوية، ويصعُب أن ترى فيها أحداً. تضيق المدينة من بعض المناطق وتُضغط نحو جهة أخرى، فمثلاً كثير من مناطق غرب النصر والشيخ رضوان جرت إزاحتها وتهديد سكانها للنزوح، وبالتالي، التمركز في المناطق شرق شارع الجلاء. وبالتالي، بدت المدينة كل يوم أصغر وأصغر مما هي عليه. ومع هذا، ظلّ شارع الجلاء عامراً، وظلّ الناس يذهبون ويجيئون فيه، ويتحرّكون من أوله إلى آخره، فيما غطّت سحب الدمار والغيوم السوداء الناجمة عن القصف والهدم العشوائي منطقة الصفطاوي. وقيل إن الدبّابات تتحرّك باتجاه الحيّ. ونحن عادة لا نعرف أخبارا كثيرة، لأنها تجري عندنا. وعليه، حين يقع الخبر، فقد تسمع به من الآخرين. باتت العمارة التي أسكن فيها ليست ضمن نطاق مرمى نيران الدبابات، بل يخبرني ابني طلال إنه رأى فيديوهات يجرى تداولها للجنود في متنزّه الحارة، وهو المتنزّه الذي يقع غرب البناية التي أسكن فيها قرب موقع الـ"17"، أسفل نزول دوار التوام. وأيضاً، لم يكن شارع البحر الواصل إلى المخيم آمناً. لذا سلكنا طريقنا عبر بلدة النزلة التي ما زالت مكتظّة بالسكّان، وصولاً إلى مقبرة المخيم، قبل أن ننحدر باتجاه شارع مدارس البنات وصولاً إلى بيت حمي الذي جئت مبكّراً اليوم إليه، فقد درجت العادة أن أصل إلى عندهم بعد الخامسة، ولكني الآن وصلت قبل الثالثة. كان عليّ أن أشرح عن الوضع الجديد الذي لن يكون فيه بمقدوري بعد ذلك أن أذهب إلى بيت الصحافة، وربما لن أتمكّن من زيارة وسام في مستشفى الشفاء.

صار القصفُ شيئاً طبيعياً، ولم يعد يشكّل حتى تهديداً لنا، طالما لم يسقط الصاروخ حولنا أو بيننا

بدت وسام، في المستشفى، غاضبةً، وهي تصرخ من الألم، وبدأت موجةً جديدة من الدعاء للرب أن يأخذ روحها ويريحها، وتعتب عليه أيضاً أنه لم يأخذها من البداية. قالت كلاماً كثيراً يوجع، وهي تبكي من شدّة الألم. لم يكن ثمّة مسكن ولا مخدّر، وبات الوجع لا يحتمل، فقد أجروا لها، أمس، عملية في الجزء العلوي من يدها التي بُترت، وغرس سيخان من البلاتين بدون مخدّر، وبعد مرور نصف يوم على العملية، ما زالت تتألّم. لا أحد يعرف كيف يمكن أن يخفّف عنها، لأن لا أحد لديه مخدّر (بنج)، كلمة السر التي تناجي وسام الله أن ينزله عليه، كما أنزل على أصحاب عيسى مائدة. وفي ظل هذا اليأس، لا تعرف أن زمن الأنبياء قد انتهى، ولا معجزة لبشر. ظلّت تبكي. جاء الأطباء وجاء الممرضون، لكن لا أحد يستطيع أن يفعل شيئاً. لم أقو على قول كلمة. كل ما أعرف من كلمات، وأملك من بلاغة، وأستطيع أن أستعير من أقوال وحكم وأبيات من الشعر، وكل ما يجرى ذكرُه من قول العلي القدير، أو حديث نبيه الشريف، لن يفيد مع كل هذا الألم الذي تحسّ به وسام. لا شيء، الصراخ والصراخ فقط. كنت أنظر إليها وأمسح دمعتي، مدركاً أن الألم شيءٌ لا يحسّه إلا من يعايشه.

