كارثة غزة الصحية... آلاف المرضى والجرحى لا يجدون العلاج

20 مايو 2024
إسعافات أولية في عيادة تل السلطان بمدينة رفح (محمود بسام/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- وزارة الصحة تجهد لتوفير الرعاية الصحية في غزة عبر عيادات مؤقتة بمناطق النزوح رغم قلة الإمكانات والمستلزمات الطبية، مما يحد من قدرتها على الخدمة.
- تأزم الوضع الصحي بتوقف 57 مركزاً صحياً واقتصار الخدمات على ثلاثة مستشفيات فقط، مما يضع ضغوطاً هائلة على الجرحى والمرضى بحاجة لعلاج دوري.
- الأطباء والمراكز الصحية المؤقتة يعملون في ظروف صعبة، أحياناً بإضاءة الهواتف، مع نقص حاد في المعدات والمستلزمات، مما يعكس الحاجة الماسة لتحسين البنية التحتية الصحية.

تحاول وزارة الصحة في غزة توفير الرعاية للجرحى والمرضى في مناطق النزوح المكتظة عبر إنشاء عيادات مؤقتة، لكن تلك العيادات تعمل لساعات محدودة يومياً بسبب قلة الإمكانات والمستلزمات.

تعد المنطقة الغربية من مدينة خانيونس ومدينة دير البلح أكثر مناطق قطاع غزة اكتظاظاً في الوقت الحالي، بعد وصول عشرات آلاف النازحين من مدينة رفح إليها، ويعيش هؤلاء النازحون أوقاتاً حرجة، خصوصاً آلاف الجرحى والمرضى الذين لا يستطيعون الحصول على أي علاج أو أدوية في ظل محدودية عمل المستشفيات وقلة المراكز الصحية مقارنة بأعدادهم الكبيرة في تلك المناطق.
ويضطر النازحون إلى منطقة المواصي غربي خانيونس، إلى قطع مسافات كبيرة للوصول إلى أقرب عيادة صحية، فرغم إنشاء عدد من النقاط الطبية داخل مناطق الخيام تدير بعضها وكالة "أونروا"، وأخرى تتبع هيئات طبية دولية مثل منظمة الصحة العالمية، إلا أنها تعمل على التدخل في حالات الطوارئ، ولا يمكنها تولي مسؤولية العلاج المستديم للجرحى والمرضى.
يعاني الجريح محمد دياب (30 سنة) من انتشار الالتهابات في ساقه اليسرى، والتي أصبحت مهددة بالبتر بسبب عدم توفر الرعاية الصحية اللازمة، وهو من دون أي علاج منذ أكثر من أسبوع، بعد أن كان قبل نزوحه إلى منطقة المواصي، ضمن عشرات الجرحى الذين يحصلون على العلاج داخل المستشفى الميداني الأردني في مدينة رفح، ويتردد على عدد من الأطباء المتخصصين في مستشفى أبو يوسف النجار قبل أن يخرج من الخدمة.
في أول زيارة إلى المركز الطبي، لم يستطع دياب مقابلة الطبيب لأن ساعات العمل كانت قد انتهت، وتقرر أن ينتظر إلى اليوم التالي مع مئات ممن ينتظرون العرض على الطبيب المتخصص في العظام. في اليوم التالي، اضطر للذهاب إلى المركز الطبي في السادسة والنصف صباحاً حتى يتمكن من مقابلة الطبيب، وكان يسنده شقيقه الأصغر لأن قدرته على الحركة محدودة.