في المخيم، الكلّ يتبادل أخبار تقدّم الدبّابات في المحاور المختلفة. وكان قدومنا إلى الحارة هو قدوم حمَلة الأخبار الذين يمكن أن يضيفوا أشياء جديدة للنقاش، لأننا نحمل معنا ما هو طازج منها. ملّ الناس المحللين والخبراء على شاشات الفضائيات، لأنهم يتحدّثون نظرياً عن حروبٍ لم يخبروها، وكان أحدهم يسأل الجنرال فلان عن أي حرب خاضها، وأي معركة كبرى انتصر فيها. وقفتُ قليلاً مع الشباب. يسأل الكلّ عن أخبار غزّة وعن منطقة الرمال. وهل صحيح أن الجيش بات قاب قوسين أو أدنى من مستشفى الشفاء.

 في المخيم، الكلّ يتبادل أخبار تقدّم الدبّابات في المحاور المختلفة

ثمّة إغاراتٌ للطائرات فجأة على بيتٍ في طرف الحارة. لم نركض، لم نذهب زرافات لاستكشاف مكان القصف ومعاينة نتائجه وواقع المكان المقصوف، فقد صار القصف شيئاً طبيعياً، ولم يعد يشكّل حتى تهديداً لنا، طالما لم يسقط الصاروخ حولنا أو بيننا. تصاعد الدخان وتكوّمت سحابة سوداء فوق طرف الشارع، خلف عمارة الخلفاء الراشدين. قال أحدهم إنها العمارة ذاتها، فيما قال شابٌّ كان هابطاً من جهة رأس الشارع إنها بناية صغيرة خلفها (منزل عويضة). وكالعادة، قد يسأل بعضهم عن علاقة البيت المقصوف بالحرب، ثم ينسون الأسباب، ويتحدّثون عن النتائج، النتائج التي تشكّل هذا الواقع المرير الذي نعيشُه، النتائج التي جعلت منا نبحث عن رغيف الخبز وعن شربة الماء وعن ضوء الكهرباء وعن ومضة الموبايل.

ذهبتُ عند أختي عيشة، لأمدّد ظهري قليلاً على السرير، وهذه من عاداتٍ صرتُ أحرص عليها في ظلّ ما يتملّكني من ألم شديد كل يوم، حين أفيق من النوم، ممدّداً على الفرشة الرقيقة التي أنام عليها في بيت فرج. تمدّدت على السرير ساعة، وهي ساعة أحسّها مثل ليلة كاملة لشدة شوق ظهري لها. ثم تناولت القهوة التي جهّزها زوجها ماهر الذي يشكّل نموذجاً نادراً للرجل العربي الذي يساعد في كل أعباء البيت. جلسنا نشرب القهوة كلنا، وجلسنا ننظر في الإجابة عن السؤال الذي لا نريد أن نجيب عنه: هل علينا أن نتحرّك جنوباً. كنتُ قد وعدت بلال أن نتوجّه بعد يومين معاً، ولكن يبدو أنني لن أفعل ذلك. قلت لعيشة إن الأفضل أن نظل حيث نحن، نعرف المكان، ولدينا مكان وحاجياتنا، والأهم أيضاً أننا لسنا مضطرّين للنزوح من حيث نسكن، ولا شيء يمكن أن يضطر المرء لذلك. كانت البلاغة أكبر من قدرة الواقع، لكنها كانت كافيةً حتى نؤجل النقاش في الموضوع يوما آخر، حيث إنه سيظهر أيضاً في مساء اليوم، ونحن أيضاً ننظر في كؤوس القهوة التي أعدّتها عيشة قبل قليل.

الصورة
دمار
بحث عن عالقين تحت أنقاض مبان مهدّمة في أعقاب هجمات إسرائيلية على رفح في قطاع غزّة (11/11/2023 الأناضول)

في المساء، كان والدي وحيداً في البيت، إذ غادرت زوجته وأخي موسى وأختي أمينة، ولم يعودوا يبيتون، لا في بيتنا ولا في شقّة أمينة في البناية المجاورة في الشارع. ذهبتُ واقترحتُ عليه أن يأتي معي للمبيت في بيت فرج. تمنّع في البداية، لكنه تحت الضغط وافق. قلت له إن البيت في منتصف الحارة، وأيّ قصف سيسقط عليه. هزّ رأسَه كأنه يقول إن الأمر لا يفرق كثيراً معه. تناولنا، عند فرج، عشاءنا، بعد أن جهّزت الخبز على النار التي أوقدها أدهم، ووضعنا لوح الصاج، فكان خبزاً طازجاً. 
أفاق والدي في الليل غير قادر على التنفس. كان يلهث وهو يقول إننا يجب أن نأخذه إلى المستشفى. أخذنا، أنا وأدهم، نتناوب على تهوية صدره بواسطة صينية بلاستيكية رقيقة. قلت له أن يسحب نفساً عميقاً. حاول، لكنه قال إن الحل الوحيد أن يأخذ الإبرة في المستشفى. حاولتُ ضخّ مزيدٍ من الهواء، عبر البخاخة التي وجدتُها في جيبه، لكن من دون فائدة. لا يمكن نقله إلى المستشفى الآن، فأي شيء يتحرّك في مثل هذه الساعة المتأخّرة من الليلة (قرابة العاشرة والنصف) يجرى قصفه. حاولنا، أنا ومحمد وأدهم، أن نستدعي إسعافا، لكن من دون فائدة، فشبكة الاتصالات تتعطل معظم الوقت. بقينا ثلاث ساعات نتناوب على تهوية صدره، حتى بدأ يشعر ببعض التحسّن. مدّدناه وقلت إن أحسن شيء أن يُحاول أن ينام.

كالعادة، قد يسأل بعضهم عن علاقة البيت المقصوف بالحرب، ثم ينسون الأسباب، ويتحدّثون عن النتائج

 أيّ عجزٍ هذا الذي أحسسْنا به كلنا. كاد يموت ولم نملك أن ننقله إلى المستشفى، وحتى لو جرى نقله إلى هناك، ففي المستشفى ما يكفيه من اكتظاظ، ولا مكان فيه إلا للحالات الخطرة التي تقترب من حافّة الموت، ويُراد تأجيل رحيلها عنه قليلاً. أتذكّر حديث مدير مستشفى الشفاء لي، محمد أبو سلمية، عن المفاضلات التي يُجرونها في اختيار من يُعالج، حتى إنقاذ من يصلح إنقاذه، ولا يذهب الجهد عبثاً.

في الصباح، بدا أفضل، وأفاق مبكّراً واصطحبه ياسر ابني إلى البيت. تحرّكت في السيارة إلى الحطّاب قرب بركة الشيخ رضوان، لنشتري بعض الحطب الذي سيكفينا بضعة أيام. بدأت أكوام الحطب المرتفعة تقلّ وتنخفض، وبدأ الزبائن أكثر وأكثر. قبل خمسة أيام، كنّا وحدَنا نقف أمام التلّة الضخمة التي يربو ارتفاعها عن ثلاثة أمتار من خشب الحمضيات. وكان سعيداً بنا، يعرف أننا بداية خير وفير سيأتيه حين يبدأ غاز الطهو في النفاد من البيوت، وهو ما بدأ فعلاً. ثم ذهبت إلى مستشفى الشفاء لعيادة وسام. كانت نائمة. في طريق عودتنا، وقفنا أربعين دقيقة أمام محل أبو الأمين للفلافل، حتى نشتري عشرين قرصاً، وصحناً من الفول والحمّص، ونعود به لنتناول فطورنا مع فرج وياسر وأدهم.

الحديث عن هدنة إنسانية كان مزحةً من تخاريف العم سام، وهو يلوك مصالح البشرية تحت أنيابه

10 نوفمبر

تبدو تلك ساعات رهيبة وأوقاتاً عصيبة. يصعُب على المرء التركيز في مثلها، وهو في حاجةٍ ماسّةٍ لمثل هذا التركيز. الأخبار مقلقة، والأحداث تتسارع بشكل كبير، والناسُ يبدون في حيص بيص، وهم لا يعرفون ما يجري تحديداً، وليسوا متيقّنين من تطوّر الأمور، وغير قادرين على حمل ما يكفيهم من يقين حتى يواصلوا. شارع الحارة مكتظّ منذ الصباح. الشباب جماعاتٍ جماعاتٍ يتحدّثون ويتبادلون ما بدأ يتناهى إلى مسامعهم من أخبارٍ يلتقطونها من شخصٍ مرّ في الطريق، وألقى عليهم بعد التحية ما في جعبته من معلوماتٍ عن الوضع بشكل عام، فهم مقطوعون عن عالم نشرات الأخبار بسبب عدم وجود الإنترنت وعدم مقدرتهم على إجراء مكالماتٍ هاتفيةٍ مع الآخرين في الأماكن البعيدة، ليسألوهم عمّا يجري عندهم، كما أن من يملكون أجهزة الراديو عاجزون عن التقاط إشارة بثٍّ واضحةٍ، حيث إن الجيش الإسرائيلي يواصل التشويش على كل المحطات لحرمان الناس من التواصل مع العالم. وبدلاً من ذلك، يبثّ رسالة تهديد تطلب منهم أن يتحرّكوا نحو الجنوب. بدوْنا في جزيرة معزولة لا نعرف شيئاً. لكنّ هناك أخباراً خفيفة وغير دقيقة حتى اللحظة عن حصار مستشفى النصر، وعن وصول الدبابات إلى هناك، وعن استهداف مستشفى الشفاء وقصف مجمع العيادات الخارجية فيه. حديث عن إصابات وشهداء. لكن هذا كله حديث، ولا أحد يعرف شيئاً.