توقف 57 مركزاً صحياً عن العمل في قطاع غزة منذ بداية العدوان

يقول دياب لـ"العربي الجديد": "أحتاج إلى مسكن للآلام بشكل يومي، وكذلك معقم داخلي ومعقم خارجي، ومراهم ومضادات حيوية. خلال الشهر الماضي، وقبل عملية الاحتلال العسكرية على مدينة رفح، كنت أحصل على نصف العلاج تقريباً، وكان يخفف بعض آلامي، لكن على مدار قرابة أسبوعين من النزوح، حصلت على عبوتي مرهم، وشريط واحد من المسكن، وشريط من المضاد الحيوي، وكان مفعولها أقل من الأدوية السابقة".
يضيف: "أعاني آلاما متفاقمة، وكنت قبل النزوح الأخير أعيش داخل مدرسة لإيواء النازحين، وكانت أوضاعي فيها أفضل مما هي عليه هنا في الخيمة. أعيش في جو من الضغط النفسي المستمر، وكثيرين مثلي مضطرون إلى الذهاب للطبيب بشكلٍ دوري. جميع خيام منطقة المواصي تقريباً تضم جرحى أو مبتوري أطراف أو مرضى، ولو ظلت الأوضاع على هذا الحال ستنتشر بيننا الأمراض المعدية، وتتفاقم أوضاعنا الصحية، فنحن معرضون لحرارة الشمس الحارقة، والبعوض والحشرات منتشرة في كل مكان".

الصورة
أعداد كبيرة من جرحى العدوان على غزة (فرانس برس)
أعداد كبيرة من جرحى العدوان على غزة (فرانس برس)

يخشى دياب من اضطرار الأطباء إلى بتر ساقه المصابة نتيجة عدم توفر الرعاية الصحية اللازمة في قطاع غزة، وعدم القدرة على السفر للعلاج في الخارج بسبب سياسات السفر للعلاج العقيمة التي كانت سبباً في بتر أطراف العديد من المصابين، كما أدت إلى وفيات عدة منذ سيطرة جيش الاحتلال على منفذ رفح البري.
ويعمل في قطاع غزة بالكامل ثلاثة مستشفيات فقط من أصل 35 مستشفى كانت تعمل قبل العدوان الإسرائيلي، من بينهما مستشفى واحد يعمل بكامل طاقته، وهو مستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح، بينما يعمل مجمع ناصر الطبي في مدينة خانيونس بطاقة محدودة نتيجة الاعتداءات المتواصلة عليه، واقتحامه مرتين خلال العدوان الحالي، وإلحاق أضرار كبيرة بمرافقه وأجهزته، كما يعمل مستشفى كمال عدوان في بلدة بيت لاهيا، أيضاً بطاقة جزئية، وهو المستشفى الوحيد العامل في شمالي القطاع، وأعلن جهاز الدفاع المدني في غزة، الأحد، خروجه من الخدمة نتيجة التهديدات والقصف الإسرائيلي المتواصل لمحيطه، لكنه عاد للعمل بشكل محدود، فيما تشير بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إلى خروج 57 مركزاً صحياً من الخدمة في محافظات القطاع الخمسة منذ بداية العدوان.

يعمل في قطاع غزة حالياً 3 مستشفيات فقط من أصل 35 مستشفى

ووفق آخر إحصائية لوزارة الصحة، فإن العدوان الإسرائيلي المتواصل خلف قرابة 80 ألف جريح حتى يوم 20 مايو/أيار، وقرابة 35 في المائة من هؤلاء بحاجة إلى علاج دوري مستمر حتى لا تتفاقم إصاباتهم بدرجة تهدد حياتهم، أو تتسبب لهم بإعاقات دائمة، ونحو 10 في المائة من المصابين أصبحوا من ذوي الإعاقة بالفعل بعد بتر أحد الأعضاء أو إصابتهم بالشلل النصفي.
وأعلنت الوزارة بعد بدء العملية العسكرية الأخيرة في رفح وتفاقم أزمة النزوح باتجاه مدينتي خانيونس ودير البلح، تجهيز مراكز الرعاية الأولية العاملة في المحافظتين الوسطى والجنوبية من قطاع غزة لتكون مراكز صحية، ومن بينها عيادة تل السلطان في غرب مدينة رفح حيث يوجد آلاف النازحين، نظراً لتوقف العديد من المراكز الطبية في رفح، خصوصاً في مناطق وسط المدينة والمنطقة الشرقية.