في الليل، جرى استهداف محيط المستشفى الإندونيسي بحزام ناري عنيف. كنتُ أجلس مع حماتي وحمي في منزلهما. كان الوقت قد تجاوز السادسة. وكان ثمّة حديثٌ خفيفٌ بدا مثل نسمة باردة بالنسبة للناس عن وجود هدنة إنسانية قصيرة أربع ساعات يومياً. ليس هذا كافياً لكنه أفضل من لا شيء. سأل الشاب في الشارع: هُدنة يعني لا يوجد قصف؟ لا أحد يستطيع أن يجيبه. بدت حماتي السبعينية خائفةً، بعد أن نزلت ألسنة اللهب من السماء نحو الأرض. رأيتُ من النافذة اللهب ورأيت الدخان. كنت أظنّ في الجهة المقابلة للبيت، أي في المنطقة الشرقية لمقبرة المخيم، لأعرف بعد ذلك أن ما رأيته كان لمعان اللهب في الجهة المقابلة، أما الدخان فكان سُحباً من القصف المستمر في منطقة الجلاء والشيخ رضوان. اثنا عشر صاروخاً قصفت المنطقة المجاورة للمستشفى الإندونيسي، وأصابت بأضرار فادحة مبانيه، واستشهد وجرح بعض من النازحين إلى باحاته طلباً للحماية. يصعُب في الليل معرفة الأخبار. فقط سمعنا صوت سيارات الإسعاف والدفاع المدني تهرول نحو المكان، ولم نعرف شيئاً. كنتُ أتحدّث مع محطة سكاي نيوز عن الهدنة التي بدت مبشرة، لكنها لم تكن أكثر من فكرة لم تُنفّذ، وأن في فكرة الجانب الإنساني خدعة من أجل دفع الناس للخروج إلى الجنوب. وهي ليست هدنة بالمعنى الحقيقي، بل هي تأمين ممرّات للناس من أجل أن يذهبوا إلى الجنوب. هدأت أصوات الانفجارات. بات مصطلح حزام ناري شائعاً، وصار الناس تستطيع أن تميّزه وتتعرّف إليه. وهو يعني، وفق خبرات الناس، الكثير من الدمار والقتل والمذابح، فلا حزام ناريا بدون هدم عشرات البيوت على ساكنيها، وبدون إحالة منطقةٍ كاملةٍ إلى كومة من الخراب.

لا حزام ناريا بدون هدم عشرات البيوت على ساكنيها، وبدون إحالة منطقةٍ كاملةٍ إلى كومةٍ من الخراب

 سرتُ في الطريق الواصل بين بيتي حمي وفرج. كان كل شيء هادئاً إلا صوت سيارات الدفاع المدني التي تصرُخ، وهي تحاول أن تصل إلى المكان لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. كالعادة، لم تنم الحارة بعد. الملاحظ أنه بعد القصف العنيف الذي استهدف الحارة قبل خمسة أيام واستشهدت فيه مها، ابنة عم هناء، وأطفالها وآخرون، خَفت حضور الشباب في الحارة في الليل، إذ إن استشهاد فخري الذي كان يقف مثلهم في الشارع ووقوعه تحت الردم أخافهم جدا، وطبيعة البشر أنها تحاول أن تتّقي الخطر نفسه. ولكنهم بدأوا، مع مرور الوقت، يخرجون مرّة أخرى، ويتجمّعون حتى ساعات معقولة من الليل، مختبئين تحت لوح زينكو ممتدّ من أحد السطوح، صانعاً ما يشبه "العريشة". كانوا يتداولون الأرقام عن عدد الشهداء في الحزام الناري الأخير، وكانوا يتحدّثون عن سوء الوضع داخل المستشفى. وكانوا يلملمون خوفهم ويحاولون أن يظهروا أكثر يقيناً بشأن الاستقرار المنشود. بات واضحاً أن الحديث عن هدنة إنسانية كان مزحةً من تخاريف العم سام، وهو يلوك مصالح البشرية تحت أنيابه.

الصورة
المستشفى الأندونيسي
دخان يتصاعد من المستشفى الأندونيسي في جباليا بعد استهدافه من قوات الاحتلال الإسرائيلي (12/11/2023 الأناضول)

ذهبتُ إلى سوق المخيّم، وكانت تلك المرّة الأولى التي أدخله فيها منذ الحرب. لم تكن هناك بضائع ومعروضات كثيرة. أغلب الموجودات في السوق هي بضائع مجمّدة من لحوم وأسماك وخضراوات جاهزة. ذبح بعض الجزّارين عجولاً، وباعة قليلون يبيعون الدجاج الحيّ. اتفقت مع عيشة أن أحضر لها دجاجة وتطهوها لوسام بعد أن تحشيها بالرز والكبدة، وتطبخ لها صحناً من الرز والفتّة حتى تأكل، فهي بحاجة للطعام حتى يستقيم عودُها وتعود الحيوية إلى جسدها. الأسعار مرتفعة، وبدا أن ثمة احتكارا، للأسف، واستغلالا لا يراقبه أحد، فسعر كيلو الدجاج وصل إلى 17 شيكلاً، وهو في أكثر حالته ارتفاعاً لا يصل إلى 13 شيكلاً. ومع ذلك، كان محل الرجل المعتم مكتظّاً بالزبائن. وعلى غير العادة، هو لا ينظف لك ما تشتريه من طيور، بل عليك أن تذهب لأحد الأشخاص الذين ينظفون الطيور بعد ذبحها وتدفع له مقابل ذلك. للحرب طقوسٌ وعاداتٌ عليها أن تصبح عاداتٍ أيضاً.

قلق الناس مشروع ومبرّر، وهم متروكون فريسة للدبّابات تمزّق أجسادهم وتدوسهم

 ذهب محمّد إلى بيت عيشة وأعطاها الدجاجة، فيما ذهبتُ لأتمدّد في عين الشمس في صالون فرج. كأنني اكتشفت أن ثمّة شمسا تُشرق، وأن جسدي يفتقد أشعتها. طوال الشهر الماضي لم أجلس في الشمس. كانت كل مشاويري في بيت الصحافة لا تمنحني الكثير من أشعة الشمس، فعليك في حديقة بيت الصحافة أن تجلس في ركن محدّد فيها، حتى تصل إليك أشعة الشمس، فهي مغطّاة بشجرة الزيتون الهرمة، وببعض أشجار الظل. وضعتُ الفرشة بحيث تكون في قلب الأشعة الوافدة إلى صالون البيت، وتمدّدت أنعم بالأشعة الطازجة الشابة. حتى إنني خلعت جل ملابسي من أجل أن ينعم جسدي وصدري بالشمس. وخلال ذلك، كنت أحاول أن ألتقط إشارة الإنترنت التي لم تصل منذ أكثر من يوم حتى ذلك الوقت ومنذ يوم ونصف يوم. لا فائدة. ومع ذلك، لا ييأس الإنسان. يظل يحاول ويحاول. لا شيء يدعو إلى التفاؤل من أن الشبكة ستعود. ولكن في ظل عدم وجود خيار، تظلّ المحاولة المتعثرة خياراً يجلب القليل من الأمل، الأمل الذي نظلّ عطشى له، لأننا بدونه لا نستطيع التفكير في يوم غد. 

حتى اللحظة، لا أعرف تفاصيل كثيرة. ثمّة حديث عن استهدافات وقصف في شارع الجلاء. تقصف المدفعية بشكل مستمر هناك، وحديث عن الدبابات في محيط مستشفى النصر. كانت فكرتي أن نحاول أن نذهب بالطعام إلى وسام. لا فائدة، فالطريق إلى شارع الجلاء باتت مستحيلة، فالقذائف تصل إلى هناك، وتصيب البيوت وتقتل البشر وتقتلع الحجر وتحرق الأخضر واليابس. لم يعد الطريق الواصل بين شارع الجلاء وشمال غزّة، وهو شارع الصفطاوي، آمناً بالمطلق، ولم يعد أحدٌ يمرّ من هناك، فكل شيء أمام فوهة الدبابات المتعطشة لمزيدٍ من القصف، كما أن الطريق عبر بلدة النزلة لم يعد ممكناً في ظل استهداف مدخل شارع الجلاء المستمر.