الصورة
إمكانات العلاج في غزة محدودة للغاية (محمود بسام/الأناضول)
إمكانات العلاج في غزة محدودة للغاية (محمود بسام/الأناضول)

وجهزت الوزارة ثلاث عيادات في مدينة خانيونس، هي عيادة جورة اللوت، والمركز الثقافي ببني سهيلا، وعيادة عبسان الكبيرة، وفي المحافظة الوسطى التي تضم مدينة دير البلح ومخيمها ومخيمات النصيرات والمغازي والبريج، جرى تجهيز عيادة شهداء النصيرات، وعيادة النصيرات العاجلة، وعيادة دير البلح، وعيادة أقيمت داخل نادي خدمات المغازي، وعيادة البريج الجديدة، وعيادة حكر الجامع، وعيادة السوارحة، وعيادة بلدة الزوايدة.
لكن الجرحى والمرضى يشعرون بضغوط كبيرة لأن تلك العيادات لا تلبي الحاجة المتزايدة، إذ تعمل في نطاق محدود لا يتجاوز 6 ساعات يومياً، وغالبيتها بلا معدات، ولا يتوفر لها الوقود أو المعدات والمستلزمات الطبية، حتى إن بعضها تعمل من دون إنارة مستدامة نتيجة عدم توفر الوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء، ويعتمد الأطباء في بعض الأحيان على إضاءة الهواتف الخلوية.
نزح مالك أبو الروس (24 سنة) مع أسرته من مدينة رفح إلى منطقة قريبة من مخيم خانيونس، وهو مصاب بكسور في الفك والكتف منذ إصابته في قصف إسرائيلي على حي السلام في المنطقة الشرقية من مدينة رفح، ويقول لـ"العربي الجديد": "عندما راجعت العيادة الطبية القريبة من المنطقة التي نزحت إليها، كان الطبيب يكشف على المرضى عبر إضاءة هاتفه، ويضع بطارية إضافية بالقرب منه حتى يستبدل بطارية الهاتف في حال انتهاء شحنها".
يضيف أبو الروس: "قبل نزوحي من رفح، كنت أتلقى العلاج في مستشفى أبو يوسف النجار، حتى إنني عرضت على وفود طبية عربية، وجميعهم أكدوا حاجتي إلى المتابعة المستمرة، ومنذ النزوح نبحث عن أي عيادة طبية، فحالتي تتدهور، وما زالت لدي أحلام كثيرة في المستقبل. نعيش تائهين، ولا نعرف مكانا لتلقي العلاج، وورقة الكشف الطبي أهم عندي من الهوية الشخصية، وأعرضها على كل طبيب أراجعه حتى يشخص حالتي، لكني أعاني آلاما شديدة، ومعظم أنواع العلاج غير متوفرة، على رأسها المضادات الحيوية والمسكنات، ما يجعلني لا أستطيع النوم".

يعمل الطبيب عمر شُراب في عيادة بمدينة دير البلح، وهو طبيب عام، ودوره القيام بالفحص الأولي لحالات الطوارئ، وإجراء الإسعافات للحالات المرضية بمساندة بعض الممرضين، وهو يؤكد أن أعداد المرضى في ارتفاع، وبعضهم يحتاجون للعرض على طبيب مختص، والغالبية ينتظرون لأيام قبل مقابلة الطبيب، وبعض الحالات لا يوجد أطباء لمراجعتها، مثل حالات الأعصاب، وعدد أطباء العظام وتخصص الأنف والأذن والحنجرة محدود.
يقول شُراب لـ"العربي الجديد": "أعلنت وزارة الصحة في غزة توفير عدد من المراكز الصحية التي تعمل بطاقة محدودة، ولا تتوفر بها كامل المعدات، وهناك تعليمات مشددة لاستخدام الأدوات والمستلزمات لإنقاذ الحالات الخطرة، والمشكلة تكمن في توافد مئات الحالات المرضية يومياً بسبب قلة المراكز الصحية وتوقف المستشفيات، وجميع المراكز الصحية تعمل حالياً في  ظل أوضاع الطوارئ، وفي بعض الأوقات نجري عمليات جراحية صغرى ومتوسطة من دون معدات".