سأعرف أن وسام قد انتقلت إلى الجنوب مثل كثيرين، إذ بعد أن هاجم الجيش مستشفى الشفاء وقتل العشرات في مجمع العيادات الخارجية، وأخذت القذائف تدكّ نواحي المستشفى، لم يكن أمام عمّها حازم إلا أن يحملها ويخرُج بها إلى الجنوب. لم يُرد لها أن تموت، إذ لو دخل الجيش، فلن تستطيع بسبب وضعها وحالتها الصحية أن تنجو، سيقتلها الجنود بدم بارد. كان الحلّ أن يذهبوا إلى الجنوب. سار هو ووداد ووسام على عربة متحرّكة. لم يكن من الممكن تحريك سيارات الإسعاف، لأن الجيش يستهدف أي سيارة تتحرّك لا يجرى تنسيق عبورها شارع صلاح الدين معه، وعليه، فرحلة الهجرة نفسها هي الوحيدة الممكنة. وصلوا إلى مستشفى ناصر في منتصف مدينة خانيونس. لم يكن هناك متّسع لها. بعد عدة محاولات أيضاً مع مستشفى الهلال الأحمر، ذهب بها عمّها إلى المستشفى الأوروبي شرق خانيونس، على الطريق الشرقي الواصل إلى رفح، حيث وجدت مكاناً هناك. ستُخبرني هناك أنها مرتاحة قليلاً في ذلك المشفى، لوجود مزيد من الأسرّة والخدمات والاتصالات والإنترنت. صديق والدها يسكن هناك، تعرّف إليهم، ووفّر كل ما يلزم لهم هناك. وهذه فرصة لهناء لتذكيري بضرورة التحرّك نحو الجنوب. هناك فرص أكثر. والقصّة ليست بالفرص الأكثر. وتقصد فرص النجاة. القصة في حقيقة ما يجري. مثل الهدنة الإنسانية التي جرى الحديث عنها، فالقصة الأساسية ليست هدنة، بل يجب وقف الحرب.

الصورة
فرق إنقاذ ومدنيون يبحثون عن ناجين وسط أنقاض مبنى مدمّر في أعقاب قصف إسرائيلي في خانيونس (12/11/2023/فرانس برس)

صارت الأوضاع في مدينة غزّة صعبة جداً، فالحديث عن اقتحام مستشفى الشفاء بات مؤكّداً في ظل الاستهداف المباشر الذي تعرّض له المستشفى طوال الليلة الماضية وصباح اليوم. كما أن الدبابات تقصف شارع الجلاء وتتقدّم باتجاهه. ومحاصرة مستشفى النصر تعني أن منطقة النصر باتت تحت نيران الدبّابات والمشاة. تضيق المدينة وتضيق، كما عبر الجيش من الغرب نحو الشرق. وعما قليل، ومع تقدّم الدبابات، سيُعزل مخيم جباليا بشكل كامل عن كل ما يحيط به. يبدو الناس أكثر قلقا من الليلة الماضية. تستمرّ الحياة في الشارع مع ذلك. أخذتُ بعض الصور عبر كاميرا موبايلي إلى الشارع. لو نظر أحدهم إليها لبدَت مقاطع عادية من حياة عادية جداً. قد يبدو عليها بعض التقشّف، لكنها حياة ممكنة مع ذلك. شاب يبيع الماء الصالح للشرب للناس من خزّان كبير (ألفا ليتر تقريبا) يضعُه على عربة يجرّها حمار. يصطفّ الأطفال والفتيات لتعبئة زجاجاتهم وأوعيتهم. وشاب آخر يضع الحلوى والبسكويت على عربة خشبية كانت فيما مضى عربةً تجرّها الحيوانات، لكنها الآن مثل فاترينة عرض في أجمل محال المدن الكبرى. وشابّ يبيع الليمون والبرتقال. محلّ الإنترنت فاتح، رغم أنه لا يزوّد أحداً بالإنترنت. ومع ذلك، يستخدم الشباب أجهزة الكمبيوتر للعب والتسلية. مجموعة من كبار السن يجلسون على عتبة المحل العالية يتبادلون الذكريات، فيما القصف المستمرّ يذكّرنا جميعاً أن هذا الروقان والهدوء الذي ننعم به مؤقّت. صوت الطائرات الزنّانة يأكل كل شيء، فهو لا يأكل معنا بل يأكلنا.

صوت الطائرات الزنّانة يأكل كل شيء، فهو لا يأكل معنا بل يأكلنا

 يربط كثيرون رحيلهم إلى الجنوب بي وبقراري. بالنسبة لي، الأمر أكثر من مجرّد عبور الوادي، والخطو جنوبي الجسر الممتد فوقه. ثمّة أسئلة واحتمالات كثيرة. تشير الصور الواردة من هناك بألم للعبور الرهيب خارج فلسطين، والرحيل المفجع أيضاً تحت النيران في النكبة. هذه نكبة جديدة ولا نكبة بعد النكبة. صحيحٌ أن مثل هذا العبور يحدث داخل فلسطين، ولكن ماذا لو جرى بعد ذلك دفع الناس إلى الخروج من فلسطين نهائياً. ظنّ الكل وقت النكبة أنها مجرّد أيام ويعودون، ومرّت الأيام ولم يعد أحد. ومع ذلك، قلق الناس مشروع ومبرّر، وهم متروكون فريسة للدبابات تمزّق أجسادهم وتدوسهم. لم أعد أعرف ماذا سأفعل أو كيف سأفعل ذلك. كل يوم، أقول لمحمّد وأقول لعيشة وأقول لفرج وأقول لأدهم: غداً نفكّر... وأنا أعرف أنني غداً سأقول لهم: غداً نفكّر. إنه الغد الذي لا يصل. الغد الذي يظلّ معلقاً في رحم الغيب. 

في منزل عيشة، يستمرّ القصف ويستمرّ صوت الضرب يميناً وشمالاً، ويهتزّ البيت ونهتز، ونشعر أننا نطير. ولكن، مرّة أخرى، طالما سمعنا صوت القصف، فهذا يعني أننا في مأمن منه. قرّرت أن أبيت اليوم عند عيشة. تناولنا الغداء عندها، بعد أن طهت لنا على الحطب. 

يأتي الليل مبكراً، ويأتي الخوف معه، والانتظار رفيقهما الذي لا يتوقّف. يقول بشير لي إن أفضل شيء أن أذهب إلى الجنوب. الكل يطلب منك أن تذهب إلى الجنوب. وهناء تواصل دعاءها بأن يمرّ الليل ونكون سالمين. وأنا حقيقة تائه، لا أعرف على ماذا أنوي، أو ماذا سأفعل. تواصل الزنّانة أكلنا، وتواصل بثّ القلق فينا، ونحن نواصل يومنا بالقدر البسيط من الطمأنينة التي لا نملكها، لكننا نتسلّح بها، لأن لا خيار آخر لنا. مراسلو وكالات الأنباء والفضائيات هجروا مستشفى الشفاء. ولم تعد الكاميرات تنقل صوراً من هناك. تُرك الناس لمصيرهم، فحتى المراسلون بحثوا عن نجاتهم، وتركوا الأخبار مسكوبة مثل حليبٍ مُراق على الطرقات، لا أحد يبحث عنه.

حتى شبكة الاتصالات لم تعد تعمل. بالكاد يمكن لك أن تتلقّى مكالمة، ولا يمكن أن تواصلها. كنتُ أنتظر مكالمة من "بي بي سي"، لكن الشبكة لم تساعد. كذلك مجمل ما رتّبت له من مكالمات مسائية لم ينجح. في أوقاتٍ، عليك أن تسلّم بما لديك. وعليك أن تقتنع بأن الوضع لن يتغير، وأن كل ما تملك فعله أن تجلس، وتخدع نفسك بأن هذا الوضع الأفضل والأكثر مثالية الذي يمكن لك أن تحصل عليه في الوقت الراهن. تخيّل الحياة بلا إنترنت. تخيّلها بلا تلفونات. وتخيّل نفسك جاهزاً لأي احتمالٍ، قد تركض فيه إلى الشارع بحثاً عن النجاة.

قضايا وناس
التحديثات الحية

المساهمون